خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

89 تغريدة 69 قراءة Feb 12, 2021
1-ما الذي جعل هيغل فيلسوفا عظيما مميزا خالدا في التاريخ؟ لا شك أنه منهجه، الديالكتيك، "الجدل الهيغلي" كما ترجمها العرب. يستثنى منهم د. عبدالرحمن بدوي الذي رأى أن هذه الكلمة لا تترجم فأبقاها كما هي (دياكتيك).
2-يقوم منهج هيغل على قوانين الفكر الأرسطية، لكنه يخالفها. أرسطو يقول هناك 3قوانين
1الهوية، أي أن لكل شيء هوية ثابتة تدل عليه.(أ)هو (أ).
2قانون عدم التناقض، أي أن الشيء لا يمكن أن يكون ذاته(أ) والنقيض له (لا أ) في آنٍ واحد.
3قانون الثالث المرفوع، أي لا وسط بين الحالتين السابقتين.
3-أهم ما يميز منهج هيغل، هو رفضه للقانون الثاني. إنه يرحب بالتناقض. ويرى أن التناقض سر الوجود.
4-الفكرة الأصلية ليست لهيغل، بل لفيلسوف ما قبل سقراطي، هو هيراقليطس الذي يعتبر أول رجل في تاريخ الفكر يعتبر أن صراع الأضداد هو الحقيقة الميتافيزيقية الأولى. هذا الصراع ينتج الصيرورة (أي التغير). أخذ هيغل هذا المبدأ وطبقه على الأفكار والأشياء، كل شيء يكون ثم يصير، بسبب الصراع.
5-هذا المنهج ليس حكرا على هيراقليطس، بل موجود عند عدد من اليونان(زينو الأيلي وسقراط وأفلاطون). الجدل منهج عقلي يسعى للحقيقةمن خلال إبراز التناقض في حجج الخصم، وكانوا يرون في صدام الأفكار ما قد يؤدي لظهور شمس الحق، على أساس أن الفكر لا يتوقف عن الحركة وحركته هي التي تكشف الحقائق.
6-إلا أن هيغل لم يكن معجبا بهذه الصورة الضيقة للجدل، وكان يقول إن غاية ما كانوا يسعون إليه هو دحض أقوال الخصم، ولم يكونوا يسعون للوصول إلى نتائج إيجابية جديدة من صراع الأفكار هذا. وبحيث أصبح الجدل- كما هو مشهور - أسلوب للخداع يقوم على التلاعب بالألفاظ.
لذا نقول (لا تكن جدليا)!
7-يقول هيغل،ثم جاء كنْت، فكان أول متأخر تنبه للجدل كعملية ضرورية من أنشطة العقل،عند دراسته للمقولات(قوالب الفكر وتحديداته)حيث اكتشف ضرورة التناقض، عندما وصل إلى موضوعية الظاهر.لكنه أساء استخدام الجدل عند دراسته لنقائض العقل الخالص. لقد استخدمه لمجرد تنحية الظاهر.
فالجدل هنا وهْم.
8-بعد كنْت، جاء تلميذه فخته، ومعه صار الجدل منهجاً مقبولاً لمعرفة الحقيقة من حيث هي قابلة للمعرفة. هذا بطبيعة الحال، كان من دواعي سرور هيغل وتقديره لفخته، فهيغل لا يقبل بالحقائق المحجوبة ولا يقبل نظرية "الشيء في ذاته"، فكل شيء قابل لأن يُعرف.
9-بعد فخته، جاء شلينغ، وهو أكثر الأربعة الألمان ميلا للتصوف، ومعه تحول الجدل إلى مظهر ساعدنا على تجاوز المعرفة التجريبية، فهو ناقد كبير لهذا النوع من المعرفة. الجدل عند شلينغ مدخل للمعرفة المطلقة لكنه يختلط بالحدس الصوفي، الذي يرفضه هيغل رفضا قاطعا، كمنهج للوصول للحقيقة.
10-يلوم هيغل كل هؤلاء الفلاسفة لأنهم لم يجدوا المنهج الصحيح الذي يناسب طبيعة الفلسفة كعلم،بل راحوا يعتمدون على مناهج العلوم كالرياضيات والفيزياء لدراسة القضايا الفلسفية، مع أن الفلسفة تستحق منهجا خاصا بها غير هذه المناهج. هذا النقد يشمل كل المحدثين من ديكارت وسنينوزا إلى معاصريه.
11-عند مناقشة هيغل لمشروع سبينوزا، انتقد استخدامه للمنهج الرياضي للبرهنة على قضايا فلسفية.فالمنهج والمذهب يجب أن يتوافقا.التوافق يجب أن يكون في الصورة والمحتوى، بمعنى أن المنهج يجب أن يكون متصلا بالموضوع، بحيث يكون هناك تناغم من المسيرة، وبحيث تنشأ المسيرة من دافع باطني للموضوع.
12-الديالكتيك ليس مجرد منهج قبلي،وليس منهجا استنباطيا فقط، بل هو منهج وصفي أيضا يقوم على الغوص في في أعماق الظواهر المتنوعة لحياة الإنسان الروحية،بغرض التوصل لدلالة أنشطة الناس، مما يسمح بدراسة حياتهم الاجتماعية والتاريخية والدينية والفنية والسياسية والحضارية.
هيغل وصّاف للحياة.
13-لكن الديالكتيك ليس مجرد منهج تصوري تركيبي كمنهج أفلاطون،وإنما هو تجربة،نوع خاص من التجربة،ترافق موضوعها، وتتعقب حركاته،فهيغل يريد أن يتصور العالم في حركته، ولا يريد أن يتصوره عالما ساكنا كما فعل الفلاسفة قبله، بارمنيدس وسبينوزا. هنا تتجلى لنا واقعيته، وأنه ليس بتجريدي كما قيل.
14-بمقدمة كتابه"ظاهريات الروح"شن هجوما شرسا على التجريد، وعلى المنطق الصوري الآرسطي. وكثيرا ما يكرر أن خطي المثلث الأول والثاني تجريديان، فإذا رسمنا الخط الثالث أصبح لدينا مثلثا حقيقيا واقعيا كاملا. من مثال المثلث نفهم كثير من قضاياه،قضية التدرج من التجريد إلى الواقعية، والتحديد.
15-يرفض هيغل المعرفة المباشرة التي ادعى وجودها ديكارت كشيء حدسي بدهي يقع في العقل بدون تفكير، كما أنه يرفض الحدس الصوفي، ويرفض نظرية the common senses الفهم المشترك، فهو ضد كل هذه المناهج، ولا يراها معبرة عن الروح الفلسفية.
16-المعرفة الإنسانية عنده تحصل بواسطة عمليات عقلية معقدة تدور في علاقات متشابكة.وبالتالي يرفض نظرية العيان الحسي عند شيلنغ، تلك التي تمضي مباشرة إلى قلب الحقيقة. إنه يرفض كل المفاهيم العقلية المجردة والتصورات الذهنية المنعزلة عن التأثر والتأثير، فكل شيء عنده يدخل في علاقات تحدده.
17-لا يصلح هيغل لمن يريد نتائج سريعة جاهزة. الآخرون يعطون نتائج سريعة ويستخدمون لغة جذابة، أما هو فلا يفعل. بل إنه لغته ثقيلة وصعبة للغاية، حتى على طالب الفلسفة، لكن بالصبر نصل إلى أن صعوبته تلك قشرية فقط. والنتائج التي يوصلنا إليها عظيمة، وتستحق الصبر.
18-بالنسبة لهيغل: هذا العالم عبارة عن كل عضوي يرتبط بعضه ببعضه، كله داخل في علاقات، والديالكتيك هو المنهج الذي سينفذ به هيغل إلى الوحدة الكامنة وراء هذا التعدد والتنوع الذي نراه في عالمنا.
19-هيغل يرفض نظرية العالم الساكن، العالم دائما في حركة وتطور وتغير، وبالتالي فكل تصور سكوني مرفوض، وكل فصل للعيان الحسي والتصور العقلي مرفوض، فتجزئة عناصر المعرفة لن تصل أبدا إلى طبيعة موضوع الدراسة. كل هذا يدخل في إطار المعرفة المباشرة الثابتة، وهي مرفوضة عنده.
20-في "ظاهريات الروح" عرّف هيغل الديالكتيك بأنه الخبرة التي يكتسبها الوعي عن ذاته وعن موضوعه. لكن هذا الوعي بالذات لا يحصل كإدراك مباشر. بل إنه يكتشف ذاته في البداية عن طريق الموضوع الذي يدرسه، أي عن طريق الحقائق الخارجية التي في العالم.
21-الديالكتيك هو المحرك للوعي صوب رحلة.ومن الخطأ أن نتدخل لرواية حكاية الرحلة، بل يجب أن نكتفي بتتبع المراحل التي يمر فيها هذا الوعي. نكون معه في حياته الروحية ونتأمل في إخفاقاته ونجاحاته، ومع ماذا يتوافق؟ ومم ينفر؟ ومع أي شيء يتطابق أو يتناقض؟ حتى نصل إلى نهاية رحلة الروح.
22-إذاً فديالكتيك هيغل، ليس شيئاً، سوى هذه الحركة المعاشة التي يقوم بها الوعي نحو التقدم والتطور والحرية.
23-ديالكتيك هيغل حركة صاعدة تنتقل من حقيقة دنيا إلى حقيقة عليا. يحدث الصعود كنتيجة للتناقض الباطني في الأشياء والأفكار. إنه تمزق يقوض كل وحدة ظاهرية بغرض الانتقال إلى وحدة أسمى وأشمل. انتقال وليس استنباطا للأعلى من الأدنى. فالأدنى الأقل لن يفيد الأسمى الخصب في شيء.
24-الاستنباط يكون من الأعلى إلى الأدنى، وهيغل لا يفعل هذا، إذاً فهو لا يمارس الاستنباط. إنه يمارس نوعا من الجدل الصاعد للأبد.
25-هيغل يسير من الخارج إلى الداخل، وهو الطريق الطبيعي لكل معرفة إنسانية، من الظاهر للعيان إلى الباطن الكامن في صميم الشعور.
26-وحين يعيش الإنسان قصة وعيه الخاصة، بما فيها من انكسارات وانتصارات، فإنه يعيش أيضا انتصارات وانكسارات الآخرين، فهو ليس في معزل عنهم ولا ينفصل مصيره عن مصيرهم، الكل في علاقات. نحن نعيش مصير العالم ونسير في الاتجاه العام الذي يمشي فيه.
27-والمعرفة الحقيقية لا تغلق الشعور على ذاته، بل تفتح كل النوافذ على العالم، فيرتبط مصير الذات بالموضوع. وحين تلج الذات في أعماق الموضوع، فإنها لا تكتشف الموضوع فقط، بل تكتشف ذاتها، وتصحح أغلاطها. الضوء الكاشف أصبح مسلطا على الذات والموضوع معا.
28-وهكذا يتجاوز الديالكتيك كونه منهجا، ليصبح علامة على حركة داخلية تحدث في الصيرورة(التغير) الروحية الشاملة. الروح تتطور وتنمو وتستبقي مكاسبها خلال الترقي، فتكون هي الخبرة التي تشمل كل صور الشعور.
29-يتصور هيغل الفكر على أنه حركة حية تمر بمراحل وتتجاوز ذات العقبات، لأنه يعتقد أن الحقيقة الخارجية هي حقيقة ديناميكية تمر بذات المراحل وتتجاوز ذات العقبات. هذه الديناميكية في تصوره تتبع الديناميكية في الواقع. لا قيمة للتصور إن لم يرتبط بالواقع.
30-في هذا تفنيد لمقولة إن هيغل "مثالي تجريدي" ففي كل مرحلة نجد أن التناقض يحدث في صميم أشياء العالم، وأن دورة تجاوز التناقض، إنما هي حركة واقعية تحدث في صميم الواقع، في الحياة المعاشة، وليست في عالم الأفكار.
31-هناك من تصور أن ديالكتيك هيغل مجرد تركيب عقلي محض واعتبره مجرد ميتافيزيقي آخر. والصحيح أن الديالكتيك عبارة عن تعبير منطقي حي ينطلق من صميم الحركة الواقعية المعاشة ومما يحدث في الطبيعة.وهذا هو المتوقع ممن استوعب كل مظاهر الحياة الروحية ونجح في صنع التواصل بين الطبيعة والروح.
32-هذا لا يعني أنه وضع ديالكتيك الواقع فوق ديالكتيك الفكر، لكن الديالكتيك كان ع الدوام قانونا لتطور الوجود وحركة الفكر في وقت واحد.
33-حين اكتشف هيغل ضرورة التناقض والصراع والصيرورة والتجاوز المستمر، فإنه لم يكتشف قانونا فكريا مجردا، بل اكتشف أيضا قانونا واقعيا نعرفه من حياتنا المعاشة، وقد ساق البراهين على هذا في "ظاهريات الروح"، بعد أن أعلن أيضا رفضه لمنطق أرسطو الصوري ورفضه للتجريد البعيد عن الواقع.
34-وقد أحسن رينيه سورو في كتابه عن هيغل، عندما وصف الديالكتيك بأنه " نبضات قلب الوجود، تدق في صميم فكرنا، بنفس الإيقاع الذي تدق به في أي شيء آخر من الأشياء".
35-يعد مفهوم "الحقيقة الشاملة" أو "الكل" من أهم المفاهيم التي قام عليها تصور هيغل للديالكتيك. نجد هذا في "ظاهريات الروح" عندما وصف الحقيقة الشاملة بأنها تشبه الكائن العضوي، وأنها تقدم ما لا يستطيع علم التشريح "الجزئي" أن يقدمه.
36-هذه النظرة ليست بغريبة، فلطالما نظر هيغل إلى العلم التجريبي على أنه ناقص ومحدود. العلم عنده هو الفلسفة.
37-المعرفة الحقيقية لا يمكن أن تكون تحليلية محصورة بالجزئيات، بل لا بد أن تكون نسقا أو نظاما كليا نصل من خلاله إلى الوحدة الشاملة التي تجمع كل الجزئيات.
هكذا يتصور دور الفلسفة.
38-المنهج عند هيغل لا ينعزل عن مضمون المذهب، فهو ترجمة تصورية لبناء الوجود في وحدته الجوهرية. المنهج (الديالكتيك) يتناغم مع حركة تلك الوحدة العضوية التي لا تسكن أبدا، وبالتالي يكون الديالكتيك هو الناطق الرسمي باسم "الكل" الحي الذي يكف عن التغير والحركة.
@AwDdTmQE3UlhcGn كل من اشتغل بالفلسفة في القرن الماضي لا بد أن يكون قد تأثر بهيغل، سواء كان معه أو ضده. الحقبة تسمى (الما بعد هيغلية).
39-النتيجة التي يؤدي إليها التطور ليست المهم. المهم هو اللحظات التي تكونت منها حياة هذا الكل العضوي. المهم هو عملية التحقق التي تعبر عن جوهر الصيرورة الشاملة، الهدف هو ذلك الكلي الذي لا حياة فيه، والنتيجة جثة هامدة خلفها الدافع وراءه. عملية التحقق هي المضمون الجوهري للديالكتيك.
40- سأضرب مثالا توضيحيا يعبر عن الديالكتيك وستراه في كل يوم. عندما يكون هناك حدث سياسي تتناقله القنوات الإخبارية(قضية) فلك أن تتوقع أن ينتج عنه أو بسببه خبر مضاد له( قضية نقيضة تنفي الأولى وتضادها) فيتصارع الموضوعان، أو القضيتان، وسينتج عن الصراع مركبا يحمل أنسب ما فيهما.
41-عندما تنظر في الأنظمة الاقتصادية، فستجد أن الرأسمالية (قضية) خرج عنها وبسببها (قضية نقيضة) هي الاشتراكية. هناك سلب ونفي ورفض في القضية الثانية للقضية الأولى. وبالتالي نشأ الصراع بينهما. وكانت النتيجة عنهما، مؤسسة الضمان الاجتماعي.
45-عندما تنظر في إسلام الصحابة حيث حفظ النصوص وتطبيقها بحرفية(قضية)وكيف نشأ عنها وبسببها إسلام المعتزلة القائم على تقديم العقل(قضية مضادة) وكيف أن الإسلامين تقاتلا قتالا شديدا ينفي كل واحد فيه الآخر، فمن الطبيعي أن يكون المركب هو الإسلام الأشعري الذي يحاول الجمع بين العقل والنقل.
طبعا هذا مثال للتوضيح ولا يلزم منه تفضيل مذهب الأشعري أو غيره.
46- يمكن أن نجلس ونضرب أمثلة لا تحصى حتى الليل، يظهر فيها الديالكتيك جليا. لكن يبقى المثال الأقرب هو الأحداث السياسية. فقط اجلس أمام القنوات الإخبارية وتابع الإيقاع الثلاثي الذي لا يتوقف عن الطرق: قضية .. نقيض .. مركب .. بيضة .. يرقة .. فراشة.
قضية .. نقيض .. مركب.
بلا توقف.
46-كل معرفة حقة لا بد أن تمر ب 3 مراحل.1-المباشر(الكلي المجرد) 2-نفي هذا الكلي(وهي مرحلة التأمل العقلي). 3-الكلي العيني، أي المرحلة التي تتجسد فيها الحقيقة الكلية،وهي المركب الذي يحتفظ بأفضل ما في المراحل السابقة(لحظة رسم خط المثلث الثالث)كحقيقة تخرج من عالم التجريد فتصير ملموسة.
47-هذه المرحلة الثالثة يسميها هيغل مرحلة "نفي النفي" أي تجاوز الصراع والوصول إلى المركب الذي يجمع أفضل ما في المرحلتين السابقتين.
47-أعلن هيغل عن "الديالكتيك" في "ظاهريات الروح"(الذي هو إنجازه ومن تركيبه هو) وقرر هناك أن الأمر ليس ترفا، فلا وسيلة تمكننا من فهم الشعور وإدراك الوعي، إلا الديالكتيك. ولا يمكن هذا بأي منهج آخر.
48-كيف يمكن البرهنة على هذه الدعوى الكبيرة؟
49-يقول هيغل، إن للوعي صورا إذا تحققت إحداها، أدى ذلك لإنكارها لنفسها، ومن الإنكار تبدأ في اكتساب صورة أخرى أكثر سمّوا.
50-لا يمكن أن يحدث تقدم علمي إلا بعد الإقرار بأن السالب(النفي) هو نفسه موجب، وأن التناقض لا يتحول إلى عدم مجرد. هو فقط نفي جزئي وليس نفيا كليا. نفي لشيء محدد. ولذلك يحمل هذا النفي مضمونا. عندما تأتي بلون أزرق ثم تمزجه بلون أصفر، فالأصفر له مضمون وليس نفيا مجردا وليس عدما خالصا.
51-فكرة النفي(السلب) لها مكانةرفيعة في الديالكتيك، وبسببها يتحقق الانتقال من فكرة لفكرة مضادة. هذا الديالكتيك طبقه هيغل على القضايا الكبرى، الوجود واللاوجود والمتناهي واللامتناهي وما سواها، وكل واحدة منها تستدعي الأخرى، وبه يحدث التنقل من الحد الأول إلى الحد الثاني، وهكذا.
52-عملية النفي ليست مجرد نشاط ذهني ترفي،بل كل ما يحيط بنا من هذا العالم، من الثلج الذي يُنفى فيصير ماء، والماء الذي يُنفى فيصير بخارا، والحيتان التي تموت فيتحول بعض أجزائها عبر الزمن إلى نفط، كل هؤلاء شهود عدول على صدق الديالكتيك وأنه واقع نعيشه في كل لحظة، وفي كل مكان نذهب إليه.
53-وعندما ننظر في نظامنا الشمسي، سندرك أن هذا الكوكب الذي يوجد الآن في مكان، يعلن أيضا أن من طبيعته أن ينتقل إلى مكان آخر، لأن لا مناص له من الحركة التي ستنقله إلى وجود مغاير.
54-هذا الديالكتيك هو الذي يدفع الطبيعة لكي تتجاوز ذاتها.
55-والديالكتيك ليس حكرا على الطبيعة، بل يدخل أيضا في حياة الإنسان الروحية، وكل الأنظمة والقوانين وحياتنا الأخلاقية. إنه يجري في كل شيء بلا استثناء. كل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده. وكما قال هيغل، الفرح يظهر من خلال الدموع، والحزن الشديد يتجلّى في ابتسامة.
الذي لا يكف عن التغير والحركة.
@E_S_Alali ليس محصورا في الفكر والتصورات. هناك ديالكتيك الفكر وديالكتيك الطبيعة وديالكتيك الإنسان. هذا يعني أنه يسري في كل شيء.
56-كل شيء في نظر هيغل، هو ذاته، وهو أيضا مغاير لذاته. لا بد أن يصل لهذه النتيجة بما أن كل شيء ينطوي في ذاته على نفيه. أنت ذاتك، وتنطوي على نقيض ذاتك. وكل شيء كذلك.
57-فكرة كنْت عندما يفرق بين ظاهر الشيء والشيء في ذاته، هي فكرة مرفوضة عند هيغل، لأن هذا الشيء في ذاته غير موجود. كل شيء يوجد في ذاته ويوجد فيما سواه من الأشياء.هناك تضايف بين الأشياء،وهناك تحديد متبادل بين الأشياء في داخل الكل العضوي. السلبي والإيجابي يظهر كل واحد منهما في الآخر.
58-وهكذا، لا يمكن تصور أي ظاهرة تاريخية منعزلة أو مبتورة عن غيرها أو قائمة بذاتها. بل هي تتوقف على ما سواها من الظواهر التاريخية أو الفكرية، وترتبط أشد الارتباط بالكل. هذه الظاهرة أو الفكرة غير موجودة على الإطلاق وإن تصور أحد وجودها في ذهنه.
59-والمتناهي والعرضي متناقضان، لأنه لا معنى لكون الشيء متناهيا، ولا معنى لكونه عرضيا، إلا عند قياسهما على اللامتناهي والجوهري.
60-وهكذا يحسمها هيغل، كل شيء،في الطبيعة وفي الفكر أيضا، يوجب وجود ضده، أي وجود الآخر الذي هو مقابله الضروري. ويضرب لذلك مثلا بالموت الذي يتصوره الناس على أنه حدث خارجي ينبع من ظروف عرضية.
61-وكأننا حين نصف "الكائن الحي"بأنه موجود فان قدنسبنا له صفتين منفصلتين. فالحياة تحمل في ذاتها بذرة الموت، وبالتالي فالمتناهي متناقض، لأنه يستبعد اللامتناهي ويستلزمه في الآن نفسه. وما دام أن المتناهي عاجز عن الاكتفاء بذاته،فلن يخرج عن كونه مجرد لحظة أو مرحلة من مراحل تطور الوجود.
62-نحن نبصر التناقض وهو يسري في الطبيعة والفكر في كل لحظة، نراه في حركة الكواكب، في تغير الظواهر الطبيعية، في تقلبات الأجواء، مثلما نراها في حياة الإنسان، وتناقضات الإنسان نفسه، وانقلابه على ذاته.يقول هيغل "إن التناقض مبدأ كل حركة وكل حياة وكل تأثير فعّال في عالم الواقع".
63-وهكذا لا ينبغي أن نستاء عندما نبصر التناقض فهو الوضع الطبيعي لأي حركة.
63- وإذا كان الإنسان وأصغر الكائنات ينتميان لكل موحد تجمع بين ظواهره المتنوعة علاقات مركبة، فإن الواجب علينا هو إدراك هذه الوحدة واستكشافها، والتوقف عند مظاهر الاختلاف التي تتفرع من هذا الكل واستكناه ما يوحدها.
64-قد يبدو الحديث عن الديالكتيك ثقيلا. وستجد من يقول إن الأفضل هو البدء بفلسفة التاريخ أو فلسفة الدين، لأن لغتهما معروفة. لكنه سيكون فهما من الخارج لا من الداخل. البدء بالديالكتيك هو بدء من الباطن إلى الخارج. وفهم الديالكتيك سيجعل كل أرجاء فلسفته سهلة مفهومة.
65-فكرة الكل العضوي أساسية عند هيغل، وتقف فكرة الغائية بجوارها، هناك غاية في صميم هذا الكل، وهناك تطور مستمر. لكننا لن تعرف إلى أين يسير التطور ما لم نعرف الغاية. هذه الغاية موجودة منذ البداية في البذرة الأولى.
66-الحديث عن الوجود والعدم ليس سوى تجريد، ولا يصبح الحديث واقعيا إلا بإضافة الصيرورة(التغير). ويُخطّئ هيغل من يقول بأن الوجود والعدم وجدا أولاً، ثم نشأت عنهما الصيرورة، ليقرر أن الصيرورة هي الحقيقة الأولى التي انبثق عنها الوجود والعدم، على سبيل التجريد.
67-هناك غاية تقف وراء كل هذه الصيرورة الكونية، لولاها ما كان ليكون هناك أي قيمة للديالكتيك الهيغلي.
68-هناك عنصر مهم آخر في الديالكتيك. نعم هو منطق تناقض وصراع ونفي وصيرورة وغائية، وفوق ذلك هو منطق تأليف وتركيب. النفي والتركيب يكملان بعضهما. من الدعوى، إلى نقيضتها إلى التركيب. إنه لا يترك العالَم مهلهلا، بل يعود لتركيبه مرة أخرى، بعد تفكيكه.
69-يقول هيغل"لقد خُلقت حواء من ضلع آدم، أعني من جزء من أجزاء جسمه انفصل عنه، ولكن اتحاد آدم وحواء هو الذي آظهر للوجود طفلهما الأول، فكان البذرة الأولى لخلود النوع البشري".
قضية + نقيضة = تركيب.
70-وهنا يمكن أن نقول إن فلسفة هيغل، هي فلسفة الحياة التي تتمزق ثم تعود. إنها فلسفة الجراح التي تندمل وتلتئم. أو هي فلسفة القطيعة التي يحدث بعدها الصلح. أو هي فلسفة المهاجر الذي سيعود، لكنه لن يعود إلى المربع الأول، بل سيعود كمركب من التجارب التي خاضها، فأصبح أكثر نضجاً وخصوبة.
71-هذا المسار الثلاثي للديالكتيك، هو مسار الفكر والتاريخ، هو العقل البشري الذي يبدأ بالإعلان عن حقيقة ما (الوجود موجود) لكن يعود فينفيها (الوجود غير موجود) ثم ينفي النفي فيقول إن(الوجود هو الصيرورة أو التغير المركب منهما فالصيرورة مزيج من الوجود والعدم) لكنه ليس مجرد تطور آلي.
72-هذا التطور قشرة خارجية لما هو أعمق. إنه فعالية فلسفية تظهر في تمييز العرضي من الجوهري والانتقال من الظاهري إلى الباطني والتصاعد الغائي من الأدنى إلى الأعلى باستمرار.
73-من أخطاء بعض شراح هيغل، قولهم إنه فيلسوف مثالي تجريدي وإن الديالكتيك تصوري. والحق أن وراء تناقض التصورات يوجد صراع الأشياء.بمجرد ما تخترق قشرة الجدل التصوري حتى تلج في صميم بنيان الأشياء، فتجد أن التنافر هو المبدأ الواقعي الذي يحرك باطن العالم.لهذا أقول إن الرجل واقعي للغاية.
74-وأول علامات ذلك أن الديالكتيك يحقق للفكر وللطبيعة فوزاً كاسحاً على كل أنواع المعوقات، ويكفل لهما التطور المتصاعد للأبد. في الديالكتيك هناك صناعة مستمرة وتنمية مستدامة ونشاط لا ينقطع في سبيل الروح المطلقة الخالدة التي تسعى صوب الحرية.
74-من أخطائهم أيضا،قولهم بأنه رجل ميتافيزيقي،رغم أنه أعلن في مقدمة"ظاهريات الروح"رفضه للمنهج الميتافيزيقي،مثلما رفض المنهج الرياضي في الفلسفة، ورفضه لكل مصادرات الفكر. لا بد من البداية من الصفر وإثبات كل قضية بالمنهج الديالكتيكي الذي ينطلق من الطبيعة،من الآخر، ولا ينطلق من الذات.
75-حركة الحياة تأخذ كل المخلوقات المتناهية صوب اللامتناهي، لأن من طبيعة المتناهي أن يسعى صوب اللامتناهي. حياتنا تصعد بنا باستمرار من المجرد إلى المحدد، من ممكن الوجود إلى واجب الوجود، في حركة لا تتوقف تسير فيها كل المخلوقات إلى المطلق، إلى الله.
76-الحقيقة عند هيغل هي الكل. وبالتالي فكل الأخطاء التي يقع فيها فكر الإنسان هي عبارة عن وجهات نظر جزئية، أو وقائع فردية. ولذلك وجدناه يدخل كل مذاهب الفلاسفة في مذهبه، فالحقيقة رحلة ومحطات، وكل ما قاله هؤلاء ينطوي على حق مرحلي يتم تجاوزه للأفضل، وأخطاؤهم وقعت بسبب القصور في وعيهم.
77-بالنسبة لهيغل،ليس هناك حقيقة موضوعية خالصة،ولا حقيقة ذاتية خالصة.لقدنزع التعارض بين الذاتية والموضوعية وبين الفكر والواقع، ليضع الوحدة مكانهما.لم؟
لأنه عاش في زمن تمزق ألمانيا وطمع الغزاة فيها، فكان من الطبيعي أن يدعو لمثل هذه الوحدة في الفكر والوجود،ويبحث عمن يوحد ذلك الكيان.
76-مما لا شك أن هيغل قد نجح بسلاح الديالكتيك في القضاء على فلسفة الانفصال والتجريد والتمزق،وذلك بفتح الحدود التي أغلقها كنْت، بين الشيء كما يظهر والشيء في ذاته. لقد كان يعمل طوال الوقت ضد كنْت، وضد تقسيم عالم المعرفة إلى عالمين فبالنسبة لمؤسس الديالكتيك، هناك عالم واحد لا عالمين.
77-ديالكتيك هيغل جاء كنتيجة لإيمانه ببقاء الطاقة في العالم وخلود القيم،فالروح الكلية تحفظ كل شيء في الذاكرة،والمراحل التي يمر بها التاريخ في تطوره لا تُنسى،رغم أن التاريخ لا يعيد نفسه، لكن رواسب التاريخ تبقى سابحة في نهر الحضارة العظيم. لا شيء يفنى. فالفناء ستليه عودة في شكل آخر.
78-الديالكتيك منهج فلسفي لم يُرسم على هذه الصورة إلا بيد هيغل. منهج يعمق الفكرة ويكتشف ما تخفيه في داخلها من تناقض، ثم يتجاوز التناقض بين الفكرة ونقيضتها ويرتقي لفكرة أخرى تستبقي ما هو جدير بالبقاء من الفكرتين. وهكذا يبني هيغل بالديالكتيك نسيج العالم ويحكي قصة التاريخ.
79-مفهوم الكل أساسي في الديالكتيك،فالحقيقة هي الكل،والمنهج يعني إدخال كل الأشياء في وحدة،فالعالم يمثل وحدة عضوية،وكل جزء منه هو عضو في الكل. ولأن الديالكتيك منهج مرتبط بموضوعه، فقد جعل الأستاذ منه قانونا شموليا ينطبق على حركة الطبيعة والفكر معا. إنه منطق علاقة مثلما هو منهج حياة.
80-انتهى التغريد عن ديالكتيك هيغل،وفي تصوري أنه يحتاج للقراءة المتكررة والوقوف المتأني، وبعدها سيكتشف القارئ أن صعوبة هيغل المزعومة ليست سوى صعوبة قشرية. من هذا المنهج بُني المذهب، وتفاصيل المذهب ستكون سهلة أيضا لمن تصور المنهج وطريقة عمله وغاية مؤسسه الساعي لفهم الوجود في حركته.
81-هل ينطبق الديالكتيك على فلسفة هيغل نفسه؟ بمعنى، هل يعتقد أن فلسفته قضية، سيخرج من رحمها قضية تناقضها؟ لا، هو يرفض هذا، ففلسفته وصف للجدل، وصف لمسيرة العقل، وليست في ذاتها جدلية. هو يؤمن بأن فلسفته هي نهاية التاريخ ونهاية الجدل. بلغة البلوت هو"اللاعب اللي يحب يساوي". هل تناقض؟
82-الجواب هو نعم لقد تناقض الشيخ. فنشأ بسبب فلسفته قضية نقيضة رأيناها في الوجودية والوضعية والماركسية، فكل هذه الفلسفات هي ثورات على هيغل. بها بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الفلسفة اسمها (الما بعد هيغلية) لا زالت قائمة إلى اليوم، فلا هيغل ولا غيره يستطيع أن يوقف عجلة الديالكتيك.
83-ومع ذلك، أقول إن هيغل المتهم بأنه يسبح في عوالم من الخيال، هو في الحقيقة، أكثر الفلاسفة واقعية، فهو مرتبط بالواقع للنهاية، لكنه يؤمن بأن الواقع متغير وليس بثابت.
قضية .. نقيض .. مركب .. في إيقاع موسيقي لا ينتهي أبدا.
84-هيغل واقعي تماما، حتى عندما يتحدث عن التمزق والتشظي والآلام الشنيعة مرة المذاق، وأنها ضرورة للوصول إلى الكمال، وفي ثنايا هذا تندرج سعادة الفرد، كجزء من نظام كامل. هو لا يبيع الأحلام الوردية، مرة أخرى، لأنه واقعي.

جاري تحميل الاقتراحات...