Hisham Elmahdi
Hisham Elmahdi

@drhzagalo

35 تغريدة 5 قراءة Feb 15, 2021
الكيزان الأوائل..
التاريخ يخبرنا عن السبب الرئيسي لمحاربة اليهود رسالة سيدنا عيسى عليه السلام وقتها.. فالمسيح (ع) أصوله يهودية ونشأ على التعاليم اليهودية التي وجد عليها قومه ولكن دعوته فارقت ما وجد عليه اهله.. (١)
فكذبوه دوناً عن بقية رسل بني اسرائيل لأن دعوته كانت تقوم على ان رحمة الله تشمل جميع البشر و ليست حصرية فقط في بنو اسرائيل كما كان المفهوم في اليهودية، حينها، بحصرية بالانتماء الإثني للاسباط ال١٢ (ابناء سيدنا يعقوب: يوسف و اخوته).. (٢)
والواقع انه حتى بعد أن رفع الله المسيح اليه، كانت دعوة اغلب الحواريين تشترط أن يكون المنتمي حديثاً للجماعة من أصول يهودية؛ حتى رأوا ان زميلهم الجديد (وعدوهم السابق) بولس الطرسوسي يقبل الجميع بدون اشتراطات اثنية؛ و بالمناسبة بولس (أصوله يهودية) + (٣)
هو نفسه الذي رأي ان الختان (الطهور) المقصود هي عملية روحية وليست جسدية (رسالة بولس الى أهل رومية ٢-٢٩)؛ طبعاً بعد كدة بمئات السنين.. طبعاً ناسنا جوا بعد كم مية سنة واعادوا احياء الممارسة اليهودية القديمة بتاعة الختان الجسدي.. (٤)
بصورة مشابهة، وبدون شك، واحدة من أهم الاسباب التي دفعت سادة قريش (الطبقة الارستقراطية) على محاربة دعوة سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام هي تأثيرات الدين الجديد الاجتماعية على تركيبة المجتمع و طبقاته حينها، فمبدأ المساواة بين البشر و الحض على تحرير الرقيق كان المحرك الأول (٥)
في حملتهم للدفاع عن مكتسباتهم التي وجدوا عليها اباءهم... ودة برضو بيورينا كيف انه "أغلب" المنتمين الأوائل للإسلام كانوا من أقارب النبي و من رقيق قريش؛ وكيف انه الحرب الطاحنة ضد الاسلام شنتها وواصلت فيها الطبقة الارستقراطية بتاعة قريش.. (٦)
طبعاً قوة و مكانة بني هاشم منحت حماية للرسول (ص) في شخصه في بداية الدعوة؛ ومن الناحية الثانية كان رأس رمح عداوة الدعوة يقوده بنو أمية (ابناء عمومة بني هاشم و منافسيهم ذوي النفوذ).. طبعاً غني عن القول انه بنو أمية وقتها كانوا اكثر ثراء و نفوذاً في قريش.. (٧)
الشاهد أن الرسول الكريم كان يحترم مكانة بنو أمية، فهاهو يكرم أبوسفيان في فتح مكة ويذكر من دخل دار أبوسفيان فهو أمن.. وبطبيعة الحال لم يدخل الطلقاء (مسلمي الفتح) في الإسلام إلا بعد فتح مكة عنوة؛ فيذكر في التراث انه عندما قدم النبي (ص) ومعه ١٠ الف من الصحابة ليفتحوا مكة، (٨)
رافق العباس عم النبي ابوسفيان وادخله على النبي وقال فيما قال له (ويحك يا أبا سفيان، أسلم و اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول اللع قبل أن يضرب عنقك) فنطق عندها أبوسفيان الشهادة بعد أن حارب قبلها المسلمين لأكثر من عشرين عاماً.. (٩)
ولا يعنينا هنا كثيراً مدى تغلغل الايمان في قلب أبوسفيان فهذا بينه و ربه؛ لكن الشاهد أنه شارك في معارك و غزوات عدة بعد إسلامه وان النبي ولاه على نجران، وكانت وفاته في خلافة قريبه الأموي سيدنا عثمان بن عفان.. (١٠)
بعد وفاة الرسول (ص)، لم يظهر دور كبير لبنو أمية بصورة مباشرة ولكن تذكر بعض المصادر أنه بعد وفاة النبي (ص)، قام ابوسفيان بتحريض سيدنا علي بن أبي طالب ليطالب بحقه في الخلافة ووعده بأن يبايعه إن طلبها، الا أن على رفض و اتهمه بطلب الفتنة.. (١١)
وبعدها ينقل الرواة عن دخول ابو سفيان ومعه رهط بني أمية على سيدنا عثمان بن عفان (الأموي) بعد توليته كخليفة و "قوله لعثمان: (صارت إليك بعد تيم -يقصد سيدنا أبوبكر- وعدي -يقصد سيدنا عمر- فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا نار) (١٢)
فصاح به عثمان: قم عني فعل الله بك وفعل"..
طبعاً إنكار ابوسفيان لإمور الاخرة من جنة ونار هنا يوثقه عدد من المؤرخين من بينهم الطبري، ولكن لا يعنينا كثيراً في تناولنا السياسي للموضوع.. (١٣)
في عهد سيدنا عمر بن الخطاب تولى معاوية بن أبي سفيان اغنى امصار الخلافة في الشام، و لعله استفاد بصورة كبيرة من الارث الاموي في تجارة الشام، فللمفارقة نجد أن الشام تحديداً كانت منفى لجده أمية بن عبد شمس لعقد كامل في خلافه مع جد الرسول عليه السلام هاشم بن عبدمناف.. (١٤)
ورب ضارة نافعة، فنفي جده عاد بالنفع على بنو أمية بازدهار تجارتهم للشام وكبرت ثروتهم ففاقوا غيرهم في قريش وكذلك توسعت معرفتهم بالاقليم ودائرة معارفهم و اتصالهم..(١٥)
من دون شك، اول ممارسة تمكين اسلام سياسي في تاريخ المنطقة كانت في عهد سيدنا عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، ففي عهده تغلغل نفوذ بني أمية في مفاصل الدولة فكانوا ولاة الامر في اكثر الامصار اهمية و ثراء، كما تغلغلوا في قيادة الجيوش و المناصب الكبرى.. (١٦)
هنا ضروري نفرق بين عثمان بن عفان كصحابي جليل دعم الاسلام وزوج بنت الرسول (ص) وبين ممارسته السياسية على مستوى الحكم. فالإشكال الكبير عند عالمنا الاسلامي عدم توفر التشريح الدقيق و النقد الموضوعي لتاريخنا القديم بسبب توهمنا حصانة قدسية للأشخاص في تصرفاتهم التي تلي امور الدنيا. (١٧)
ولعل توفر روايات تراثية على شاكلة: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم.. ) بيقفل أي محاولة لاستخدام العقل و المنطق وأدوات العلوم الانسانية من اجتماع و نفس و غيرها في محاولة استيعاب تلكم المرحلة بخيرها و شرها.. (١٨)
غني عن القول ان اواخر فترة حكم سيدنا عثمان شهدت اضطرابات و تحركت الافواج البشرية من بعض الأمصار كالكوفة و مصر وطالبت سيدنا عثمان بتنحية ولاة تلكم الامصار وإجراء اصلاحات سياسية.. (١٩)
طبعاً كمحاولة تزييف لمطالب الشعوب، تم اختراع شخصية اسطورية ووهمية كعبدالله بن سبأ واتهامه بتحريك الفتنة، ما علينا كثيرفي الحتة دي.. حراك الامصار دي بيعبر عن أول شكل من اشكال الثورات والتجمعات البشرية بمطالبات سياسية في التاريخ الاسلامي.. (٢٠)
وانتهت تلك التحركات بمحاصرة خليفة المسلمين في داره، واغتياله بعدما تسارعت الأحداث.. ولعل الوضع الداخلي وخلافات الإمام في امور السياسة والحكم مع كثير من الصحابة وقتها اضعفت من شوكة الجبهة الداخلية.. (٢١)
ومن الواضح تاريخياً، أن معاوية بن أبي سفيان استغل اغتيال سيدنا عثمان بن عفان سياسياً ورفض البيعة لسيدنا علي بن أبي طالب لطموح سياسي ربما يكون مشروع لبنو أمية.. فالروايات تحدث أن الخلاف الرئيسي بين سيدنا علي و معاوية هو أخذ الثأر لسيدنا عثمان ومعاقبة المتورطين في اغتياله (٢٢)
فكان رأي علي أن الأولوية هي تثبيت الحكم المضطرب اولاً ومن ثم يبدأ في اخذ الثأر، بينما طالب معاوية بأخذ الثأر اولاً.. (٢٣)
وفي تدبر عقلية فذة كعقلية معاوية و رهطه، اصحاب خدعة رفع المصاحف الشهيرة في صفين، نجد أن طلب الاخذ بثأر سيدنا عثمان بأعجل ما تيسر في ظل الوضع الأمني و السياسي المضطرب لدولة الخلافة وقتها كان طلب المستحيل بغرض واضح وهو الطموح السياسي للحكم.. (٢٤)
فخلافة النبي، سياسياً، بعد وفاته كانت في ابوبكر (من آل تيم)، وتلاه عمر (من آل عدي) ثم عثمان (آل أمية)، وفي كل نقلة للسلطة من شخص لآخر تم إتباع طريقة مختلفة في اختيار الخليفة.. (٢٥)
فمثلاً اختار الصحابة سيدنا أبوبكر للخلافة في اجتماع موسع للمهاجرين و الانصار في سقيفة بني ساعدة الشهيرة، وبدون سابق توصية من الرسول (ص).. ولعله اجتماع سقيفة بني ساعدة وضع حمولة الخلافة حصرياً، مستقبلاً، في المهاجرين دون الأنصار.. (٢٦)
واختار سيدنا أبوبكر وهو على سرير المرض ان يخلف المسلمون بعده تحديداً عمر بن الخطاب.. وعندما طعن ابو لؤلؤة الفارسي سيدنا عمر، وادرك أنه مفارق الحياة، اختار لجنة سداسية تتكفل بالتشاور بينها في اختيار الخليفة بعده؛ (٢٧)
وكان دور عبدالرحمن بن عوف حاسماً في الاختيار بين المرشحين الاكثر حظوظاً وقتها: "علي و عثمان".. عليه، وفي ظل عدم وضع ألية واضحة لأختيار الخليفة من بعد سيدنا عثمان، فمن الواضح ان يظهر الأمر لمعاوية خاصة وبنو أمية عموماً انه اذا ذهبت الخلافة لبنو هاشم (المنافس التقليدي لبنو أمية)+
في شخص علي بن ابي طالب ابن عم الرسول (ص) و زوج ابنته؛ فإنها في الغالب ستكون من بعده وراثة في بيت النبي (ص) من علي لبنيه لاحفاده؛ واضعف الإيمان ان تحول الخلافة لبنو هاشم سيضعف و يقلل من سيطرة وحظوة بنو أمية الذين تمكنوا من مفاصل الدولة -نسبياً- في مرحلة الخليفة السابق.. (٢٩)
النظر لهذه الإمور التاريخية في سياقها الاجتماعي و السياسي بعيداً عن القداسة الدينية للأشخاص هو المفتاح الرئيسي لإستيعاب مفاهيم تساعد في إصلاح الفكر الاسلامي بصورة عامة خصوصاً في ما يلي تشريح نظرية الإسلام السياسي.. (٣٠)
ومن ناحية ثانية؛ استيعاب أن الفتوحات العسكرية التي تمت في مراحل لاحقة في اطارها الاساسي المتمثل في طموحات شخصية للقادة السياسيين وقتها، وتحت غطاء يطلب شرعية مستندة على الدفع الديني بادعاء نشر الاسلام يزيل كثير من الحرج الذي تسببه ذلك الادعاء الذي يربط الدين بسياسة العنف.. (٣١)
أضافة لذلك، وبدون الغوص في التفاصيل، قد يتضح بصورة ما كيف يمكن أن يكون التغيير السياسي وفي سبيل تمكين الحكم عامل مؤثر في حرف الرسالة الدينية عن مسارها؛ فرواية تراثية تحرم الخروج على الحاكم كحديث (تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) +
قد لا تكون الا واحدة من افرازات استخدام الدين لتوطيد الحكم و تثبيته في مراحل يظهر فيها فجور الحاكم كما نقلت السيرة مثلاً عن يزيد بن معاوية؛ وقتله للحسين بن علي واستباحته للمدينة و حرقه للكعبة المشرفة.. (٣٣)
كدعوة تفكر أخيرة، مسائل كثورة الامصار التي أدت لقتل سيدنا عثمان بن عفان، ثم الصراع السياسي بعده حول الخلافة وتوارثها يدفعنا للتساؤل المنطقي: ألم يكن هؤلاء الصحابة والتابعين بمعرفة بأقوال النبي (المزعومة) حتى يخرجوا على الحكام وقتها؟. +
وهل هنالك علاقة بين أدبيات وقيم الحركة الاسلامية في السودان و نهج بنو أمية في الوصول للسلطة و التمكين.. (٣٥)
إنتهى..

جاري تحميل الاقتراحات...