ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

25 تغريدة 163 قراءة Feb 11, 2021
سليل أسرة اسكتلندية عريقة، حملت حياته كثيرة من المتناقضات فهو بطل ثوري وعلامة مضيئة في تاريخ فنزويلا جنبًا إلى جنب مع سيمون بوليفار وفرنسيسكو ميراندا، من جهة وهو أكبر محتال في التاريخ في نظر الأوروبيين من جهة أخرى..
حياكم تحت 💗🌹
أجواء صقيع اعتيادية، ثلوج تتساقط عشية عيد الميلاد سنة 1786، بينما السيد دانيال ماكجريجور القبطان الاسكتلندي المرموق، يتقافز قلبه فرحًا بمولوده الجديد الذي ولد للتو، لقد اختار له اسم جريجور، متنمنيًا أن يواصل رفع راية عائلته العريقة ذات الصيت الحربي الشهير والأصول الملكية المتجذرة
لم يسنح القدر لجريجور أن يبقى في كنف والده كثيرًا، إذ توفي والده وهو لا يزال في الثامنة من عمره، لكن استطاعت أمه أن تواصل المسير، ليس هذا فحسب بل ببلوغه 16 من عمره اشترت له مكانًا أو وظيفة في الجيش البريطاني مقابل 450 جنيه إسترليني، وكان هذا أمر قانونيًا متعارفا عليه حينها.
اقتحم الفتى الصغير الحياة العسكرية وتعانق مباشرة مع رحاها ضمن تحصينات بريطانية ضد غزو فرنسي محتمل، وبعد عام شاق من المصاعب تم ترقية ماكجريجور لرتبة ملازم، وتتابعت خطواته إلى أن صار شابا يؤمل منه، وتزوج من ماريا بووتر ذات الثراء والصلات القوية النافذة..
حمله هذا الثراء بعد شهرين إلى شراء رتبة نقيب بـ 900 جنيه استرليني، دون انتظار سبع سنوات لينالها، واندمج في تشكيلات الجيش واكتسب كثير من الخبرات، لكن خلافه مع أحد قادته أدى به بشكل مفاجئ عام 1810 إلى الاستقالة، طامحًا في البحث عن المكانة والثراء عبر مكانة زوجته ونفوذ عائلتها.
خابت آماله وانتكست، لقد ماتت الزوجة بعد هذه الاستقالة بعام، موت اضطر معه للبحث عن مخرج يقيه التهميش والإفلاس خصوصًا وسط نبذ تعرضت له عائلته الكبيرة لأسباب سياسية، في الأفق رأى الرجل كيف كان الاحتفاء والتقدير كبيرًا من الساسة البريطانيين بزيارة الثوري الفنزويلي فرنسيسكو ميراندا.
في تلك الفترة كان فرنسيسكو ميراندا ينافح عسكريا عبر حروب وحركات ثورية ضد إسبانيا الإمبريالية في سبيل تحرير أمريكا الجنوبية واستقلالها، هنا اختار جريجور الهجرة إلى العالم الجديد حيث كاركاس، والانضمام إلى ميراندا، والذي رحب به كثيرًا وأعطي له قيادة كتيبة فرسان برتبة عقيد.
استطاع ماكجريجور أن يثبت للجميع أنه قائد من طراز فريد، فدون اسمه في تاريخ التحرير بحروف من نور، وترقى في المناصب حتى أصبح قائدًا لإحدى فرق الجيش الفنزويلي، وأهله ذلك للزواج من ابنة عم القائد الشهير سيمون بوليفار، لكن رغم كل هذا رأى الرجل فرصة أفضل للشهرة والثروة.
عام 1820 وبينما يجول في ساحات حروبه، هدته قدماه إلى أرض شاسعة مليئة بالمستنقعات والآفات على ساحل نيكاراغوا، تحت سيطرة السكان الأصليين من شعب مسكيتو، أبدى اهتماما بهذه الأرض الخربه، واستطاع أن يحصل على توقيع الملك جورج أوغستس ليبتاع مساحة بحجم ويلز مقابل كثير من الخمور والمجوهرات.
في العام التالي عاد ماكجريجور إلى لندن باحثًا عن مكانته الاجتماعية التي لطالما تطلع إليها، عاد بقصصه وحكاياه وبطولاته وجزيرته التي أسماها بوياس، واختار لنفسه لقبًا جديدًا هو ملك بوياس، فيما أخبر الناس أنه جاء إلى لندن من أجل حضور حفل تنصيب الملك جورج الرابع ممثلًا عن مملكته.
ألهب ماكجريجور حماس الناس بالحديث عن مغامراته وبطولاته فيما وراء البحار، ولم ينس بالطبع أن يحدثهم عن جزيرته الجديدة وما ينتظر الناس فيها من رغد، كان المجتمع اللندني حينذاك نهمًا للعالم الجديد ومنتظرًا دومًا لما يخبئه له من كنوز وجنان، لذلك وجد ماكجريجور كثير من الآذان الصاغية.
تواجد الرجل في كثير من المحافل وبدأ في التسويق لأرضه على أنها الجنة الموعودة، تحدث عن الأنهار التي تفيض فيها من كل جانب، والطقس اللطيف المعتدل طوال أيام العام، والبراري الشاسعة والطبيعة المتأنقة دومًا، فضلًا عن السكان الأصليين الودودين المحبين للغربيين.
أرض بوياس كما وصفها ماكجريجور ليست كذلك فحسب، بل إنها تمتلك عاصمة ذات معمار فريد، حيث تتعالى القباب في سمائها بجانب المباني الحكومية المتعددة، بها برلمان ذي ثلاث غرف تشريعية، أما نظامها المصرفي فهو نظام مستقر، وعملته المحلية مساوية تمامًا للجنيه الإسترليني.
القص والتأنق في العبارة وحدهما لا يكفيان لإقناع الناس، لذلك بحث ماكجريجور عن أشياء تبث في حكايته مزيدًا من المصداقية، فلم يجد أفضل من التوثيق، حيث صنع كميات هائلة من الوثائق ذات المظهر الرسمي لكل ما يتعلق بأرضه، حتى وصل به الأمر لصنع كتاب إرشادي من 355 صفحة.
امتلأ هذا الكتاب بمعلومات تفصيلية حول بوياس من حيث الجغرافيا والقوانين والتشريعات والسكان، كذلك زود الكتاب بخرائط ورسومات حية تصور هذه الجزيرة وكيف تبدو، فعل كل هذا في زمن كانت تتغير فيه خرائط أمريكا الجنوبية وحدودها باستمرار، فمن ذا الذي يمكنه أن يكذب كل هذه المواثيق؟!
لم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل وثق ماكجريجور علاقاته مع السلطات البريطانية وأصبح في نظرهم ملكًا له مملكته بالفعل، ومن حيث هذه الثقة سمى أحد مساعديه كسفير لمملكته لدى بريطانيا العظمى، وبعث خطاب إعلام بذلك إلى الملك جورج الرابع، ممهورًا باسم "الملك جريجور الأول".
بسبب النمو الاقتصادي الذي شهدته بريطانيا بعد معركة واترلو، انخفضت أسعار الفائدة في البنوك بنحو 3%، انخفاض جعل الناس يبحثون عن بدائل استثمارية أكثر ربحية، بالطبع لم يفوت ماكجريجور الفرصة حيث أعد شهادات استثمارية تخص بايوس بمعدلات فائدة 6% وهو ما جعل الاندفاع نحوه جارفًا.
فتح ماكجريجور الباب أمام الاستثمار في جنته، حيث عرض الفدان الواحد مقابل شلنين، وهو سعر زهيد جدا يمثل حينها أجر يومي لأحدهم. وحينما اصطفت الطوابير رفع السعر إلى 6 شلنات. كذلك طبع الرجل عملة نقدية لبوياس في بنك اسكتلندا الرسمي. وباع كميات كبيرة منها للذين ينوون الذهاب إلى مستعمرته.
استعدادً لخطوة أكبر سجل ماكجريجور أرضه التي اشتراها من زعيم السكان الأصليين في محكمة تشانسري عام 1822، وبناء على هذا التوثيق استطاع أن يحصل من أحد البنوك اللندنية على قرض بقيمة 200 ألف جنيه استرليني وهو مبلغ ضخم جدًا في ذلك الحين.
في تلك الأثناء قام ماكجريجور بخطوته الأخيرة حيث أعد رحلتين في شهري سبتمبر وأكتوبر من أجل نقل الأفواج الأولى لمستوطني جنته، حيث أبحر أكثر من 200 شخص والأمل يحدوهم إلى حياة مختلفة هانئة ينعمون فيها بكل ما ارتسم في مخيلتهم من أمنيات، لكن ما انتظرهم كان فظيعًا.
حطت أقدام المستوطنين الجدد أرض بوياس، فوجدوها أرضًا قاحلة تملؤها المستنقعات والآفات، ولا أثر تمامًا لتلك الصور التي رسمها لهم ماكجريجور، ظن البعض بداية أنهم قد ضلوا الطريق، وأنهم قد نزلوا مكانًا خاطئًا، لكنهم ضلوا الطريق مبكرًا حين أودعوا ماكجريجور ثقتهم.
كانت مفاجئة مربكة جدًا جعلتهم يجزمون أنهم لم يصلوا المكان الصحيح، ومن هنا توغلوا بإمداداتهم داخل الغابات العذراء، ووسط البرك والمستنقعات بحثًا عن جنتهم المفقودة، تقاطع وصولهم هذا مع موسم أمطار غزير، وهو ما ساعد على انتشار الملاريا والحمى الصفراء بينهم.
أقرب مستعمرة بريطانية كانت تبعد 500 ميل، أرسلوا بعضهم إلى تلك المستعمرة طلبًا للمساعدة، جاءتهم المساعدة بالفعل لكن بعد مدة طويلة، جاءتهم وقد قضى ثلثهم موتًا بسبب الملاريا، أما الباقون فقد استطاعوا أن يقفلوا عائدين إلى إنجلترا، وفي تلك الأثناء كان ماكجريجور قد فر هاربًا إلى فرنسا.
لم يتوقف ماكجريجور عن الترويج لأرضه في فرنسا كذلك، حيث مارس عملية احتيال مشابهة وتمكن من جمع 400 ألف دولار، لكن السلطات تمكنت من القبض عليه قبل أن يرسل بمستوطنين جددًا، وجهت له تهمًا بالاحتيال، لكنه تمكن من توجيه دفة التهم نحو شركائه ونال البراءة.
عام 1838 عاد ماكجريجور إلى فنزويلا المستقلة، فعاود الاتصال برفاقه العسكريين السابقين، الذين ساعدوه في العودة إلى منصبه العسكري، بل وحصل على رواتب متأخرة ومعاش تقاعدي، ولما مات عام 1845 دفن كبطل شعبي مع مراسم عسكرية كاملة جانب رفاق الثورة في كاتدرائية كاراكاس.

جاري تحميل الاقتراحات...