عواض شاهر
عواض شاهر

@awadhosaimi

22 تغريدة 10 قراءة Jan 17, 2021
1- باختصار، رغم أنه اختصار يعتدي على جمال النص وعمقه وكثافته، قرأت هذا الديوان ثلاث مرات، اثنتان منها بعد صدوره بحوالي عام، وواحدة في 2018 ، فوجدت شعوري الأول في القراءتين الأوليين يعود إلي على نحو يشبهه في قراءتي الأخيرة. ما هو هذا الشعور إن كان في وسعي وصفه أو الكتابة عنه
2- بصفتي من ساكني مكة جلت في أنحاء الديوان وأرباضه مشدوداً من جهةٍ بولهِ "متصوف" تشده إلى المكان روح الماكث المجاور (مجاور البيت الحرام)، ومن جهة أخرى تستميت في فصله عن المكان قيامة الأشكال العمرانية الحديثة في مكة التي باتت مدينة أخرى حد الاختلاف الكبير عن نمطها القديم.
3- وبين إقبال وإدبار ليس بي حيلة في دفع أشدهما سطوة، رأيت الديوان يفرد لي معالم المكان ليس بالنظرة الجافة لمؤرخ ضجر وإنما بالصورة التي يبتغي الشاعر منها رهافتها الماكنة في جلال النواحي، ونقاوتها المتأبدة في ذاكرة التاريخ.
4- أماكن كثيرة اخترقت بي الزمن رجوعاً إلى مكة في عهد تفتحها النوراني وديناميتها الاجتماعية الباكرة، فبانت تماماً عن سلطة العلامة الماثلة اليوم في الحدود والأعلام واللوحات الإرشادية والتقسيمات الجغرافية الراهنة.
5- بالنصوص العربية الآتية من تراث الشعر الفصيح، أمسكت بعنان الفرجة فتجولت في أماكن مثل:
عرفات
" رُب خود عرفت في عرفات
سلبتني في حسنها حسناتي"
المحصب:
"لعمرك ما أنسى غداة المحصب
إشارة سلمى بالبنان المخضب"
6- منى:
"فيادين قلبي من ثلاث على مِنى
مضين ولم يبقين غير جوى الذكر"
"فو الله ما أدري وإن كنت داريا
بسبع رميت الجمر أم بثمانيا"
نعمان:
"أسائلكم هل سال نعمان بعدنا
وحُب إلينا بطنُ نُعمان واديا"
7- غير أن الزمن يرتد إلى تقويمه المعاصر على خطى الشاعر في جل مقاطع الديوان، فتتفلت منه أشواق المجاور والمبارح في آن، فقد كانت سنوات دراسته الأكاديمية في جامعة أم القرى تضرب له دروب الجائس في المكان على هيئة الملازم له..
8- الشغوف بأحيائه وشوارعه وأزقته ودحوله وجباله وشعابه وكعبته وصحن طوافه وزمزمه وصفاه ومروته ومسعاه وجمراته وغير ذلك. وهو أيضاً الفتى المبارح المأسور بنداءات أماكن أخرى لا تني تتردد في وجدانه دون انقطاع، أماكن الطفولة والصبا، غير أن ذلك مما يقايس به الشاعر الزمن أيضاً،
9- فالماضي بالنسبة له هو ما يكتب عنه الخلائق، "كما أن الشعرية لديه تزدهر على المندثر والبائد" كما قرأه الكاتب أحمد زين، ويقول هو عن هذا المنحى "ما من كتابة إلا وهي عن لحظة بائدة ومندثرة"
10- وذلك باعتبار أن اللحظة التي تمضي" لا يمكن القبض عليها بذات تفاصيلها وكينونتها مرة أخرى. فبمجرد أن يمسك الكاتب بأداة التدوين، يصبح كل ما يسبق هذه اللحظة أو يزامنها في حكم الماضي" ( جريدة الحياة 1/11/2011) ..
11- في "الموجدة المكية" ثمة تعالق رهيف بين تشوفات صوفية تراود نورانية المكان – إن صح القول- وانتهال روحي من تراث الشعر العربي الراعف بالعشق والتشبب، بين الارتقاء بالعبور إلى التجلي العرفاني وبين الإبقاء على طين الشهوة في الدنيوي يقظاً متوقداً.
12- أي إلى حدود "الالتباس بالعالم والواقع" كما أشار ذات لقاء، وبالتالي هو ينفي حضور التصوف في التجربة إجمالاً، غير أنه يقبل أن يكون جزءاً منها، "ما من ذات إلا وهي تتوق إلى التصوف باعتباره نشداناً للعمق والجوهرانية" ( جريدة الاتحاد 9 يونيو 2008)
الشاعر د. محمد حبيبي
13- أظن بأن الموجدة المكية من النصوص الصعبة التي يلامس صعوبتها من يتقراها بإمعان، إنه نص يتحدى قارئه وإن كان هذا القارئ على درجة عالية من الاستعداد الثقافي، قبل ذلك لا بد من أن يدخل في مناخ النص ويختبر في نفسه قدرته على الولوج إلى طقسه اللغوي (اللغة في النص حالة طقوسية خاصة)..
14- روح المكان سواء على المستوى المقدس أم التاريخي والاجتماعي نافذة بعمق في بنية النص.. لم يُقرأ النص لأن معجمه غير متداول بل هو شديد الغرابة قياساً للغة الفصيجة السائدة، ثم هو يأتي محملاً بمجاز كثيف قد لا تستجيب للنفاذ في دلالاته حتى القراءات التي على اتصال جيد بالنصوص الحديثة.
15- لعل الشاعر كتبه (ليحمي نفسه من القراء) كما قال الروائي العراقي حسن مطلك وهو يتحدث عن روايته الصعبة دابادا.. وهذا انسحب على النص فبات يحمي نفسه من القراءات أجمع. هو نص متميز وسيأتي من يقول إنه كذلك ولكن ليس المعول على الكثرة..
16- لقد قرأته ولم أستطع اختراقه إلا في الحدود البسيطة التي يمن بها النص على قارئ يتحرك في التخوم مثلي.. قرأته من باب الحنين إلى صورة معتقة عن مكة بتفاصيل المكان الممكنة وبرائحة المفهوم الذي يحيل مكة إلى مدينة كوزموبوليتية ليس اليوم فقط وإنما مثل كل المدن العتيقة ..
17- الضاربة في التاريخ إلى كونها مدينة معولمة منذ القدم مثل دمشق وبغداد واستنبول وبلخ وسمرقند وغيرها.. المميز جداً في مكة هو هالة القداسة العظيمة التي تحيط بها من كل المستويات .. هذا التُخُم الذي نلته من النص..
18- في النص رومانسية الشعر العربي الفصيح القديم ونبالته وكان استخدام النص العربي في هذا الجانب ملائماً تماماً لوجه آخر من وجوه مكة. .. النص أيضاً يتحدث عن شاعر راءٍ عبر متوالية (أرى الآن ما لا يرى ) التي جاءت في غير مقطع..
19- وهذا ما يحيل الموافقة الزمنية إلى فترة الشاعر الرائي ومن هذه المزامنة نقرأ مكة في العصر الحديث بخريطتها العمرانية وتضاريسها الماثلة. ..
20- .. ولا ريب أن حمولات النص في هذا المستوى تختلف عن غيرها، فالرأئي هو الذي تُفتح له مغاليق المكان والأشياء والوجوه وحتى التاريخ هنا مصطبغ برؤيا الشاعر .. دون أن تفارقه غواية المتشبب لكنها غواية لا يمكن الإمساك بها لوحدها وإنما ملتبسة مع التشوفات الصوفية..

جاري تحميل الاقتراحات...