محمود
محمود

@_mah_moud

26 تغريدة 43 قراءة Jun 07, 2021
خداع النفس
جمال حمدان
نحن كشعب - لابد لنا بصراحة أن نعترف - نكره أشدّ الكره أن نسمع عن عيوبنا وشوائبنا، ونرفض بإباء أن نواجهها أو نُواجَه بها. ولا تكاد توجد فضيلة أو ميزة على وجه الأرض إلا وننسبها إلى أنفسنا ونلصقها بنا.
ليس هذا فحسب، أو ليت هذا فحسب، فما أكثر بعد ذلك ما نقلب عيوبنا عن عمد إلى مزايا، ونقائصنا إلى محاسن، بل أسوأ من ذلك قد نتباهی ونتفاخر بعيوبنا وسلبياتنا ذاتها! ولعل هذا تجسيد لقمة ما سماه البعض «الشخصية الفهلوية». ويبدو عمومًا أننا كلما زاد جهلنا بمصر زاد تعصبنا لها.
الملاحظ أننا كلما ازدادت أحوالنا سوءًا زاد تفاخرنا بأمجادنا وعظمتنا، كلما زدنا هزيمة وانكسارًا زدنا افتخارًا بأننا شعب محارب، وكلما زدنا استسلامًا زدنا تباهيًا بأننا شعب سلام متحضر. أهو نوع من الدفاع الطبيعي عن النفس للبقاء، أم خداع للنفس قاتل، أم هو الأول عن طريق الثاني؟
أیًا ما كان، فنحن معجبون بأنفسنا أكثر مما ينبغي، وإلي درجة تتجاوز الكبرياء الصحي إلى الكبر المرضي. ونحن نتلذذ بممارسة عبادة الذات في نرجسية تتجاوز العزة الوطنية المتزنة السمحاء إلى النعرة الشوفينية الساذجة البلهاء أو الهوجاء. إنه مركب عظمة بكامل أبعاده وبكل معنى الكلمة.
وهذا مقتل حقیقی کامن للشخصية المصرية. فمن المحقق الذي لا يقبل جدلًا أو لجاجًا أن كل مركب عظمة فعلي أو مفتعل إنما هو مركب نقص مقلوب inverted inferiority complex - إنه تعويض مريض عن شعور هو أصلًا مریض أكثر: شعور بعدم الثقة، بالعجز والقصور، باليأس والضمور والإحباط والانحدار.
تبدو الهوة هائلة والتناقض فاحشًا إلى حد السخرية بين واقعنا وادعاءاتنا وطنطناتنا، إننا شعب قد يخفی عقده وعيوبه بسخريته من نفسه أحيانًا؛ فنحن نضخم من ذاتنا إلى حد السخف ونكاد نؤله مصر حين ننتصر، بينما ننهار عند أول هزيمة أو انكسار، أو لعله العكس أحيانًا من قبيل التعويض.
حتى عن مستقبل مصر، نحن إما متفائلون بإسراف يدعو إلى السخرية والإشفاق، أو متشائمون إلى حد متطرف قابض للنفس. باختصار، إما «بخير» دائمًا، أو «في خطر» أبدًا، وكلا الحكمين لا يرى أو يضع الحقائق في حجمها الطبيعي السليم.
لا غرابة بعد هذا كله أن نجد معظم ما يُكتب عن مصر غالبًا ما يجنح إلى المغالاة، إما نحو التهويل أو التهوين، التهليل أو التقليل، التمجيد أو التنديد، فمصر إما أم الدنيا وإما فتات التطور، إما صانعة التاريخ وإما «راووق» التاريخ، إما أصل الحضارة أو مثال التخلف، موضوع بلا موضوعية.
لا يمكن لكاتب أو عالم أو مفكر أن يوجّه إلى مصر نقدًا موضوعيًا بنّاءً صادقًا ومخلصًا إلا وعُدَّ على التو والفور وللغرابة والدهشة: عدوًا بغيضًا أو حاقدًا موتورًا إن كان أجنبيًا، وخائنًا أعظم أو أحقر إن كان مصريًا، وهذا وذاك إنما «افتراءات على مصر والمصريين» أو أكاذيب وأباطيل.
وبالاختصار، فنحن المصريون أكبر جدًا من النصح، ومصر فوق النقد. موقف خطر للغاية، يصل إلى حد الإرهاب الفكري «والمصادرة على المطلوب» مسبقًا.
مطلوب منا ببساطة بهذا المنطق أن نصور مصر والمصريين كيوتوبيا على الأرض، كفردوس أرضي. والخطر كل الخطر في وجه هذا الموقف أن قد يصبح خط المقاومة الدنيا هو الطريق السهل، خط النفاق الوطني وتملق ودغدغة غرائز الشعب وإرضاء غروره بتزيين عيوبه وتضخيم محاسنه.
حينئذ يمسي الكاتب، كشاعر القبيلة في الجاهلية: «صنّاجة»، هذا وإلا فهو الصمت الكظيم يفرضه على نفسه في اغتراب ونفي ذاتي، أو أن يلوذ بالمنطق الوحيد المفتوح أمامه، المنطق الانتقامي والانهزامی معًا للأسف، وهو منطق «خير عقاب لهذا الشعب هو ما هو فيه»!
والحقيقة أن صديقك من صدَقك لا من صدّقك، ومن يك حازمًا فليقسُ أحيانًا على مَن يرحم. بل إن هذا الكاتب ليؤمن إيمانًا مطلقًا بأن مصر لن تتغير ولن تتطور إلا حين يأتيها المفكر والحاكم الصادق كلاهما مع نفسه، والجريء مع جمهوره، فيواجهه علنًا بعيوبه بلا وجل ولا دجل.
بالمقابل، وإن عن غير قصد بالطبع، قد يكون أعدى أعداء مصر هم بعض المصريين المتعصبين، الذين يتغافلون عمدًا عن عيوبها، زاعمين باستمرار أن أم الدنيا مصر بخير، وأن ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن، متشنجين على كل مصري ينقد مصر لصالحها، ومتهمينه بتعنت أو بتخابث بعدم الولاء أو الخيانة.
المثير والمؤسف، أن على رأس هؤلاء الأعداء لمصر بالجهل وضيق الأفق يأتي غالبًا ولا نقول دائمًا الحكم والحاكم. فالسياسي، الذي يبيع الوطنية للمواطن، لا يملك إلا أن يقدم الأوهام الوطنية والمخدرات التاريخية للجماهير، فمصر أم الدنيا، أم الاختراع، أم الحضارة، فاتحة التاريخ، فوق الجميع.
والحاكم الذي قد يكون أكثر من يسوم الشعب الهوان والقهر الجسدی أو المعنوي أو كليهما، لا يتورع مع ذلك عن أن ينافقه ويتملق غرائزه الوطنية بتضخيم ذاته وتعظيم صفاته وأمجاده. والقاعدة تقريبًا عند كل حاكم أننا - بزعمه - نعيش دائمًا في عصره أروع وأمجد فترة في تاريخنا وحياتنا بلا استثناء.
كل عصر عند صاحبه هو، وهو وحده، عصر مصر الذهبي . تلك نغمة أزلية وبضاعة مزجاة، يكررها كل حاكم منذ الفراعنة في نقوشهم و سجلاتهم الهيروغليفية على جدران الآثار حتى اليوم، في أبواق الدعاية ووسائل الإعلام التي لا تتحرج ولا تخجل.
ولأن الحاكم، بالنظرية أو بالتطبيق، بالوراثة أو بالممارسة، يتوهم مصر دائمًا ملكًا له، ضيعته أو قريته الكبرى، هو الدولة وهو الوطن، والولاء للوطن هو وحده الولاء للنظام، فإنه يعتبر أن كل نقد إنما هو موجه إليه شخصيًا، وبالتالي فهو خيانة وطنية، خيانة عظمى.
وللغرابة والدهشة قد نجد الشعب المسكين المضلَّل يتبادل مع قيادته العاجزة الفاشلة الباطشة غالبًا، أنخاب خداع النفس وعبادة الذات، الأول يتغابي عن عيوبه الجسيمة بل ويتغنى بها، والثاني يلهيه ويخدره عن استبداده وقهره أو خيانته وغدره بأحاديث المجد والوطنية.
لقد أثبتت لنا التجربة بالفعل أن أكثر ما يهدد دراسة «جغرافية الوطن» إنما هي الشوفينية (أي النعرة الوطنية)، والشوفينيون يتوقعون منك أن تمجد كل حجر في أرض مصر وكل حقيقة تحت سمائها، بالغة ما بلغت من الرثاثة أو الركاكة، وأن تقدس حتى كل الأخطاء والخطايا.
هم إذن يريدون أن يحيلوا جغرافية الوطن إلى نوع جديد من الوثنية الجغرافية التي تتمثل رقعة أرضه وترابه صنمًا جبارًا يُعبَد ويُؤلَه باسم الوطنية، وبهذا يفرضون حَجْرًا وإرهابا فكريًا على النقد النزيه.
ولكنهم بهذا يحاولون عبثًا أن يعيدوا عقارب الساعة إلى الوراء - فالشوفينيون ينتمون أساسًا إلى الماضي. كما أن الشوفينية غير علمية نصًا وروحًا، بل ضد - علمية رأسًا، وهي علميًا مجرد مركب نقص وطني، والأسوأ من هذا أنها ضمان جازم بالتجمد والتخلف، وضد التغير إلى الأفضل والتطور نحو الأمام.
ليس هذا كتابًا في النرجسية أو عبادة الذات الوطنية. ليس قطعة من «الغزل العلمي» ولا هو موسوعة في «فضائل مصر». ليس دفاعًا بالحق والباطل عن مصر، ولا هو هجوم عليها أيضًا. وإنما هو تشريح علمی موضوعي يقرن المحاسن بالأضداد على حد سواء، وبغير هذا لا يكون النقد الذاتي، بل ولا يكون العلم.
الوطن ملك للجميع، ولا فضل لحاكم على محكوم إلا بالصدفة. لعلنا كنا نستعمل تاريخنا وحضارتنا كسلاح سیاسی ضد الاستعمار تأكيدًا لذاتنا ورفعًا لروحنا المعنوية، وهذا حق مشروع وواجب، إلا أننا أسرفنا على أنفسنا في استعماله حتى بتنا في خطر الهروب من الحاضر إلى الماضي بانتظام.
ليست هذه دعوة إلى نبذ روائع الماضي أو إلقائه في البحر، ولكن هذا الإيمان ما عاد يُجدي أمام متغيرات العصر . لننظر إلى عيوبنا في عيونها في مواجهة شجاعة، لا لننسحق بها ولكن لنسحقها؛ فمصر اليوم ليست في أحسن أحوالها بالقطع، ولا داعي ولا جدوى من خداع النفس.

جاري تحميل الاقتراحات...