ربما لم يدر في بال المخلوع عمر البشير ولا سلفاكير ميارديت أن حروب البلد الطويلة وقرارات السياسة الأنانية ستكون سببا في آلام الآلاف اليوم، وفي تغيير مستقبل أبنائهم وبناتهم نحو الأسوأ طبعا، غدا ولسنين طويلة قادمة.
البعيد عن بال البشير وسلفاكير وعن أجندة كل جلسات التفاوض الرسمية وغير الرسمية، ومئات المبادرات والاتفاقات التي لا تبرم إلا لتنقض، هو أن استقلال جنوب السودان لم يكن مجرد رسم لخط جغرافي على تضاريس الحدود الدولية، بل كان بداية لمأساة الملايين من الناس العاديين.
أناس حطمت المناورات الأنانية لمن في السلطة حياتهم التي اعتادوها، وقطعت مجرى حياتهم بعنف مدمر، ودفعتهم إلى حواف اليأس والفاقة والإحساس بفقدان المعنى والهوية.
اليوم وقف عدد من الموظفين العائدين من دولة جنوب السودان بعد 2011م أمام مباني الأمانة العامة لولاية الخرطوم، فما هي قصتهم؟
4000 موظف بالخدمة المدنية كانوا وقت الاستفتاء على تقرير المصير يعملون في هيئات وإدارات ووزارات مختلفة في جنوب السودان. بعضهم ولد وعاش وتزوج وأنجب هناك. أصوله من الشمال، ولكن الحياة حتى أصغر تفاصيلها كانت جنوبية.
أنتج انقسام البلاد كارثة لم تكتب حتى الآن. مئات الموظفين والجنود من جنوب السودان ولدوا وعاشوا وأنجبوا وصادقوا في الشمال أصبحوا، مثل نظراء لهم في الجنوب، الآن مجرد غرباء.
من المطلوب منهم اليوم دفع ثمن حرب لم يشعلوها ولم يربحوا منها شيئا. 4000 موظف يحتجون اليوم في الخرطوم هم جزء من هذه المأساة.
أستاذ عبد الحميد مدرس لغة عربية أمضى 42 سنة في الخدمة المدنية. عندما حل الانفصال كان في الدرجة الأولى الوظيفية وهو الآن يقف في سبيل حقوقه المتأخرة منذ 10 أعوام بجوار أساتذة آخرين يقول أحدهم "أستاذ عبد الحميد كان درسني في الأساس".
هذه قصة تختلط فيها الدموع بالحقائق، ولا يمكن أن يكتب عنها بلغة التقرير الصحفي البارد
ومنها بدأت رحلة عودة مؤلمة. بعد اكتمال وصول الموظفين إلى السودان ظهرت المماطلة.
بعد مراحل طويلة من الفحص وإكمال الملفات بدأت رحلة أخرى من المعاينات. (بدخل معاينات لي ناس فترة شغلي بأعمارهم) تقول أستاذة من العائدين تقول أنها عينت أستاذة مرحلة ابتدائية سنة 1980م.
في العامين 2014م-2015م استمرت المماطلة. ولم تمر السنين الماضية بسهولة، كل العائدين فقدوا منازلهم ويسكنون إما في بيوت أسر مشتركة أو بالإيجار في مناطق تفتقر لأقل الخدمات، وهم الآن بلا مصدر للرزق، معلقون بين دواوين الحكومة والبلد الجديد الذي وجدوا أنفسهم فيه بلا قرار اتخذوه.
كرر النظام البائد نهاية 2016م القرار القديم بمعالجة الأوضاع، بالقرار رقم 368 لسنة 2016م. بدى أن الحل قد اقترب. وخير العائدون في التوزيع على الولايات المختلفة وبدأ توزيعهم.
أصدرت وزارة المالية الاتحادية أمرا تنفيذيا تتكفل بموجبه برواتب وحقوق ومتأخرات العائدين أيا كانت ولاياتهم التي اختاروها حسب نص القرار. عاد معظم ال4000 إلى الولايات.
تبقى 1210 اختاروا ولاية الخرطوم. وهنا تبدأ المشكلة.
تبقى 1210 اختاروا ولاية الخرطوم. وهنا تبدأ المشكلة.
استمر التوزيع طوال السنوات الماضية منذ بداية العام 2017م. وبقيت ولاية الخرطوم متعنتة. رفضت تعيينهم بقرار من الوالي المخلوع عبد الرحيم محمد حسين وزمرته. وهنا قصة جانبية تستدعي السرد.
شهد عدد لا يحصى من العائدين أن عبد الرحيم محمد حسين قال عندما سمع باستمرار قضية العائدين (هو ملف ال.....د دا لسه فاتح؟) وأكد كل من استفسرته نشرة عمال السودان من العائدين على ذلك. وهو ما يضفي على القضية أبعاداً عنصرية غير مستبعدة على ممارسات النظام البائد.
وتبقى أن يقبل الوالي المدني الانتقالي القرار ويشرع بالتنفيذ. فماذا حدث؟
يبلغ عدد اللذين رفضت حكومة ولاية الخرطوم تعيينهم 617 موظفاً. بينما تم تعيين بعض العائدين وترك البعض دون مبرر. وتحججت الأمانة العامة لولاية الخرطوم بعدم وجود اعتمادات مالية كافية. وهي حجة مردودة لأن المالية الاتحادية تعهدت بالسداد.
وينتهي العجب عندما تشهد اللجنة أن مدير عام شؤون الخدمة بالولاية والذي عينه الوالي المدني بوظيفة رفيعة بوزارة المالية الولائية هو صديق شخصي لعبد الرحيم محمد حسين وعضو بتنظيم المؤتمر الوطني وكان في مواقع مهمة زمن البشير.
إذا أردت أن تقيم أي حكومة، أنظر إلى طريقة التعامل مع العمال. هذه الطريقة هي نفس المماطلة والاستخفاف الذي وجده العمال والموظفون من البشير. فهل سقطت بعد؟
🎯انتهى
🎯انتهى
جاري تحميل الاقتراحات...