على مدى ستة سنوات متواصلة كنت أمر بهذا الطريق جيئة وذهاباً، لم تطرأ لإدارة مرافق الجامعة فكرة تسمية هذا الطريق، كان طريقاً موحشاً، ضعيف الإنارة، كثير المنعطفات، فيه مطبات مهزوزة الشخصية، لا يحترمها أحد أظن من صممها طالب أراد رفع درجاته في مشروع التخرج.
ستة سنوات كاملة وصولاً إلى ذلك الفصل الدراسي الذي قدّر الله علي فيه و سجلت مقرر "انتقال الحرارة" وهو من أصعب مقررات الهندسة الميكانيكية إن لم يكن أصعبها على الإطلاق.
علاقتي بهذا المقرر لخصتها العبارة الأبرز في أدب التريلات "على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ". فالمحاضرات لا يعلم ظاهرها من باطنها الا الله، والمشاريع مقروءة العنوان مجهولة المضمون.
والواجبات منقولة حرفياً من "المانيوال سيليوشن" إذ كيف لي -وأنا العبد الضعيف- أن أفكك الطلاسم التي يراد منها رفع كفاءة الشفرات الدوارة لتوربينة غازية في محطة توليد الكهرباء النظيفة في جنوب هندوراس!
أما الاختبارات فهي المعترك النفسي الأبرز الذي تعطى فيه ٧ ورقات و٩٠ دقيقة لحل مشاكل درب التبانة التي هي -على صعوبتها البالغة - أسهل كثيراً من حل مشاكل الشرق الأوسط.
أخذ سقف الطموحات بالنزول شيئاً فشيئاً حتى بلغ الدرك الأسفل نهاية الفصل، وأصبحت كمشجع إتحادي يرجو النجاة مصارعاً على الهبوط في آخر الجولات وهو الذي كان يُمَنّي النفس بحصد الألقاب بداية الموسم.
أطلق الحكم صافرته معلناً نهاية الفصل الدراسي.
وبقيت أرقب إعلان الدرجات، وأضحيت أقاسي تلبكات معوية متكررة كلما رن هاتفي بنغمة رسائل الsms، ونشطت الشركات -في تلك الفترة تحديداً- في الإعلان عن عروضها الرائعة والمدهشة عن طريق ال sms وكأنها وسيلة الدعاية الوحيدة.
وبقيت أرقب إعلان الدرجات، وأضحيت أقاسي تلبكات معوية متكررة كلما رن هاتفي بنغمة رسائل الsms، ونشطت الشركات -في تلك الفترة تحديداً- في الإعلان عن عروضها الرائعة والمدهشة عن طريق ال sms وكأنها وسيلة الدعاية الوحيدة.
وحانت لحظة الصفر، ووصلت الرسالة المعلنة عن درجتي في المقرر المشؤوم "انتقال الحرارة" أو ال "هيت ترانسفير" والذي اصطلح طلاب العلم في كافة أصقاع الأرض على تسميته "هيت" اختصاراً.
إنها لحظة مفصلية، هل سأحصد أول F في حياتي الدراسية؟! هل سأعيد المقرر الفصل القادم مع الدفعة الجديدة من المردان ذوي الآمال الوردية و حفنة من الأوباش المارقين الراسبين من دفعتي؟!
حزمت أمري و لبست قميصاً بالياً لأشقه نحيباً وحميت خدي لألطمه عويلاً وفتحت الرسالة بأصابع مرتجفة و أعين فارغة و أعصاب مستنفدة و نفسية مهترئة وجِلداً غدا حراشف من الهول.
جبت D!
جبت D!
صحت بها وأنا أركض في الصالة كالمعتوه وكأني أرخميدس منادياً "يوريكا! يوريكا! "وهو يجري عارياً في أزقة سيراكيوز بعد حله لمعضلة التاج الذهبي.
جبت D!
صحت بها وأنا أركض في الصالة كالمعتوه وكأني أرخميدس منادياً "يوريكا! يوريكا! "وهو يجري عارياً في أزقة سيراكيوز بعد حله لمعضلة التاج الذهبي.
لقد كانت هذه ال D أحب إلى قلبي من كل ال A+ التي حصلت عليها في مسيرتي الدراسية.
انطلقت الاحتفالات في نفسي كاحتفالات تلك الكائنات وحيدة الخلية التي حصد فريقها الدوري أخيراً بعد غياب ٣٢ عاماً.
انطلقت الاحتفالات في نفسي كاحتفالات تلك الكائنات وحيدة الخلية التي حصد فريقها الدوري أخيراً بعد غياب ٣٢ عاماً.
وأخيراً..
وبعد أن هدأت النفس، وذهبت نشوة الانتصار البالي، أدركت أن ذائقتي انحدرت انحداراً رهيباً.
فذلك الطفل الذي كان يبكي كمداً لفقد نصف درجة في مادة القواعد في الصف الرابع الابتدائي هو ذاته الذي يبكي فرحاً بنيل أسوأ درجة بين مجتازي مقرر "الهيت" اللعين.
وبعد أن هدأت النفس، وذهبت نشوة الانتصار البالي، أدركت أن ذائقتي انحدرت انحداراً رهيباً.
فذلك الطفل الذي كان يبكي كمداً لفقد نصف درجة في مادة القواعد في الصف الرابع الابتدائي هو ذاته الذي يبكي فرحاً بنيل أسوأ درجة بين مجتازي مقرر "الهيت" اللعين.
بعد أسبوع من اطلاعي على الدرجة، قررت إدارة المرافق بالجامعة تسمية جميع شوارع المدينة الجامعية بأسماء قرى و معالم نجد القديمة
ك" ثليم" و " العمارية" و"بنبان".
ك" ثليم" و " العمارية" و"بنبان".
وكان نصيب الشارع المظلم المقابل للمبنى الذي أسكنه أن يطلق عليه "طريق هيت" ذلك الكهف المظلم جنوب شرق الرياض.
إمعاناً في إذلالي في صباح كل يوم وتعليماً على قفاي الذي شيّبتْه الهيت وأخواتها.
إمعاناً في إذلالي في صباح كل يوم وتعليماً على قفاي الذي شيّبتْه الهيت وأخواتها.
جاري تحميل الاقتراحات...