ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

21 تغريدة 1,026 قراءة Jan 23, 2021
شاعر كويتي عذب نسب اسمه لخاله، وانبرى بكلماته يعبر عن الناس بحس مرهف قلما نجده، وتحت وقع من قذائف الغزو فضل البقاء على الخروج وترك لزوجته رسالة تقول " بقائي هنا لا يعني أنني غير محتاج إليكم، ولكن الكويت بأمس الحاجة لي"
حياكم تحت🌹
ولد فائق محمد العياضي في يوليو من العام 1948، لم يكن الأمر أكثر من سنوات معدودة مقيمًا بين والديه قبل أن يتفرقا وينفصلا إلى الأبد، قادته هذه الظروف نحو خاله عبد الجليل غالي، الذي نشأ في كنفه، ورعاه الأخير خير رعاية، منميًا فيه شعوره بذاته وداعمًا له على طريق المعنى والفن.
تثنى الفتى بين الألوان وأمسك الفرشاة لقد وقع في شباك الرسم، أجاد وعبّر عن الحياة في لوحات بسيطة، ثم طافت به السنين واستتب فيه المعنى أكثر وأكثر، وتولد لديه شغف جديد نحو رسم من نوع مختلف، إنه الرسم بالكلمات والتعبير بها في ثوب قشيب من القصيد والشعر.
لم يأتِ تعبيره شعرًا إلا بناءً عن قريحة نابضة بالموهبة وثقافة ألم بها عبر قراءات متنوعة، لقد اقتنع تمام الاقتناع أن ما يكتبه من قصيد ما هو إلا وحي من روحه وقلبه النابض بالمحبة والسلام، وما هو بقلمه إلا وسيط ومنقب، لذلك كان يُلقي بكلماته ويرحل، دون اعتبار لأي شيء.
انقع قصائدك هذه في الماء المالح، هكذا قال له المؤرخ والمسؤول بالاذاعة الكويتية "حمد سعيدان" حين أطلعه فائق على قصائده، ومن وقع الانكسار خرج فائق منيرًا لأبعد مما يُتصور له، لقد خط لذاته مسارًا شعريًا جديدًا قلب به موازين الشعر.
نظم من القصائد التأريخية حول الكويت ما أتمم به أول ديوان له وهو أول ديوان كذلك يؤرخ للكويت القديمة، أصدره عام 1967 تحت عنوان "وسمية وسنابل الطفولة"، فيما بدل اسمه من فائق محمد الغياضي إلى فائق عبد الجليل نسبة لخاله، تقديرًا له في تربيته وتنشئته منذ الصغر، ليصبح معروفا بهذا الاسم.
ابتكر فائق لغة وسيطة بين الفصحى والعامية، لغة أراد بها أن تطوي عسر اللهجات وتفرقها، وتبرز المعنى وتلتقي مع الجمال على سجيته دون تكلف، شاعرية ورهافة حس ونهج شعري جديد كل هذا وأكثر ساهم في ذيوع نصوصه وعبورها حدود الكويت (حبيت في كل اللغات/ لغة اهتزاز الوردة وهي مفتحة).
بعد صدور ديوانه الثاني الذي حمل كثير من فكره واختلافه، سمحت له علاقته الوطيدة بالملحن والمطرب الكويتي يوسف المهنا من تحويل بعض قصائده إلى أغنيات يصدح به المهنا وغيره، وعبر نافذة الغناء عاين فائق مساحات تألق وانتشار جديدة، سكن فيها مزيد من قلوب الخليجيين.
قدم فائق خلال مدة لا تتجاوز 15 عامًا مجموعة من أرق وأعذب الأغنيات الخليجية، مثل المعازيم وبعاد وبنلتقي ولو ما أحبك، مشتركًا في كل هذا وأكثر مع كوكبة من نجوم الغناء مثل محمد عبده وطلال مداح وعبد الكريم عبد القادر، وغيرهم.
لم يلبث فائق وقد مضى في هذا الباب، إلا وعبد طريقًا جديدًا نحو إبداعي مغاير، لقد قدم أوبريتات وأشكال غنائية مسرحية، منها "بساط الفقر" الذي تم إنتاجه عام 1979 وكان من بطولة عبد الحسين عبد الرضا وسعاد عبد الله، أوبريت لا يزال مرتبط بوجدان كثير من الخليجيين.
في غمرة النجاح والتوقد والصيف تحديدًا في الثاني من أغسطس عام 1990 شن صدام حسين عمليته العسكرية الغاشمة لغزو الكويت.
انطلق عبد الجليل مع عائلته حتى حدود المملكة العربية السعودية، أوصلهم إلى الأمان الذي يستحقوه، ثم عاد أدراجه إلى منزله مجددًا، لقد فضل المكوث في حضن الوطن، على أن يتركه في ذروة ألمه، لقد صدق حقًا حين قال "أنت المحبة.. ولك بكل شيء أجود" جملة خاطب بها وطنه يومًا وقد صدقها.
حاولت زوجته وأبنائه الخمسة مرار وتكرارًا إقناعه بالقدوم إلى الرياض، كان دومًا يعد، ثم يحنث في وعده لقاء حب وطنه وهو ما دلت عليه رسالة وجدت في بيته ما بعد التحرير، وجدت فيها زوجته إجابة على إخلافه موعده وعدم قدرته على مغادرة الكويت، كان هذا نصها..
"لقد وعدتك أن أغادر الكويت يوم الخميس وتخيرت بعد تردد حتى تغلبت فكرة البقاء.. كل أفكار الرحيل التي أتت إليّ كانت مهزوزة إلا فكرة البقاء التي أعطتني المناعة والقوة والصّلابة.. وبقائي هنا لا يعني أنني غير محتاج لكم، أنا في أشد الحاجة إليكم، ولكن الكويت بأمس الحاجة لي."
خلال فترة مكوثه في الكويت تحت قبضة الاحتلال، قاوم فائق على طريقته، فكتب الأغاني الوطنية الحماسية القصيرة التي تشجع الناس على المقاومة، وتبث فيهم روح المقاومة ورفض الوضع القائم، إلى أن تم أسره في الثالث من يناير 1991 من قبل القوات العراقية، التي اقتادته إلى داخل العراق.
حاولت كثير من الشخصيات العربية المهمة التوسط من أجل الإفراج عنه، لكن كل المحاولات باءت بالفشل، وصنف في تلك الفترة كأشهر أسير كويتي لدى نظام صدام حسين، ذلك النظام الذي لم يتوان حينها عن إرتكاب أبشع الجرائم بحق الشعب الكويتي وأسراه.
بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من الغياب الذي لا يعرف ورائه مصير، اتصال دولي من مجهود يرد إلى زوجة الشاعر فائق عبد الجليل، أحدهم يدعي امتلاكه لمعلومات خطيرة عن فائق، لكن ورود مثل هذه الاتصالات للزوجة كان كثير ومعظمها كاذب ولأجل أغراض مادية بحتة.
لكن هذا المجهول لم يكن مثل سابقيه، لقد كان إلحاحه شديدًا، الأمر الذي دفع الزوجة للاتصال بأحد ضباط الداخلية الكويتية، والذي تكفل بمتابعة الأمر والتقى المجهول بالفعل في دمشق وأخبره عن أنه التقي فائق عبد الجليل بواسطة أحد أقربائه العاملين في جهاز الأمن الخاص التابع لقصي صدام حسين.
كان فائق في هذا اللقاء مع الشخص متلهفًا لشيء واحد هو الاطمئنان على عائلته وأنهم بخير، بعث بهذه الرسالة معه، وللتأكد من صدق معلوماته سألته سؤالا خاصا لا يستطيع أحد سوى فائق الإجابة عليه، وبعد مرور شهر وقبيل حرب 2003 ورد اتصال دولي من هذا الشخص يجيب عن السؤال.
اطمأنت العائلة على حياة أبيهم لكن اشتعلت في قلوبهم النار بعد غزو أمريكا للعراق، كمدًا وخوفًا على مصير أبيهم مرة أخرى، انقطعت الأخبار تمامًا على مدى سنوات، قبل أن يعثر على جثته عام 2006 في إحدى المقابر الجماعية للكويتين، بالقرب من مدينة كربلاء حيث أعدم برصاصة غادرة في الرأس.
تم نقل رفات فائق عبد الجليل من العراق إلى الكويت، حيث دفن في 20 يونيو 2006 في مقبرة الصليبيخات بمراسم رسمية وبحضور نائب رئيس الوزراء الكويتي ووزير الدفاع ووزير الداخلية وكبار الشخصيات، طويت صفحة فائق لكنه باقٍ بكل ما تركه من إرث وعذوبة كلمة وصمود وبطولة.

جاري تحميل الاقتراحات...