أصيلة الحارثية
أصيلة الحارثية

@AsilaAsilaAsila

24 تغريدة 6 قراءة Feb 03, 2021
(جامع الدرجات الذي يعد بأصابعه)
أهدى هذه الذاكرة لمن اقتعدوا الكراسي الخشبية تحت زئير مكيفات جنرال
جرتني الذاكرة لأيام التصحيح الجميلة، ولأول تجربة لي في خوض هذا المضمار (تصحيح أوراق امتحانات الثانوية العامة قبل تحويلها لشهادة الدبلوم العام)
١
وتسميته بالمضمار أعتبرها تسمية دقيقة، كنا نسابق الوقت لننهي التصحيح، وكان رئيس القاعة، موجها ضخم الجسم ذا صوت قوي، يرتدي بدلة سوداء طوال أيام التصحيح، ونظارة سمكية على عينيه الصغيرتين.
٢
وكانت القاعة الصفية تحوي كراسي الطلاب الخشبية وطاولاتهم وكنا نطبق الطاولات بجانب بعضها بعضا حتى نضمن عدم سقوط أية ورقة على الأرض - لا سمح الله-
وكنا مقسمين لثلاث مجموعات داخل الصف،
٣
وعلى رأسنا مكيفين بلا غطاء وجه وقد تراكم الغبار على وجههيهما حتى غدوا صندوقا أسودا بعين حمراء واحدة ويزأر كل نصف ساعة حتى يهتز الجدار لدرجة نعتقد أنه سيتحرك من مكانه ويسقط على روؤسنا.
٤
كل مجموعة يهدى له عدد من الأظرف صباحا وكل ظرف بداخله خمس وعشرون ورقة،
يبدأ فتح الأظرف مع أول معلمة فتصحح السؤال الأول ثم تنتقل الورقة للمعلمة التي تليها حتى تصل للسؤال الأخير،
٥
ودائما ما يتم اختيار مصححة السؤال الأول بعناية فائقة بناء على سمعتها في تخليص المنهاج الدراسي ودقتها فسرعتها في التصحيح ستحدد مصير المجموعة حسب تصنيف الموجه
٦
ثم تنتقل الأوراق للمراجعات أو المخضرات وقد سميت بالمخضرات لاستخدامهن القلم الأخضر، وكان موجهنا العظيم يهتف كمعلق في مباراة عن أعداد المظاريف التي صُححت وعن المجموعة التعبانة والمجموعة الجدعة. وقد أطلق علينا لقب الجدعان
٧
وكانت لديه قدرات خارقة في مراجعة جميع المظاريف لوحده، واكتشاف الأخطاء قبل تسليمها لقاعة المراجعة النهائية المزرقون (يستخدمون القلم الأزرق )
ليقارن بين المجموعات في الدقة،وتنطلق بعدها ضحكات أنثوية أو تعليقات صواريخ أرض جو مصوبة لجبهة الشيخ العظيمة ذات المسحة الايمانية
٨
موجهنا العظيم كان سريع البديهة والعمل والنكتة
وقد جعلني بوظيفة جامع الدرجات، وحتى نفهم هذه الوظيفة لا بد من شرح بقية الوظائف في هذه القاعة، كانت الورقة الامتحانية تدور على عدة مراحل، السطر الاول من المعلمات يقمن بالتصحيح ويوقعن على السؤال باللون الاحمر
٩
ومن ثم المراجعات أو المخضرات وهن
يوقعن بعد إعادة التصحيح باللون الأخضر
ومن ثم الشاطب (وهذه كانت أجمل وظيفة في التصحيح اليدوي وتعطى عادة للتي اشتهرت سمعتها بعدم الدقة في التصحيح أو البطء أو الكسل )
١٠
وكم تمنينا أن نعيش دور الشاطبة
ويتلخص هذا الدور في شطب الورقة الامتحانية من الصفحة الاولى حتى الأخيرة باللون الأزرق للتأكد من تصحيح جميع الأسئلة وإذا ما اكتشفت الشاطبة أن هناك سؤالا لم يصحح أو يراجع
فتثور ثائرة المجموعة وينظر للمذنبة بعين الغضب، لأنها ستكون سببا في تأخر العمل
١١
ومن ثم وظيفة (المطابق) يتأكد من أن الدرجة في داخل الورقة هي نفسها في الكشف خارج الدفتر
ورغم بساطة هذا العمل ( المطابقة ) شكليا إلا أن تصحيح سؤال التعبير أسهل لما تتطلبه المطابقة من شدة تركيز .
١٢
ومن ثم وظيفة جمع الدرجات وهذه هي الوظيفة التي أسندت إلي والمعلم الذي يجمع الدرجات باللون الأحمر يجب أن يتحلى بسرعة العد والدقة وإلا استطاع الموجه العظيم اكتشاف الخطأ بمجرد النظر بالعين المجردة، - رغم أنه يرتدي نظارة يسحبها إلى أرنبة أنفه عندما يركز في الأرقام.
١٣
ومن بعده يأتي دور مراجع الجمع ليؤكد الدرجة باللون الأخضر، وقد كنا نسعد بدرجات الطلاب فوق التسعين ونبحث عن مواطن الخطأ لننبه طالباتنا وعادة ما يخطيء الطلاب المتفوقون في الأسئلة السهلة .
١٤
وقد كتبت نصا عن المعلم قبل عشرين عاما تعاطفا معه لكني فقدت النص وأذكر "أن المعلم يُحمّر و يُخضّر و يُزرّق لكنه لا يسوّد أبداً"
(فالمعلم يمنع عليه استخدام القلم الأسود في التصحيح )
١٥
كان موجهنا العظيم مغتاضا مني ،، حيث تراكمت علي دفاتر الطلبة ، وقد طلبت منه مرارا أن يجعلني مصححة لكنه رفض رفضا قاطعا باعتباري تعيين جديد وأن الأولى للأقدمية في التصحيح
بلعت غضبي وأحضرت آلة حاسبة في اليوم التالي ولكنه غضب كثيرا واعتبر ذلك إهدارا للوقت ،،
١٦
وحين رآني أعد الأرقام بأصابعي أحضر كرسيه وجلس بجانبي وسحب الأوراق وأنهى جبل الأوراق في خمس دقايق وفي كل خمس ثواني يقول" بصي إزاي تعدي"(ولقد استطعت أن أصحح الاوراق بسرعة خيالية حينما تحول التصحيح الكترونيا حيث كنت أستطيع تصحيح سبعة اوراق من سؤالي أيًا كان الفرع في دقيقة واحدة)
موجهنا العظيم نعتني بالتي تعد بصباعها، حاولت إقناعه أن وينستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا ١٩٤٠ في صباه كان يكره الرياضيات ويعاقبه معلموه على ضعف تحصيله،ومن جماليات هذه المرحلة يتم إحضار المظاريف في عربة مقسمة لثلاث طبقات وتوضع المظاريف بحنو كمواليد خرجوا لتوهم من صالة الولادة١٨
وحين يحاصرنا صراخ الموجه وضغط التصحيح وقسوة الكراسي الخشبية من الساعة السابعة صباحا نحسد المعلم الذي يدفع العربة ونتمنى أن تكون وظيفتنا هي أن نجر الأوراق وننقلها من القاعة الصفية للكنترول ومن الكنترول للقاعات الصفية
١٩
وقد كانت هذه المهمة تعطى للمعلمين الجدد باعتبار أنهم جدد ولكن السبب الحقيقي هو
لإيقاف ثرثرتهم داخل قاعة التصحيح
٢٠
وكانت مكافأة التصحيح في اليوم الواحد ريالا أو يزيد وكنا معلمي اللغة العربية أكثر حظا من باقي المواد فقد كنا نصحح أحد عشر يوما من بينها يوم الجمعة حتى نتمكن من إنهاء الأوراق في أقل زمن ممكن وكانت المكافأة تصل أحيانا إلى أربعة عشر ريالا وكفا صغيرة من العملات المعدنية تقدر بالبيس٢١
وترسل المبالغ إلى المدارس ليتم توزيعها على المعلمين بحرص شديد مع ضرورة التوقيع على الكشف المرفق، وقد كان المحاسب دقيقا جدا و أمينا ويخشى من أن يظلم المصححين فكان حسابه دوما دون أخطاء، ويبدو أنه لم يرث ذكاء تشرشل في الرياضيات.
٢٢
ملاحظة : الشخصيات والأحداث محض خيال، لم يراقب علينا موجه قط
ولا توجد وظيفة اسمها شاطب ولا جامع درجات ولا مطابق، وكانت المكيفات جديدة سبليت يونت، وللعلم لم يسبق لي أن صححت أبدا 🌸

جاري تحميل الاقتراحات...