عبد المجيد بن محمد المُـدرّع
عبد المجيد بن محمد المُـدرّع

@AALMUDARRA

53 تغريدة 120 قراءة Feb 05, 2021
إن القارئ والدارس للتاريخ و العقائد والأساطير والفلسفة وأيضا الدارس للعلوم القديمة عند الاغريق يحتاج لفهم التاريخ السياسي والاجتماعي و الحضاري القديم لأوروبا لتتضح المعالم واضحة جلية له.
ولا يمكن لنا حصر العناصر الأساسية لمعالم أوروبا القديمة من خلال هذه التغريدات لكننا نستطيع أن تطرق إلى جوانب محددة تساعد الباحث والقارئ للانطلاق منها ونفرد تغريدات أخرى عدة جوانب أخرى لاحقا إن شاء الله.
إن من أهم المعالم التي يجب وعيها وفهمها هي غزوات البرابرة لأوروبا لأن أثرها مستمر حتى يومنا هذا وينعكس هذا الأثر في كثير من المعتقدات والحضارات والسياسات والحياة الأوروبية اليوم.
في زمن الإمبراطورية الرومانية عشاء في شوب أس ثلاث وشعوب آسيوية مهاجرة من الشرق. ووصلت قبائل السويب والالمان إلى نهر المين وقبائل القوط والماركوني والهيرول إلى نهر الدانوب وقبائل الفرنجة في الغرب على نهر الراين
وفي الشرق قبائل الواندال والبرجنديين واللمبارد بين نهري الألب والأودر، وفي الشمال قبائل الفريزبان بجوار بحيرة فليفو.
وقامت هذه القبائل بالهجرة لمواطنها الجديدة تاركة خلفها في شمال أوروبا قبائل ستلتحق بها بعد قرون وهي قبائل الأنجلوسكسون والدانماركيون والاسكندنافيون.
ظهر خطر القبائل الجرمانية على الرومانية في أواخر القرن الرابع الميلادي عندما استوطنوا الأراضي الجديدة. وقد كان هناك بون واسع بين البرابرة الجرمان والعالم الروماني في الحياة السياسية والإدارية والعسكرية والاجتماعية والفكرية الا أنهم اشتركوا في الوثنية حتى تنصر كلا الفريقين لاحقا
ويطول التفصيل في كل جانب سواء اجتماعي أو عسكري أو سياسي أو عقدي عند الرومان أو عند الجرمان إلاّ أن كل جانب منها يستحق البحث والمعرفة.
ويعود لفظ البرابرة ومدلوله إلى اليونان قديما حيث كانوا يربطونه بالشعوب التي لا تفقه اللغة اليونانية ثم أصبح لاحقا مرتبطا بالشخص الفظّ والجاهل ثم أطلق بعد ذلك على عند الرومان على الشعوب المعادية أو الغزاة.
ومن هنا أعطي لمحة عامة بسيطة عن القبائل الجرمانية، محاولا حصر ما استطعت منها ومن الشعوب الأوروبية الأخرى.
إلاّ أنه من المهم أن أعطي لمحة عامة عن التقسيم الإداري في الإمبراطورية الرومانية من خلال هذه الخرائط. وكل خريطة منها مرتبطة بفترة زمنية من تاريخ الإمبراطورية.
فقد اشتهرت أقاليم "طبقا للتقسيم الإداري الروماني"، والتي تغيرت عدة مرات طبقا للتاريخ السياسي للامبراطورية. مثل داقيا وأقطانيا وهسبانيا وغيرها، وتستحق إفراد موضوع خاص بها إن تيسر لنا الوقت لذلك.
وقد حدد المؤرخون ثلاثة أصول لتاريخ أوروبا وحضارتها، الأول: التراث الكلاسيكي والروماني بوجه خاص. والثاني: المسيحية وكنيستها. والثالث: الجرمان.
الجرمان: وهم الشعوب التي سأذكر فروعها والذين بدأ انتشارهم في القرنين الأول والثاني في أواسط أوروبا وشرقها بعد هجرتهم من موطنهم الأصلي حول البحر البلطي
القوط: هاجر القوط من البحر البلطي واستقروا لجنوب شرق أوروبا واستقروا شمال البحر الأسود. ومن هناك انقسم القوط Gothi إلى فريقين (القوط الغربيون Visigothi والقوط الشرقيون Ostrogothi )
وللإضافة فإن مسمى "الجرمان" يعود إلى بداية احتكاك الرومان في الخصوم الجدد الذين يقيمون في ما وراء الحدود أطلقوا عليه اسم الجرمان نسبة إلى المنطقة التي يسكنونها في ذلك الوقت الأراضي الموجودة وراء الراين.
فمصطلح "الجرمان" جديد على الجرمان أنفسهم وهي تسمية أطلقها الرومان وهي تسمية جديدة على الجرمان أنفسهم. وقد كانت عقيدتهم وثنية متعددة الآلهة وسيد الآلهة جميعا لديهم هو "عطارد" طبقا للمؤرخ الروماني تاكيتوس ويقابله "هرمس" عند اليونان و"ميركوري" عند الرومان،
فإله الجرمان "أود" عندهم هو الذي يقود للنصر ويبعث على الشجاعة، ويظهر هذا الاسم حتى يومنا هذا على يوم الأربعاء في اللغة الإنجليزية Wednesday وفي لغات أخرى، لأن هذا اليوم كان مخصصا لعبادته كما الحال عند الرومان Mercurii وتعني الأربعاء أيضا
ويظهر هذا الاسم الإله "ميركوري" عند الرومان في اللغات اللاتينية كالفرنسية Mercredi والإيطالية Mercoledì والإسبانية Miércoles والتي تعني الأربعاء وهو يوم عبادة إلههم "ميركوري"، أو إله الجرمان "أودن" والذي عبدوه يوم الأربعاء فسمي هذا اليوم عليه.
وهكذا تعددت الآلهة عندهم في ديانتهم الوثنية واشتهر منها كثر مثل الإله "ثور" وهو إله الرعد وقد كان يهم المزارعين بشكل خاص، وكذلك آلهة الخصب والحب "فريا" وغيرهم الكثير
علماً بأن الديانة الوثنية موجودة اليوم بعد إعادة إحيائها على يد Sveinbjörn Beinteinsson (المرفقة صورته في التغريدة مع صورة مطرقة ميلونير) في بلاد أوروبية باسم ديانة "أساترو" وهي ديانة معترف بها رسميا في إيسلندا والنرويج والدانمارك والسويد وإسبانيا
وقد كانت الأسباب الرئيسية لهجرة هذه الشعوب من شمال أوروبا لعدة عوامل منها: أن أعدادهم كثيرة وقد عرفوا بأنهم مجتمع إخصاب، وكذلك البحث عن أراضي زراعية جديدة، وعامل المناخ كون بلادهم شديدة البرودة وتكثر فيها الثلوج حب المغامرات والاستكشاف، وما عرفوه عن رقي المجتمع الروماني.
وللتوضيح، فإن حديثنا عن الهجرات الكبيرة التي جاءت فيها القبائل الكبيرة كالقوط، لكن الجرمانيين كانوا قد جاءوا مع فجر الامبراطورية الرومانية ما قبل الميلاد، إلا أن هذه الحركة كانت محدودة.
القوط الغربيون: تأثر القوط بداية بالرومان عندما بدأوا باعتناق المسيحية الأريوسية عن طريق المبشر القوطي "ولفلاس" Wulfilas ( ٣٣١-٣٨٣م) وقام بترجمة الكتاب المقدس من اليونانية إلى اللغة القوطية، والذي لا تزال بعض أجزاءه موجودة والتي تعد أقدم إرث جرماني اليوم.
واعتناق ولفلاس ونشره للمذهب الأريوسي أدى لانتشاره بين القوط بشكل كبير مما كان له أهمية كبيرة في تاريخ القوط. وفي القرن الرابع وصلت قبائل "الهون" الآسيوية نحو أوروبا عابرة نهر الفولجا حيث كان شعب الآلان الذي يقيم بين بحر قزوين والبحر الأسود والآلان من الشعوب الآسيوية أيضا.
فعبر الهون والآلان نهر الدون ووصلوا لمناطق القوط وهذا أدى لتحرك أمة القوط إلى نهر الدانوب الذي يفصل الجرمان عن الرومان
وقد أدّى هجوم الهون ومعهم الآلان إلى قيام تحالف بين الجرمان والرومان، وقد كان لقوة الاشتباك بينهم تأثير خطير على تاريخ الامبراطورية الرومانية ذلك أن القوط فرّوا من الهون فطلبوا من الامبراطور الروماني فالنز Valens (٣٦٣-٣٧٨م) عبور نهر الدانوب فأذن لهم.
وانتهى الأمر بالقوط لدخول الامبراطورية الرومانية بعد موافقة الامبراطور الذي أراد استخدام القوط كحاجز بينه وبين الهون وكذلك ولاستخدامهم كقوة وللاستفادة منهم في بعض الأعمال وتحصيل الضرائب. وقد سُمح لهم بالاستقرار في مناطق مواشيا Moesia وتراقيا Tracia.
وبسبب تعسف الرومان وإساءة معاملة القوط فثاروا على الرومان وانتصروا على الامبراطور فالنز وانتصروا عليه في معركة أدرنة سنة ٣٧٨ وقتل فيها الامبراطور.
وجاء حكم الامبراطور ثيودسيوس الأول الملقب بالعظيم (٣٧٩-٣٩٥) وهو آخر امبراطور للامبراطورية الرومانية الموحدة قبل انقسامها الى الامبراطورية الرومانية الشرقية والامبراطورية الرومانية الغربية
وهذا الامبراطور هو الذي ألغى المذهب الأريوسي من خلال "مجمع القسطنيطنية ٣٨١" وهو أحد المجامع "المسكونية" في العقيدة المسيحية. وفرض عقوبات مشددة على أتباع الديانة الأريوسية "وقد كانت هي ديانة "القوط" آنذاك.
وقام الامبراطور بعقد صلح مع القوط سنة ٣٨٢هـ وأعفاهم بموجب هذا الصلح من الضرائب مقابل الخدمة العسكرية في الجيش الروماني. وهذا الأمر أدى إلى تغلغل الجرمان ومن ضمنهم القوط في البلاط الروماني.
وقد سمح للقوط الشرقيين بالإقامة في إقليم بانونيا والقوط الغربيين في إقليم تراقيا. كما تمتعوت بسلطة مطلقة في هذه الأقاليم. ولم يتم إجبارهم على ترك المذهب الأريوسي كما فُعل بالآخرين.
وفي عام ٣٩٥ م، انقسمت الامبراطورية الرومانية بين أبناء ثيودوسيوس إلى قسمين، الشرقي يحكمه هونوريوس وعاصمته روما والشرق من نصيب أركاديوس وعاصمته القسطنطينية. وهذا الانقسام أدّى إلى زيادة قوة ونفوذ الجرمان ومنهم القوط.
وقد استمر الجزء الروماني الغربي ٨١ عاما فقط عام ٤٧٦م، عندما سقط روما على يد القائد الجرماني أودواكر بينما استمرت العربية ١٠٥٨ عاما حتى عام ١٤٥٣ عندما سقطت على يد العثمانيين.
وظهر الدور الجرماني في الامبراطورية الرومانية بعد انقسامها من خلال ظهور اسم "ستيلكو Stilicho” من أصل "واندلي" عندما فوضه امبراطور الغرب هنريوس للقيام بالأمور الحربية وفي الشرق روفينوس Rufinus وهو وزير قوطي اعتمد عليه امبراطور الشرق أوركاديوس.
وفي عام ٣٩٥م القوط زعيما لهم ألاريك Alaricus I وهو أول ملك للقوط الغربيين (٣٩٥-٤١٠م) فثار القوط في ٣٩٥م مع تولية ألاريك فغزا مقدونيا واقتحم أثينا حتى اصطدموا بقوات "ستليكو" الواندالي قائد الحرب في الامبراطورية الغربية وانتصر على القوط وفرّ ألاريك
ورأى امبراطور الشرق أركاديوس أن يعيّن ألاريك القوطي رئيسا للجند في إقليم إيليرا سنة ٣٩٨هـ، وحاول ألاريك سنة ٤٠٢ غزو إيطاليا ودخل ميلانو وحوصر الامبراطور هونريوس في آستي Asti لكن ستليكو وصل وأنقذ الامبراطور وحول الخسارة لانتصار في معركة بولنتيا Pollentia
وفي ٤٠٥ م تقدمت قبائل جرمانية "واندال وسويب وبرجنديين ومعهم آلانيون" نحو إيطاليا بعد ضغط "قبايل الهون الآسيوية" لكن ستليكو انتصر عليهم وحمى إيطاليا للمرة الثانية.
وبسبب الحروب على إيطاليا اضطر ستليكو لسحب قوات رومانية وجلبها للدفاع عن إيطالي مما سهل للواندال والآلان والسويب للوصول إلى إقليم غاليا (بلاد الغال) بعد خروج القوات الرومانية منها فاجتاحوها ونهبوها ثم اندفعوا إلى إسبانيا عام ٤٠٩م
وقد انزعج الامبراطور هونريوس "امبراطور الغرب" من هذه الأحداث الأخيرة فرأى فرصة للتخلص من قائده ستليكو الذي ازداد نفوذه فتم اعدامه عام ٤٠٨م وقتل كل معاونيه فلجأ من نجى منهم إلى "ألاريك" القوطي الذي توجه معهم إلى روما بعد أن زينوا له دخول روما وحرضوه على ذلك.
واقتحم القوط بقيادة ألاريك في أحداث طويلة (حيث دخل روما وصالحها ثم عاد لها غازيا) روما سنة ٤١٠ م فنهبوها وأحرقوها وعرفت بأحداث "نهب روما" واحترم ألاريك كنائس روما رغم أنه أريوسي المذهب ولم يقم بمذحبة في أهالي روما وتوفي ألاريك ملك القوط في نهاية ٤١٠م
ولم يتمكن الامبراطور من إخراج القوط الغربيين من إيطاليا سوى بتسليمهم إقليم أقطانية في فرنسا، وقد كان هذا الإقليم مأهولا بالشعوب التي سبقت القوط إليه وهم الواندال والسويب والآلان. فاستطاع واليا Walia وهو ملك القوط بين عامي ٤١٥-٤١٨م أن يطرد السويب لشمال غرب إسبانيا
واستطاع الملك واليا أيضا أن يطرد الواندال لجنوب نهر الإبرو. واستقر القوط الغربيون في المرحلة الأولى من مملكتهم الجديدة في جنوب غرب فرنسا وعرفت المرحلة الأولى باسم "مملكة القوط في طولوشة" وطولوشة هي مدينة تولوز في فرنسا. واستمرت هذه المرحلة من ٤١٥ وحتى ٥٠٧م حتى توسعت وأخذت إسبانيا
اعتنق الفرنجة المذهب الكاثوليكي الأثناسيوسية "وهم من الشعوب الجرمانية"، مما فصلهم عن بقية الشعوب الجرمانية المعتنقين للمذهب الأريسي، وذلك باعتناق ملكهم "كلوفس" عام ٤٩٦م وتم تعميده.
شن ملك الفرنجة الحرب على القوط الغربيين وعلى الألمان الذين اضطروا للدخول في طاعة ملك القوط الشرقيين الملك "ثيودريك العظيم" لحماية أنفسهم من الفرنجة
شنّ ملك الفرنجة الحرب على القوط الغربيين وكانت بينهم المعركة الفاصلة في ڤوييه Vouillé عام ٥٠٧م وقُتل ملك القوط ألاريك الثاني. واستمر كلوفس الفرنجي في تدمير القوط الغربيين حتى أنقذهم ملك القوط الشرقيين ثيودوريك العظيم.
وبإنقاذ ثيودريك العظيم ملك القوط الشرقيين للقوط الغربيين بدأت المرحلة الثانية من تاريخ القوط الغربيين وهي الملك تحت الوصاية لملك القوط الشرقين من عام ٥٠٧ وحتى عام ٥٤٩
وبدأت المرحلة الثالثة للقوط الغربيين عندما استقر حكمهم في إقليم "هسبانيا" الروماني وهي شبه الجزيرة الأيبيرية واتخاذهم لطليطلة عاصمة لهم. واستمر حكم القوط الغربيين أحد أقوى الشعوب الجرمانية حتى سقوط دولتهم على يد المسلمين عام ٧١١م وإن كانت قد ظلت لهم باقية حتى عام ٧٢٥م
وللإضافة بأن الملك ريكاريدو الأول اعتنق المذهب الكاثوليكي عام ٥٨٩م وتخليه عن الأريسية لتبدأ مرحلة جديدة تم قامت فيها حروب وثورات من سكان البلد ضد القوط بسبب الحرب بين الكاثوليكية التي كان يجبر فيها القوط سكان إسبانيا لاعتناقها وأهل البلد الذين يدافعون عن عقيدتهم الأريسية.
ولهذا السبب وعندما دخل الإسلام لإسبانيا فقد سهل دخول سكان البلد للإسلام بسبب عقيدتهم الأريسية والتي رأوا فيها أنها أقرب لعقيدتهم من عقيدة الكاثوليك، خصوصا أن المسلمين لم يجبروهم على اعتناق الإسلام على عكس القوط الذين كانوا يجبرونهم على اعتناق الكاثوليكية.
كان بودي إكمال الموضوع للحديث عن الواندال والبرجنديين والفرنجة واللومبارد والقوط الشرقيين والسكسون والفايكنغ وغيرهم لكن مثل هذا الموضوع أظنه دسم على ساحة تويتر وليس هذا مكانه.
ولعل الأنسب هو إفراد موضوع مستقل لكل منهم دون جمعهم في تغريدات متسلسلة.

جاري تحميل الاقتراحات...