42 تغريدة 384 قراءة Feb 04, 2021
(الأدلة العقلية و النقلية على حفظ السُّنة النبوية )
فإنه لمن أعجب العجب العجاب ما يقوله البعض ( أنه لا ينكر حجية السنة بينما ينكر حفظ الله إياها) فهذا مجاف تماما للمنطق إذ كيف يمكن الإحتجاج بما قد يتطرق إليه الشك أنه ليس من وحي الله؟؟؟!!!…
و كيف تقوم به شريعة تنظم للمسلم أمور دينه و دنياه من عقيدة و عبادات و معاملات؟؟؟!!!
عموما دعونا نعرف السنة أولا:
السنة لغة: هي الطريق المسلوك و المنهج المتبوع.
و اصطلاحا : هي ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير. (علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف)
ومثال السنة القولية, وهي أكثر السنة قوله صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)
ومثال السنة الفعلية صلاته صلى الله عليه وسلم وحجه, وقد قال صل ىالله عليه وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي), وقال صلى الله عليه وسلم (خذوا عني مناسككم)
والسنة التقريرية : وهي أن يقر النبي صل الله عليه وسلم أقوالا وأفعالا حدثت أمامه فلا ينكرها . ومن ذلك إقراره لمن تيمم من الصحابة للصلاة إذا لم يجدوا الماء ثم وجدوه بعد الصلاة.
و لأهميتها البالغة فقد حفظ الله السنة المطهرة فهي من الذِّكر الذي تكفَّل الله بحفظه:
قال الله عز و جل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]. (والذِّكر: اسمٌ واقِعٌ على كلِّ ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن عظيم، أو من سنةِ وحيٍّ يُبيِّن بها القرآن الكريم.
فالوحي المُنزَّل قسمان:
الأول: وحي متلو معجز هو القرآن الكريم
الثاني: وحي مَروِيٌّ منقول ليس بمتلو تعبدا ، لكنه أقل إعجازا ، هو السُّنة المطهرة.
قال الله عز و جل متحدثا عن رسوله صلى الله عليه و سلم (و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) فجميع ما ينطق به النبي صلى الله عليه و سلم هو وحي إلهي و الوحي بلا خلاف ذِكر، والذِّكر محفوظ، فسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم إذاً محفوظة بحفظ الله تعالى لا يضيع منها شيء.
و الفرق بين النطق و الكلام كما ورد في معجم الفروق اللغوية: أن الكلام هو #ما_يتكلم_به قليلا كان أو كثيرا.وأما كلام الله سبحانه فهو عبارة عن إيجاده الاصوات والحروف في محل، وإسماعها الانبياء والملائكة
.والنطق. #إرادة_اللسان_في_الفم_بالكلام.
ولذا لا يوصف سبحانه بالنطق، ويوصف بأنه متكلم. قال تعالى: " وكلم الله موسى تكليما ".وأهل اللغة لم يفرقوا بينهما. قال الجوهري: النطق: الكلام.
في ضوء هذا الفرق اللغوي يتضح أن ما ينطق عن الهوى معناها كل مايريد لسانه في فمه الكلام به… من كتاب أو من سنة !!!
قال الإمام ابن حزم - رحمه الله - مؤكِّداً على أن السُّنة من الذِّكر الذي تكفَّل الله تعالى بحفظه: {صحَّ أنَّ كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّه في الدِّين وحي من عند الله عز وجل، لا شك في ذلك،
ولا خلاف بين أحدٍ من أهل اللغة والشريعة في: أنَّ كلَّ وحيٍّ نَزَلَ من عند الله تعالى فهو ذِكْرٌ مُنزَّل، فالوحي كلُّه محفوظ بحفظ الله تعالى له، وكلُّ ما تكفَّل الله بحفظه فمضمونٌ ألاَّ يضيع منه، وألاَّ يُحرَّفَ منه شيء أبداً...
ولا سبيل البتة إلى ضياع شيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين... ولو جاز ذلك لكان الذِّكر غير محفوظ، ولكان قول الله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]. كَذِباً ووعداً مُخْلَفاً، وهذا لا يقوله مسلم.
فإن قال قائل: إنما عَنَى الله تعالى بذلك القرآنَ وحده، فهو الذي ضَمِنَ تعالى حِفظَه، لا سائر الوحي الذي ليس قرآناً!
قلنا له: هذه دعوى كاذبة مُجرَّدة من البرهان، وتخصيصٌ للذِّكر بلا دليل، ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 111]}
المصدر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ، (1/ 114، 115) باختصار يسير.
• و هنا أؤكد على أنه لا يكتملُ حِفْظُ القرآن إلاَّ بحفظ السُّنة المبينة المفسرة له فالحفظ التام الذي ضَمِنَه الله تعالى للقرآن يقتضي حفظ المباني (القرآن الكريم) والمعاني (تفصيل السنة لمجمله و إحكامها لمتشابهه)
فقد قال الله سبحانه: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 44]. فالله تعالى أوكل مهمة تبيين هذا الذِّكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فكما قال ابن حزم رحمه الله: لو قلنا بأن بيانُ النبي صلى الله لهذا المُجْمَل غيرَ محفوظٍ ولا مضمونٍ سلامته، فقد بطل الانتفاع بنصِّ القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المُفترضة علينا فيه.
المصدر: الإحكام في أصول الأحكام، (1/ 115).
ثم إن التَّأسِّي بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتحقق إلاَّ بحفظ السُّنة و قد أمرنا الله تعالى بالتَّأسِّي بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم تأسِّياً مطلقاً في جميع أقواله وأفعاله:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]. ولا يمكن للمسلمين أن يتأسَّوا بسنَّته صلى الله عليه وسلم إذا لم تُحفظْ، وإلاَّ كان كلام الله تعالى - وحاشاه -
في هذه الآية وأمثالِها عبثاً، فمن اعتقد عدم حفظ السنة المطهرة فكأنه يتهم الله عز و جل بتكليف المسلم بمالا يُطاق و بما يزعم أنه ضاع واندثر و كأنه يكذب قول الله عز و جل في سورة البقرة (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
قوله سبحانه: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]،
فلو لم تُحفظْ لنا السُّنة وأحكامها في الأقضية، لكان قد قُدِّر علينا ألاَّ نؤمن، وهذا من المُحال؛ لأن الأمة الإسلامية مصونةٌ عن ذلك، ولا تزال طائفةٌ منها على الحق ظاهرة ومنصورة.
ثم إن عدل الله و حكمته يقتضيان أن لا ينقطع الوحي إلا إذا تكفل بحِفْظَ الشريعة و مصادرها كتابا و سنة:
فقد كان النبي يُبعثُ إلى قومه خاصَّة؛ ثم إنْ كذَّبوا - وهو الغالب - يُهلكهم الله تعالى؛ كقوم عاد وثمود، و كما قال الله عز و جل (وقرونا بين ذلك كثيراً)
فإن آمنوا وصدَّقوا فإنَّ النبي كان يُعقب بنبيٍّ؛ كما حصل مع بني إسرائيل، ابتدؤوا بإبراهيم ثم إسحاق و يعقوب وخُتموا بعيسى، وبينهم أنبياء كثر.
روى البخاري، (3/ 1273)، (برقم 3268)؛ ومسلم، (3/ 1471)، (برقم 1842) في صحيحيهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(كانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ، خَلَفَهُ نَبِيٌّ)
فلم تكن ثمة حاجة إلى سُنَّة أنبيائهم السابقين؛ لاستغنائهم باللاحقين، فقامت الحجة عليهم بذلك)
• ولو لم تكن السنة محفوظة بحفظ الله للذكر لما خاطبت أقواماً يأتون في آخر الزمان ولكان خطاب النبي صلى الله عليه و سلم عبثا فقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم الناسَ بالتمسك بالسُّنة زمن الغربة، واستغفر لأهل القسطنطينية و نبأ بأشراط الساعة
و أخبر عن أصناف من أمته لم يرها في زمانه، ونحو ذلك من مخاطبته صلى الله عليه وسلم لأهل القرون المتأخِّرة.
• و لو لم تكن السنة محفوظة لما حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام - رضي الله عنهم - على تبليغ ما يسمعون منه إلى مَنْ بعدهم فقد تواتر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال:
((نضَّرَ الله وجْهَ امرئ سَمِع مقالتي فحمَلها، فرُبَّ حامل فِقْه غير فقيه، ورُبَّ حامل فِقْه إلى مَن هو أفقه منه، ثلاث لا يغلُّ عليهنَّ قلبُ مؤمن: إخلاص العمل لله - تعالى - ومُناصحة وُلاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين))
و هذا الحديث رواه عشرون من الصحابة بألفاظ متقاربة و روي عنهم من طرق كثيرة و هو في كتب الحديث الستة و من ذلك: ما رواه عن ابن عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ، وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ).
( رواه أحمد في (المسند)، (1/ 321)، (ح 2947)؛ وأبو داود، (3/ 321)، (ح 3659)؛ وابن حبان في (صحيحه)، (1/ 263)، (ح 62). وصححه الألباني في (صحيح سنن أبي داود)، (2/ 411)، (ح 3659).
وقد عدَّ العلماء ذلك من معجزات نبوَّته صلى الله عليه وسلم؛ كما قال العلائي: (هذا من معجزاته التي وعد بوقوعها أُمَّته، وأوصى أصحابَه أن يُكرموا نَقَلَة العلم، وقد امتثلت الصحابةُ أمره، ولم يزل يُنقل عنه أفعاله وأقواله، وتلقَّى ذلك عنهم التابعون، ونقلوه إلى أتباعهم،
واستمر العملُ على ذلك في كلِّ عصرٍ إلى الآن) وإلى قيام الساعة إن شاء الله تعالى.
المصدر: فيض القدير، (3/ 245).
• و قد وردت إلينا السنة بنفس الطريقة التي ورد إلينا بها القرآن العظيم الذي لا خلاف أنه محفوظ بحفظ الله له، وردت إلينا بالإسناد المُتَّصِل بالنبي صلى الله عليه وسلم،
قال عَبْدُ اللَّهِ بنُ الْمُبَارَكِ - رحمه الله و أورده الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: (الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ).
و رحم الله الإمام مُحَمَّدُ بن سِيرِينَ و نقله الإمام مسلم في مقدمة صحيحه أيضا – إذ قال: (إِنَّ هذا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ)
و في هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله : (وعِلْمُ الإسناد والرِّواية مِمَّا خَصَّ الله به أُمَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وجَعَلَه سُلَّماً إلى الدِّراية، فأهل الكتاب لا إسنادَ لهم يأثرون به المنقولات،
وهكذا المُبتدِعون من هذه الأُمَّة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لَمَنْ أعظم الله عليه المنة؛ أهل الإسلام والسُّنة يفرقون به بين الصحيح والسقيم، والمعوج والقويم، وغيرهم من أهل البدع والكفار
إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحقَّ من الباطل)
المصدر: مجموع الفتاوى، (1/ 9).
و هنا يطيب لي أن أؤكد أن من آيات حفظ الله لسنة نبيه أن قيض لها علماء الحديث يذبون عنها المنخنقة و الموقوذة و المتردية و النطيحة من الروايات الضعيفة و المكذوبة كما قيض علماء القراءات لذب القراءات الشاذة و الضعيفة عن كتابه العزيز.
و أخيرا ألا يستلزم إكمالَ الله لدينه وإتمامَ نعمته حِفْظَ السُّنة؟؟؟!!!
قال الله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].
فيلزم من إكمال الدِّين، وإتمام النِّعمة حِفْظ الكتاب والسُّنة جميعاً؛ فمجموعهما هو دين الله عز و جل. فالحمد لله الذي أكمل لنا الدين و أتم علينا النعمة و رضي لنا الإسلام دينا…و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...