عبدالهادي الجميل
عبدالهادي الجميل

@AbdulHadiAlgmil

21 تغريدة 87 قراءة Jan 18, 2021
قال لي صديق( موجود في تويتر وسيقرأ ما أكتبه هنا)..
قررت تعلّم رياضة الجيو جيتسو البرازيلية "Brazilian jiu jit su”وهي رياضة مُشتقّة من الجودو الياباني.
مدة الجولة الواحدة 3 دقائق والفوز بالمباراة يتم عبر طريقتين:
الأولى: تثبيت الخصم على الأرض.
الثانية: إستسلام أحد المتصارعين.
لكن مهما بلغ عدد مرات الاستسلام لازم تُستكمل الجولة.
ومن مزايا هذي الرياضة أنها من الرياضات الصامتة التي لا يجوز الكلام فيها!
بدأتُ التدريبات في إحدى الصالات المتخصصة مع مجموعة من اللاعبين الذين تعرّفت عليهم تدريجيا. كنت أتدرب كثيرا وأتعلم بسرعة حتى شعرت بأنني قد أتقنت اللعبة.
وكنت أجد التشجيع المستمر من الجميع حتى من جمعة حارس الأمن الصعيدي الذي كان كلما رآني هتف: أهلا يا بطل.
في أحد الأيام أوقف المدرب التدريب وجمعنا حوله وبجانبه كانت تقف فتاة أول مرة أشوفها. كانت تبدو رشيقة في ملابس اللعبة ولها شعر طويل تربطه على طريقة ذيل الحصان. ولاحظت أن الشباب
يسلّمون عليها بإسمها"شذى"وهي تبادلهم التحية مما يدل على وجود معرفة سابقة بينهم، فتوقعت أنها من أقارب المدرب أو صاحب الصالة.
طلب المدرب أن يتطوع أحد الشباب للتدرّب مع شذى لكنهم اعتذروا جميعا. فسألتهم عن سبب رفضهم فقال واحد: ما يصلح لأن لعبتنا كلها احتكاكات جسدية.
وقال الثاني: فشلة نتسادح معاها ع الأرض.
وقال الثالث: انا متوضي وحرام ألمسها وهي أجنبية ما تحل لي.
قال الرابع وكان أكثرهم نُبلا وحكمة: هذي إمرأة.. أي فخر بانتصاري عليها؟!
وكانت أعذار بقية الشباب لا تخرج عن الحرج الأخلاقي والتحريم الديني.
فجاءني المدرب وسألني هل عندك مانع تتدرب مع
شذى؟
قلت: لا، عادي. بس أخاف أعوّرها لأن اللعبة عنيفة كما تعلم يا كبتن.
فابتسم وقال: "لا، من هالناحية لا تحاتي."ثم ربّت على كتفي وقال: "طيبتك هذي من الأشياء اللي تحببني فيك يا عبدالله".
أشار لشذى بأن تتقدم، وقال لي: بتلعب معاها جولة واحدة فقط!
هزيت راسي موافقا وقلت: تم.
ثم قال لها: شذى.. هذا تدريب وعبدالله من اللاعبين الجدد اللي نتوقع لهم مستقبل مُشرق. انتي فاهمتني، صح؟
اكتفت بهز رأسها بالموافقة.
وقف الزملاء وبعض العاملين في الصالة يراقبون التدريب .غمز لي أحدهم وأشار بكفّيه نحو الأرض عدة مرات وكأنه يقول: هدّ اللعب وشوي شوي عليها.
فغمزت له مع
إيماءة بالموافقة.
كنت أضخم منها وقدّرت بأنني أكبرها بـ 5 سنوات على الأقل.
انحنى كل منّا للآخر ثم أخذنا وضع الاشتباك.. مددنا أيدينا تجاه بعض وفي الحقيقة شعرت بالحرج أين أضع يدي وماذا ستمسك من جسدها!
بادرت هي وأمسكتني من تلابيبي بقوة. فنظرت في عينيها فوجدتهما غائمتين وبلا تعابير
وكأنهما عينا قاتل مأجور. ثم استنشقت الهواء بعمق وكأنها ستغوص في الماء وفي لمح البصر انحنت للأرض وسحبتني معها ووجدت يدها اليمنى تلتف من وراء رقبتي وتشدّها نحو الأرض بقوة بالغة.
سدحتني على الأرض وخنقتني حتى شعرتُ بأن الهواء قد اختفى من العالم وشارفت على الإغماء. وقبل أن أغيب عن
الوعي، أعلنت استسلامي.
فقامت عني.
شعرتُ بالخجل لانتصارها عليّ، فنظرت إلى زملائي بنظرة خاطفة ورأيت زميلي يشير لي، مجددا، بكفّيه نحو الأرض مذكّرا إياي بالتهدئة وعدم القسوة معها.
اتخذت شذى وضعية الاشتباك من جديد.
كنت أحاول إلتقاط أنفاسي بصعوبة لكني تظاهرت بالقوة ووقفت أمامها في
وضعية الاشتباك وقررت حماية رقبتي. اشتبكنا مجددا وبدلا من أن تمسك رقبتي، قامت، هذي المرة، بإسقاطي إلى الخلف عبر إعثاري بقدمها، ثم طبّقت على مفصل ركبتي حركة القفل المؤلمة فشعرتُ بأن صابونة ركبتي قد قفزت من مكانها، حتى كدت أصرخ من الألم، فاستسلمتُ مجددا.
نطّت واقفة واتخذت وضعية
الاشتباك للمرة الثالثة.
نهضتُ بتثاقل ثم حاولت كسب بعض الوقت بتظاهري بطقطقة عظام أصابعي ورقبتي وعمودي الفقري.
أشار لي زميلي بالتهدئة ولكني تجاهلته.
ثم اتخذتُ وضعية الاشتباك وقررت الهجوم عليها والإمساك بأي جزء في جسدها اللعين.
حاولت تطويقها من الخلف كي أتجنب مواجهتها، لكنها أدخلت
ذراعي الأيمن بين ساقيها وجلست على الأرض فاضطررت للجثو لحماية ذراعي.
وضعت قدميها على الجانب الأيمن من رقبتي وفكّي ودفعتهما بقوة في الاتجاه المعاكس مع لوي ذراعي حتى سمعت صوت مفصل ذراعي وهو يكاد ينخلع من كتفي، فقلت لا شعوريا: يا بنت الكللللب.
ردّت دون أن تخفّف الضغط: چب، احترم
قوانين اللعبة واصمت.
أيقنت بأنني لم أعد أواجه شذى الفتاة الرشيقة أم ذيل حصان وإنما أواجه خصما صلبا وبلارحمة، يعرف مواطن الضعف في جسد الخصم ويجيد الضغط عليها.
كان الصمت يخيّم على الصالة منذ ابتدأت الجولة، ولم يعكّره سوى دوي ارتطام جسدي المتكرر بالأرض وصوت لهاثي خلال قيام شذى
بخنقي ولوي أطرافي!
استسلمت للمرة الثالثة، فأطلقتني وقامت لكني بقيت ممددا على الأرض أردّد ما قاله الشاعر محمود درويش:" أعدّي لي الأرض كي أستريح".
انقلبت على جنبي مُديرا ظهري لها كي لا أرى المنظر المرعب: شذى تتخذ وضعية الاشتباك للمرةالرابعة.
نظرتُ لزملائي وكانت وجوههم تنضح
بمشاعر الشفقة بينما كان ذلك الزميل مستمرا بالإشارة بكفّيه نحو الأرض كي لا أستخدم القسوة معها!
فوجهّتُ له بصقة هوائية.
اقترب المدرب وسألني: تعوّرت؟
قلت: لا. بس كم باقي وتنتهي الجولة؟
نظر إلى ساعته وقال:" باقي دقيقة ونص".
قلت بفزع: كل هالطق المتنوع بـ 90 ثانية بس وباقي كثرها؟!
أشار لزملائي فجاءني إثنان منهم، يحمل أحدهما كأس ماء، رش نصفه على وجهي. ثم رفع رأسي بيده وسقاني قطرتي ماء وعندما طلبت المزيد رفض لأنه خطر على حياتي حاليا كما يقول.
سألته: شذى هذي اشتطلع؟
قال: بنت قشرا، معاها حزام بنفسجي وعلى وشك تاخذ الأسود. وترى هي تشارك في البطولات الرسمية.
قلت: وليش ما قلتوا لي يا عيال الكلب؟
قال الثاني: كم مرة أأشر لك أن تتمدد على الأرض وما تقوم بس انت ما تطيع.
قلت: أحسبك توصّيني أهدّي عشان ما أعوّرها.
قمت وأشّرت للمدرب بأني اكتفيت ولن أكمل التدريب. وتجنبت النظر إلى شذى.
ومشيت باتجاه غرفة تبديل الملابس ومريت على زملائي، فقال لي
أحدهم:
هاردلك.
قلت: چب.. مو انت النبيل اللي يقول: أي فخر بالانتصار على إمرأة؟آبو هالوجه.
جاء المدرب وقال: لا تخجل ولا تتضايق، هذي رياضة للجنسين والانتصار فيها بالعقل وليس العضلات أو القوة. وترى شذى سبق هزمت كل زملائك واحنا نجهّزها لبطولة قادمة ولازم تتدرّب على أحد!
تجاهلت كلامه،
الذي أتى متأخرا بدقيقة ونصف، وأكملت طريقي لغرفة الملابس وفتحت دولابي وجمعت كل أغراضي وبدّلت ملابسي ورميت ملابس اللعبة في صندوق القمامة وغادرت الصالة بعد أن سلّمت مفتاح دولابي لجمعة حارس الأمن الصعيدي الودود الذي لأول مرة لم يقل لي: يابطل.
وغادرتُ بلا رجعة.
@Rattibha
🙏🏽🙏🏽

جاري تحميل الاقتراحات...