فهد.
فهد.

@I0ll

14 تغريدة 68 قراءة Feb 04, 2021
قبل ٩٠ سنة كتب الإبراهيمي بقلمهِ الفذ ولغته العالية مقالة عن ”التعاون الاجتماعي“؛ حث فيها على الاجتماع، وأن العمل الفردي لن يحقق التغيير المنشود، وضرورة قمع الجراثيم الأخلاقية المفسدة للمجتمعات، وتوسّع في الحديث عن الأربع المنتجة للنهضة المنظّمة: الدين، والعلم، والأخلاق، والمال.
قال في آخر المقال:
إخواني:
إن مَن كتم داءه قتله، وما دمنا ونحن بمعزلٍ عن الحقائق وفي صَمم عن استماع النصائح فنحن بُعداء عن الحق، وما الحق إلا أن نتّحد ونسعى بلا فتور. وما الحق إلا أن نتعاون، وما الحق إلا أن ندع التخاذل جانباً ونتصافح على الاستماتة في سبيل الحق.
وما الحق إلا أن نزن الأشياء بموازينها فلا ندع المجال للوهم ينفض ويبرم ويبرز لنا السفاسف في صورةِ الجبال، ويُظهر لنا الجلائل بمظهر التافه الحقير، فهذا نوع غريب من أمراض النفوس ما فشا في أمةٍ إلا وكان عاقبة أمرها خسرا.
إخواني:
نحن اليوم واقفون على أبواب حياة أدبية جديدة، ومبدأ نهضة عمرانية لم تزل في طور التكوّن والنبات، وتدرّجها في مدارج النمو متوقّف على تدبيرنا، فإن أحسنّا الصنع في تربيتها لم تلبث أن تؤتي أُكلها وتدني جناها.
وإن تواكلنا في المبدإ وتخاذلنا وتمادينا على ما نحن عليه تأذّن الله باضمحلالنا، وحقّت كلمة المقت علينا ﴿سنّة الله في الذين خلوا من قبل﴾. إن التاريخ أفصح مخبر وأصدق ناقل وقد أخبرنا كيف كان عاقبة الذين من قبلنا، وحذّرنا أن نتعرّض لمقت الله بما كسبت أيدينا.
وأعيذكم أن تكونوا ممن تماروا بالنذر. أقول، ولا نكران للحق، إنه ما مِن نقيصة كانت سبباً في هلاك الأمم قبلنا إلا وهي موجودة فينا على اختلافٍ تقتضيه طبيعة الزمان والمكان.
وإنَّ تغافُل الإنسان عن عيبه لمن دواعي الغرور، والغرور من دواعي التمادي في الغي، والغي من موجبات الهلاك، وهل نقيصة أعظم من فقد الإحساس؟
وها نحن أولاء لا شعور ولا إحساس؛ تمرّ الحوادث بنا تباعًا فلا نعتبر ولا نزدجر. ويسير العالم بما فيه سيره إلى الأمام ونحن في موقفٍ لا نتبيّن فيه موقع أقدامنا. فكأن القطعة التي نحن عليه من هذه الأرض واقفة لا تتحرّك، أو كأن الأمم كلها ورثت من الأرض التحرّك إلا نحن.
سارت الأمم في مناهج العمران عنقاً فسيحاً ونحن في نومة أصحاب الكهف والرقيم، غفلنا عن أخذ الأهبة للتزاحم الاقتصادي فأدركنا سيله الجارف وسدّت علينا منافذ الحياة وشتّان ما بين الكسلان والعامل.
يدعو الداعي من الأمم الحية العارفة بقيمة الحياة صارخاً بقومه إلى عملٍ يكسبهم عزّاً، ويفيدهم قوّة، ويدفع عنهم ضرّا. فإذا قومه مهطعون إليه استماعاً لقوله، فامتثالاً لأمره، فتحقيقاً لمرماه، فتنجيزًا للفعل، فتعاوناً عليه، فوصولاً للمطلوب.
ويدعو الداعي منا إلى خير فإذا قومه منه يسخرون، وإذا كلامه لا يكاد يتجاوز لسانه كالوتر الذي لم يشتدّ فُوقه لا يكاد السهم يخرج حتى يسقط.
أمرنا بالإرشاد والتذكير فهل ذكر الخاصة أو امتثل العامة؟ أمرنا بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر وفيهما كل خير فهل امتثلنا؟ أمرنا بالعمل للدارين فخسرنا الحاضرة ويوشك أن نخسر الغائبة.
عمدنا إلى الدِّين وأحكامه فأخرجنا الكثير عن حقيقته وأهملنا حكمته وأسراره ووقفنا عند الصور المجرّدة، ثم لم نكتف بذلك حتى ألصقنا به الكثير من البدع وحمّلناه ما لا يطيق منها.
ثم لم نكتف بذلك حتى اتخذناه مطيّة للتفريق فالتبس الحق بالباطل، ولا عالِم يميّز هذا من ذاك، وإن وُجِد فالخاصة له بالمرصاد والعامة في شقاق بعيد.
إخواني:
هذه نفثة مصدور ولابد للمصدور من بث.

جاري تحميل الاقتراحات...