وسائل التواصل الاجتماعي
السفر
التكنولوجيا
الكتابة
تجربة شخصية
التطوير المهني
الحب والعلاقات
تويتر
سوء معاملة كبار السن
نادي
خاصمني أحد شيبانا عمره ٨٠ سنة، واشعر بأني تعرضت للتعنيف، هل استطيع التقدم بشكوى ضده ؟
العم مفلح، سيكون اسم مستعار لهذا الرجل، لم تعد لدي رغبة في كتابة القصص على تويتر ولكن هناك دائما ما يستحق أن يكتب، عدت إلى نجران هربا من ضغط مدينة الرياض، أحبها ولكنها متطلبة، كحب يعاقبك بالطفش حين تهمل مجاراته، وما أن تخرج منها حتى تشتاق إليها.
ويصدف خلال عودتي أنني دخلت إلى عالم الكلوب هاوس، وكل ما كنت اهرب منه في الرياض كان مركزاً في هذا التطبيق، إذا كان الرياض حليبا، فالكلوب هاوس هو حليب نستلة المركز، الدفع المستمر للأمام والحصول على المزيد من التدريب والتعليم والمال والشهرة والتطور المهني، وحديث يشعرك بالمحاصرة
جميل ولكنه كثير جداً على الاستيعاب، وبدأت غرف جديدة تظهر تدريجيا لتكسر سطوة الكلام عن الاستثمار وريادة الأعمال، فكان حضور جميل للدكتور عبدالله غازي والدكتورة رغدة فيصل والأستاذة رُزانا البنوي @DrAbdullahGh_ @PurpleCouchnet @rozanaalbanawi ككتيبة انقاذ للنفوس المنهكة بقلق المستقبل
ومن ذلك محاضرة للدكتور عبدالله بعنوان ترسبات الطفولة وكيفية التعامل معها والخروج من مأزق تأثيرها على حاضر الإنسان، فوضعت ذلك على جدول أعمالي في نجران، وكتبت قائمة ببعض تلك الترسبات فكان العم مفلح أحدها 😊، الذي أحبه وأعرف أنه يحبني ولكن كان لا بد من مواجهة وفتح ملفات الماضي.
الصديق العزيز لوالدي رحمه الله وكنت رفيقهم في كل لقاءاتهم، له رأي صريح في كل شيء يخصني منذ كنت في السادسة من عمري. وهو أول من كوا يدي بدلة القهوة حين أخطأت بإمساكها، تحاملت حينها على نفسي ولم أبكي وهذا ترسب عظيم في طفولتي وتوقعت أنني حين أصارحه بذلك سأبكي ويحضنني واغسل هذا الترسب
العم مفلح ليس غريبا على التجارة، بدأ الكثير من المشاريع والتي مازال بعضها قائما يتولا تشغيلها أبناءه، قطع غيار، مكتب عقار، محل مواد زراعية، هو ريادي ولكن في زمانه يسمى بـ متسبب، اي الباحث عن اسباب الرزق، وكان أيضا مستثمر ملائكي فهو شريك بالمال في اعمال اخرين
وليس غريبا على حياة المدن، وزحمة الحياة، وعاش في الشرقية وجدة وكان دائما يعود بكل ما يكسبه ليضعه في نجران لزوجاته وأبناءه، نعم زوجاته، كان رياديا ومستثمراً ملائكيا معددا لديه زوجتين و١١ ابن وابنة، وإبل وأغنام، ولا يحتاج لكوتش أو ثيرابست، سيبدو الأمر مرعبا لريادي الكلوب هاوس 😊
والحقيقة أنني عندما زرته أول مرة رفض استقبالي وكانت الحجة التي اعتذر بها أبناءه أن ناقة عزيزة عليه فارقت الحياة، ولا يريد استقبال أي شخص وكنت أفكر في صياغة القصة بشكل درامي أدبي عن علاقة البدوي بإبله، وكتبت بداية رومانسية ومحزنة، وانتظرت حتى التقيه مرة أخرى فحدث ما حدث 😔
في مزرعته قادني إليه أحد أبناءه الصغار، قريبا من أغنامه تحت عريش من جريد النخل وأمامه قهوته وتمره. سلمت ورد السلام وهو ينظر بعيدا عني ، جلست قريباً منه لعلي أواسيه في ناقته العزيزة ثم بادرني بصوت منخفض لا حماس فيه ( ماجور ) وهنا شعرت بالخطر ، وأنني مستهدف ولكن رددت ( الله يعافيك)
من لا يعرف فالتقليد في نجران عندما تأتي من سفر ، وتعتبر ( طارشاً ) سيكون بداية الكلام من المضيف ( سوال ) ومن ثم ( استخبار )، والسوال هو أن يبدأ بـ ( كيفنت ) ويتلوه عدة ردود منها ماجور ثم يسأل ( علمك؟ ) إذا لم يحدث هذا الترتيب فهذا يدل على أمر خطير وله تبعات كثيرة.
ولذلك عم الصمت لفترة طويلة، ثم أشار بعصاه لصحن القهوة ( صب لنفسك )، وأنا الذي كنت مصمما على مواجهته بكل ترسبات الطفولة، آتيا بكل شجاعة واعتداد بعمري ومكانتي تذكرت كية الدلة وكل طفولتي وقفزت سريعا أصب لنفسي وله دون أي تردد، وها أنا أضيف لقلبي ترسبا جديدا لم اتوقعه .
أحاول البحث عن منفذ للكلام معه، وهو يقضم بطقم أسنانه تمرا ( بياضا ) وهذا من تمر نجران الذي لا يوجد في مكان آخر، تمر أبيض ومتحجر قاسي ولكن ما أن تقضمه حتى يذوب في فمك سريعا كالسكر. صوت تكسر التمر في فمه يزيد توتري، فأمد يدي لنفس صحن التمر فينهاني ويشير إلى تمر خلاص في صحن آخر.
لقد عدت لعمر الست سنوات، ذلك الطفل الذي يشعر بأن كل ما يفعله خاطيء، ومازالت ملامح وجهه المهيبة تجبرني على الانصياع لأوامره دون احتجاج، ينقذ الموقف أكبر ابناءه الذي وصل مستبشرا بحضوري يقوم بكل تقاليد السلام والسوال والمواجرة والاستخبار ، ثم ياخذ الدلة من يدي المتحجرة على مقبضها
ملاحظات على الهامش:
١- الاخوة من ابناء المنطقة غيرت الكثير من الوقائع في القصة ولا حاجة للتخمين من يكون للشخص فلن تستطيعوا له وصولا.
٢- كلوب هاوس برنامج جميل وانتقاداته عنه هي انطباع شخصي وفي كل الاحوال اجمل ما فيه اذا تعبت نفسيتك من غرفة بتطلع وتجد غرفة علاج نفسي بانتظارك😊
١- الاخوة من ابناء المنطقة غيرت الكثير من الوقائع في القصة ولا حاجة للتخمين من يكون للشخص فلن تستطيعوا له وصولا.
٢- كلوب هاوس برنامج جميل وانتقاداته عنه هي انطباع شخصي وفي كل الاحوال اجمل ما فيه اذا تعبت نفسيتك من غرفة بتطلع وتجد غرفة علاج نفسي بانتظارك😊
واخيرا لدي دعوة متبقية وسأمنحها لمن لديه مشروع غرفة جميلة دورية ومنتظمة عن الكتب والكتابة الابداعية والقراءة، ارسلوها خاص وليس هنا وسأختار منها . الشرط الأول شخص يمثل نفسه فقط لا يمثل نادي قراءة أو جهة لها علاقة بهذ النوع من المحتوى.
عودة للعم مفلح، عصرا نقترب من المغرب، التوتر يخيم علينا، والابن يحاول كسره بأحاديث لا يبدو أنها تغير في مزاج والده شيئاً، يشعر مانع بالحرج وهو الأقرب لي عمرا وأصغر ابناء العم مفلح على زوجته الأولى التي توفت رحمها الله قبل خمس سنوات، اخرجت نواة تمرة ووضعتها في صحن العجم أمامي.
يلتفت لي العم مفلح ويطلب مني وضعها في الصحن الآخر، فنواة تمرتي خلاص وهذا صحن لعجم تمره البياض، ثم يعود بوجهه ينظر للاشيء وكل شيء أمامه، النخل والأغنام وأحفاده الكثر في نهاية المزرعة يلعبون، يراقبهم أيضاً يفز من جلسته كلما اقترب أحدهم من النخل الذي تم تفخيطه ( تلقيحه ) حديثاً
هو آخر مجموعة من الأصدقاء كان والدي رحمه الله أحدهم، تتابع الرفاق في الفراق، لم يحضر عزاء والدي كان حينها منوما في مستشفى التخصصي، لا أنسى بكاءه على الهاتف، تلك المجموعة كغيرهم من كبار السن لم يكونوا يجتمعون في استراحات أو ديوانيات، لا يعترفون بالتوقف عن العمل التي هي الحياة.
عادة تلك المجموعات يجتمعون في مكتب عقار لأحدهم أو معرض سيارات، أو محل قديم في السوق الشعبي، لا يسهرون حتى وقت متأخر من الليل، يجتمعون صباحا ويعودون ظهرا ثم مرة أخرى عصرا حتى صلاة العشاء وبعدها يعودون لبيوتهم، لمزارعهم، لعوائلهم الجلوس معهم يشعرك بأنك صغير مهما علا شأنك.
قد يفاجئك أن مكتب من المراكي والمساند يجلس فيه مجموعة يديرون أكبر الصفقات التجارية، ويحلون أكثر المشاكل القبلية تعقيدا، علاقاتهم تمدد شمالا حتى آخر حدود الدولة، وسيجد كل شخص فيهم من لديه واسطة في وزارة أو دائرة حكومية ، بل أن الخطبة والزواج تبدأ من هذه المجموعات.
اعرف تلك النظرة، الإزدراء للحياة المختلط بالانتظار شوقا للنهاية، رأيتها في والدي رحمه الله. وسألته عنها فأجابني أنه اكتفى من الحياة، العم مفلح لديه نفس النظرة، مانع يبادر بعزيمتي للعشاء، أرد بظرافة لأخفف من التوتر (تعرف إني قاص معدة عطني اياها منقولة) لكنها فتحت علي بوابة جهنم.
لم يترك العم مفلح شيئاً في خاطره إلا وقاله، ( يا تقبل العزيمة والا اعتذر مثل الرجال، نقبلها من هادي بس) بالفعل هذه مزحة كان والدي رحمه الله يمزحها مع أصدقاءه حين يعزمونه، أن يعطوه قيمة الذبيحة خيرا له من أن يأكلوها أمامه وهي مريض سكر لا يستطيع مشاركته. واعتقدت بتكرارها سألين قلبه
ولكن يبدو أن أثرتي في نفسه حنينا وشوقا ومقارنات كبيرة بيني وبين والدي صديقه العزيز، ( علمن ليش تقص معدت، بلاك في يدك كان قصيتها ) مانع يحاول المشاركة في انقاذي ( قصها عشان ما يجيه السكر ) ولكنه اقحم نفسه في تبادل لاطلاق النيران وأصيب وانسحب سريعا.
( خفت من السكر يا ابو علي ) استدعي أي كلام من ذهني محاولة لتهدئة غضبته ولكنه لا يسمع، هو يريد الاستمرار في الكلام ( ما هو منك من ابوك كان يزقدك الحلاو كل شوي ) يزقدك يعني يناولك ، كان والدي رحمه الله إذا أخذني معه لزيارة أصدقاءه يترك في جيبه حلاوة بقرة، ليعطيها لي يكسر بها مللي
( وعلمني أيش عندك بالرياض ) هنا يريد التشره علي بسبب قلة زيارتي لنجران، ( عمل يا والدي ومشاغل ) ، ولكن كل إجابة تفتح له بابا يدخل في أعماقي ليعيث فيه ألما، ( مشاغل ايش وانت ما عندك غران، ما احد يشتغل إلا وعنده ناس يوكلهم، تعال هنا وناكلك ما انت الا براسك مهي بكاسرتنا عيشتك ).
يتحدث العم مفلح بمنطقه، منطق الرجل الذي تزوج بعمر 14 سنة، وانطلق في السعي بالرزق ليوفر لعائلته الاكل والشرب والمسكن، عمل في كل شيء، عامل في ارامكو، وكداد، وبيع الأغنام، والزراعة، وفي كل مرة يرزق بطفل كان يضيف عملا، لم تكن لتعجبه إجابة مثل ( أحب شغلي ) أو لو غامرت بقول (اتبع شغفي)
لا معنى للشغف في حياة أبائنا، لا معنى أن تحب ما تعمل فيه وأن تعمل فيما تحبه، هذه رفاهية زائدة ، المعنى الوحيد للعمل أن تؤسس عائلة وان توفر لها حياة كريمة، اشعرني بأني لا أملك أي قيمة في الحياة، وكل ما انجزته سيذهب سداء بلا جدوى . انهى آخر طلقاته النارية وعم الصمت الجلسة للحظات.
ماذا افعل، هل اقبل رأسه، أم انصرف، نظرت إلى مانع استطلع رأيه، انزل رأسه، نظرت للعم مفلح، كان ينظر إلى نخيله ويضرب بعصاه على الأرض ضربات صغيرة، اقتربت منه وامسكت رأسه لاقبله . فدفن وجهه في صدري واخذ بالبكاء( والله ان ابوك حنج، وانت حنج )، ثم انتفض ودفعني بقوة وقام وتركنا.
كان شوقه لأبي، كان كل هذا الألم الذي اوجعني به، تعبيره عن حبه لي ولوالدي رحمه الله، هكذا هم، قسوتهم ليست بهدف القسوة، فيها كثير من الحب والرحمة، رغبتهم بأننا الأحسن والأفضل والأسعد والأقرب، لم يكن تنمرا، كان احتضانا قاسيا، خرجت ولحقني مانع يقول الشيبة يقول لا تنسى العشا القابلة.
جاري تحميل الاقتراحات...