علي
علي

@vaaym

24 تغريدة 6 قراءة Jan 27, 2021
إذًا لنعود بتواضعنا ونقول، لماذا سمح الإسلام بنظام الرق، ولو لنحوٍ مؤقت؟ .
الجواب ..
لتزاحم القيّم الأخلاقية في مقام العمل .
في الحياة العملية، قد تتزاحم القيم، والعقل الأخلاقي قد يضطر في مقام العمل للتنازل عن قيمةٍ، للحِفاظ على قيمةٍ أهم ..
هل يحِق للإنسان أن يعتدي على مال الآخر؟
هل يحِق للإنسان أن تطأ رِجله أرض الآخر دون إذنه؟
لا يحِق للإنسان، عقلًا، أخلاقًا، شرعًا .
ولكِن لو رأيت أمامك إنسان يغرق، ولا يمكن أن تستنقذ هذا الإنسان إلا بالمرور على أرضٍ لا يقبل صاحبها أن تطأ رِجلك عليها، ماذا تفعل؟، ماذا يقول العقل؟
ألا يقول العقل أن بإمكانك أن تمضي حتى تنقذ الغريق؟
بل يقول يجِب عليك ذلِكم
مثال آخر ..
كشف السِر، هل يجوز للإنسان كشف سِر من إئتمنه على سِر؟
لا يحِق للإنسان أن يكشِف سر الآخر ..
ولكِن لو علمت، أو إنكشف لك سر، أن أحد الأشخاص الإرهابيين ربط نفسه بحِزامٍ ناسِف، وأراد أن يُفجر نفسه في مسجد، هل يجوز لك أن تكشِف سِره؟، بل ويجِب عليك .
لاحظ، بعض الأشياء التي تكون بالعنوان الأولي محرمة، تُصبح جائزة، بل يجب إرتكابها، لماذا؟
لأنه تزاحمت القيم، في الحالة الأولى، قيمة إحترام مال الآخر، في قبال المحافظة على حياة الآخر، في المثال الثاني، قيمة عدم كشف السر، والحفاظ على السر، تزاحمت مع قيمة أخرى للحفاظ على حياة أبرياء .
هنا يصبح العنوان ثانوي، لا يصح للإنسان أن يتوقف، ويتشبث، بقيمة أخلاقية لا يمكن إنكارها، إذا تزاحمت مع قيمة أخلاقية أهم منها، كذلِك الإسلام، في زمن النبي محمد ص، كان عمليًا بين أمرين، بين مسايرة نظام الرق، مع تطويق أكبر قدر ممكن من آثاره الجائرة .
وهذا يعني عدم الإستعجال برفع الظلم عن الرقيق، في مقابل شيءٍ آخر، وهو إطلاق تحريم مفاجئ للرق لرفع الظلم عن الرقيق، والنتيجة التسبب بفوضى شاملة، وتفكك النظام الإجتماعي، بحيث يصبح الظلم شاملًا للسادة والرقيق على السواء، إذًا الإسلام الذي حرم بكل جرأةٍ شرب الخمر، والربا، والقمار..
الإسلام الذي كانت له الجرأة والشجاعة، أن يحرم هذه العادات المتجذرة في ذلك المجتمع، لم تكن تنقصه شجاعة تحريم الإسترقاق، ولكن السؤال..
هل كان من المصلحة ذلك؟، وما هي العواقب والمفاسد التي يمكن أن تترتب على ذلك؟، إذًا حسب الكلام السابق، لا بد من مسايرة هذا النظام البشري العام الجائر
لكن السؤال ..
ما الحل الذي قدمه الإسلام؟
العقل والمنطق يقولان، أنه لا بد من القيام بخطوة، لا بد من القيام بوضع خطة إستراتيجية، لحل هذه القضية، بدلًا من القيام بخطوة مستعجلة، متسرعة تؤدي إلى إنهيار النظام الإجتماعي، لا بد من وضع خطة إستراتيجية، وأجندة تشريعية، وتوصيات أخلاقية .
تؤدي بالتدريج إلى تطويق ظاهرة الرق، وخفض أعداد العبيد بشكل دراماتيكي، وهذا بالتحديد ماقام به الإسلام، وما شرعه الإسلام في طريقة التعاطي في هذه المشكلة .
إذًا دعونا نبدأ مباشرةً، حتى تروا جمال تعاطي الإسلام مع هذه المعضلة الإجتماعية، كيف ساهم الإسلام في تفكيك نظام الرق؟ .
لقد وضع خطة تشريعية وأخلاقية، تستهدف القضاء التدريجي على هذا النظام، وتجفيف منابع الإسترقاق، وفتح قنوات التحرير على مِصراعيها .
الإسلام كان ثورة غاضِبة على الأوضاع الظالمة كلها، لكنها ثورة حكيمة ومنظمة، كان سوق الرقيق في تلك المجتمعات مقبرةً مفتحة المداخل، موصدة المخارج..
في تعبيرنا اليوم، الداخل فيها مفقود، والخارج منها مولود، فكل إنسان، حتى الحر كان مهدد أن يُسترّق .
كان الرق وباء، يستاقط فيه الناس كما يتساقط الفراش في النار، وكان الحريق أعظم من أن تُطفئه نفخة واحدة، فالذي يتصور أنه بمجرد جرة قلم يُلغى نظام الرق، هذا إنسان ساذج، لا يعرف كيف يتم التعاطي مع المشاكل الإجتماعية .
والآن أنظر إلى الجهاز اللذي أعده نبي الإسلام لإنقاذ هذه العمارة الإنسانية المتئاكلة اللتي تلتهمها النيران، تصور أمامك عمارة، مهترئة، قديمة، آيلة للسقوط، تلتهمها النيران، وهذه الخطة، وهذا الجهاز اللذي أعده النبي بوحيٍ من السماء، مركب من ثلاث خطوات رئيسية .
الخطوة الأولى: تطويق النار، ووضع الحواجز حتى لا يندلع لهيبها ويمتد إلى حدود جديدة أوسع، أي بعبارة أخرى: حتى لا يتورط عدد أكبر من الأحرار بأن يُسترّقوا .
الخطوة الثانية: فتح أبواب متعددة في الدار والعمارة، ليخرج منها أكبر قدر ممكن، وينجو بنفسه من هذا اللهب .
الخطوة الثالثة: إنزال أمطار، وصب تلك الأمطار على من بقي في الدار أو في العمارة، لتخفيف من حرارة النار، ريثما يتيسر لهم الخروج منها .
إذًا لنرى الآن، بعض القوانين والتشريعات، اللتي ساهمت في إغلاق أبواب للرق كانت مفتحة، وأخرى ساهمت في فتح أبواب للحرية كانت مغلقة .
وتشريعات ثالثة، ساهمت في التخفيف على الرقيق، ريثما يصل دورهم في إستنشاق هواء الحرية .
نبدأ بالخطوة الأولى، كيف أغلق الإسلام الأبواب اللتي كانت مفتحة للإسترقاق؟
النطاق اللذي ضربه الإسلام، حَول هذه المنطقة المحترقة، كان هو الدواء الواقي، اللذي أوقف به سير الداء حتى لا يسري عدواه .
وذلك هو القانون اللذي منع إسترقاق الأحرار، وأمنهم منه، بعد أن كانوا مهددين من كل جانب، وكيف؟
في الإسلام ..
لم يعد الخطف والسلب مبررًا للإسترقاق، في السابق، كان أن يخطف الإنسان يُسترق .
ولا التغلب في المشاجرات مبررًا للإسترقاق .
ولا تحكم رب الأسرة ( الأب الذي يريد أن يبيع إبنه ) .
ولا العجز عن وفاء الدين ،
ولا السرقة ،
ولا القتل ،
كل هذه كانت أبواب مفتوحة لإسترقاق الآخرين، لم يعد شيء من ذلك كله من بعد أن ظهر الإسلام، يصلَحُ مبررًا لإسترقاق الآخرين .
• لم يعد من المبرر إسترقاق من وجدته هكذا دون أن تعرف أباه ( مثل النبي يوسف ) .
• أو من قتل إبنك بدعوى أنك ولي الدم، أنت كولي للدم في الإسلام مخير بين ثلاث أمور :
١ - إما أن تطلب القِصاص من الحاكم ( ولكم في القِصاص حياة يا أولي الألباب ) .
٢ - أن تطلب دية مقابل مالي .
٣ - أن تعفوا عنه .
• ولم يعد من حق الدائن أن يسترق المدين، إذا عجز عن آداء الدين ( وإن كان ذو عسرةٍ فنظرة إلى ميسرة ) .
• ولم يعد من حق الإنسان إذا إختطف الآخر غدرًا أن يسترقه " لإن الإيمان قيّد الفتك، ولا يفتك مؤمن " .
• ولم يعد يحق للإنسان أن يقتل إبنه خشية إملاق ( إن قتلهم كان خطئًا كبيرا ) .
ولذا الإسلام أعاد نظام الرق إلى الدائرة الضيقة التي بدأ منها تاريخيًا ( ضيقها في الحروب وثم ضيقها حتى في الحروب ) ضيقها بأن تكون ليست أي حرب .
أول شيء أن تكون حرب مشروعة دينيًا وأخلاقيًا .
ثاني شيء لا بد أن تكون حرب دفاعية، لا تكون هجومية ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) .
أيضًا، إن أسرت الآخر قبل أن تسترقه، يصبح لديك خيارين في القرآن ( فإما منًا بعد وإما فداء ) .
١ - إما أن تمن عليه بإطلاق سراحه، بدون أي قيد وشرط
٢ - أو تطلقه بمقابل مالي، أو تبدل أسير بأسير .
ومن المهم جدًا أن نعرف جميعًا أنه لا توجد آية واحدة في القرآن تشجع على الإسترقاق، بل دعوني أتجرأ أكثر، في حدود إطلاعي حول هذا الموضوع لم أعثر على رواية واحدة عند السنة والشيعة تشجع على الإسترقاق، نعم توجد آيات تتحدث عن طريقة التعاطي مع ملك اليمين، ولكن تشجع على الإسترقاق لايوجد .

جاري تحميل الاقتراحات...