ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

22 تغريدة 538 قراءة Jan 16, 2021
رغم البعد الشاسع والصحاري المتسعة، إلا أن وباء الإنفلونزا الإسبانية تجاوز كل هذا وزحف إلى الخليج، ليفتك بكثيرين، في ظل دواء وأطباء نادرين، إلا أن قائدا جديدا استل همته وأحضر الأطباء وبدأ يقاوم في نفس الوقت الذي كان يفتح ويوحد
الملك عبدالعزيز وسنة الصخونة!
ما القصة؟
حياكم تحت💕
في الوقت الذي كانت فيه الدول الغربية ترسل أطباء وتبني مستشفيات لمستعمراتها؛ كان الأتراك العثمانيون لا يجيدون شيئا سوى نهب الثروات وإفقار الأمصار الواقعة تحت سطوتهم، تشهد بذلك على الأقل آثار تلك الحقبة وما هي عليه من بساطة في الخليج مقابل ما هي عليه من بذخ في الأناضول وتوابعها.
في أواخر القرن التاسع عشر ونتيجة لهذا التهميش العثماني لم يكن ثمة مستشفى بمعناه الحديث في الخليج قاطبة سوى مستشفى ميسون التذكاري بالبحرين، والذي تم إنشائه من قبل إرسالية تبشيرية أمريكية تابعة للكنيسة البروتستانتية.
دشنت هذه المستشفى عام 1892 واضطلعت بدور مهم في علاج الناس خلال تلك الحقبة، وذاع صيتها فيما وراء جزيرة البحرين، وبدأ الناس يفدون عليها بشكل رئيس من الشاطئ الشرقي للجزيرة العربية التماسًا للعلاج، بل إن نزرا يسيرا من الناس كانوا يجيئون إليها من وسط جزيرة العرب في رحلة منهكة.
خريطة متذبذبة لا تستقر أطرافها على حال، محاولات دؤوبة لا تنقطع لإحكام السيطرة وجمع الشتات من قبل الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، معارك كثيرة وتفاصيل حربية وسياسية وتوازنات، كلها أمور لم تمنعه ولم تشغله عن استقصاء أمر هذا المستشفى ومحاولة الاستفادة من خدماته.
أحدهم يطرق باب الطبيب ستانلي ميلريا أحد أمهر الأطباء العاملين في المستشفى، يخرج الطبيب فإذا بها رسالة من الأمير عبد العزيز آل سعود أمير نجد في تلك الفترة، يطلب منه الوفود إلى مخيمه القريب من الكويت حينها، وذلك من أجل لقائه.
في مطلع شهر مايو 1914 يهم الطبيب لتلبية الدعوة، سعيدًا بلقاء أمير قوي سمع عنه الكثير، حقيبته في يده واليد الأخرى حاملًا بها كثير من العلاجات، خصوصًا أقراص الكينين المعالجة للحمى والملاريا، وذلك بناءً على معلومات وصلته ضمن الرسالة بانتشار الحمى هناك.
بعد رحلة مجهدة وصل الطبيب أخيرًا إلى المخيم، سمح له بالدخول وسار به الجند باتجاه خيمة الأمير الذي كان في استقباله حيث تأكدت في نفس الطبيب انطباعاته السابقة عن شخصية الأمير، تلك الشخصية التقية راسخة الدين ذات الذكاء المطرد والحنكة السياسية الكبيرة.
نرحب بكم بيننا كأطباء تقومون بأدوار إنسانية نقدرها كثيرًا، لكن بشرط واحد هو ألا تتدخلوا أبدًا من قريب أو بعيد في أمور ديننا، هكذا كان ملخص كلمات الأمير عبد العزيز للطبيب ميلريا، والذي رحب بكلماته، وفهم منها جيدًا أنه أمام شخص لا يساوم.
باشر الطبيب القيام بما هو منوط به ضمن المخيم، حيث جُهِز له مكان مناسب، فجاءه كثير من المرضى على اختلاف ما يعانون، بعضهم كان مصابا بالحمى فاعطاهم ما يخفض حراراتهم، واخرون يعانون السل فنصحهم بالطعام الصحي والابتعاد عن أدخنة المواقد، اما المصابين بالتراخوما أعطاهم قطرات مناسبة.
أنجز الطبيب مهمته وعاد إلى البحرين، وفي الوقت ذاته واصل الأمير عبد العزيز حصد انتصاراته وترسيخ وجوده على الأرض في كل الجهات، وبعد أن هدأت الأوضاع قليلًا أرسل مجددًا في طلب الأطباء من أجل زيارة الرياض، أملًا منه في بناء منظومة صحية لشعبه اعتمادًا على خبراتهم الوفيرة.
في عام 1917 وعلى متن قارب مبحر من البحرين إلى العقير، انطلق طبيب آخر هو بول هاريسون إلى الرياض عاصمة نجد حينها بدعوة رسمية من الأمير عبد العزيز، حيث قطع هذا الطريق مرورًا بالهفوف ضمن قافلة استغرقت بهم عدة أيام، حيث استقبله الأمير في غرفة صغيرة بسيطة على حسب وصفه.
بعد أن رحب الأمير بهاريسون وفي أثناء احتسائهما القهوة، أخبره الأمير بأن لم يطلب منه القدوم إلى هنا من أجل الاعتناء بصحته أو بصحة أي من أسرته، ولكن السبب هو احتياج شعبه إلى مستشفى، وقد أخبره بأنه خصص مكانا له لمباشرة عمله، وطلب منه علاج الجميع دون كلفة مادية عليهم.
أقام هاريسون عشرين يومًا في الرياض، أدى فيهم ما استطاعه من خدمات صحية لعموم الناس مجانا، ومن ثم قفل عائدًا مرة أخرى إلى البحرين بعد أن نفدت عدته الدوائية، استقر هاريسون في البحرين مرة أخرى قبل أن يطلب منه المجئ مرة أخرى بعد عامين على وجه السرعة من أجل أمر خطير.
لقد انتشر وباء الإنفلونزا الإسبانية في أرجاء كثيرة من جزيرة العرب ولم تعقها تلك الصحراء الشاسعة عن الوصول، الأمر الذي ترتب عليه عدد وفيات كبير، كان على رأس هذه الوفيات تركي الابن البكر للملك عبدالعزيز، وكذلك زوجته الجوهرة بنت مساعد.
لقد كان الأمر مرعبًا إلى حد كبير، سمي ذلك العام "سنة الصخونة" بسبب ارتفاع درجة حرارة أبدان المصابين بهذا المرض، لقد حصد الوباء قرى بأكملها، حيث كان الناس يعودون إلى بيوتهم ليجدوا أفرادها متوفين دون مقدمات، فيما حفر القبور لا يتوقف ليل نهار إلا لأداء الصلوات.
وفد هاريسون إلى الرياض وهي في حالة خطرة أمام وباء عالمي، اجتمع بالأمير وقرر معه رسم خطة عاجلة للسيطرة على الوباء، فكانت أولى القرارات هي العزل المنزلي، وعدم خروج الناس من بيوتهم إلا للضرورة، في حين أخذ المصابين إلى مخيمات عزل شيدت خصيصًا لهم خارج المدن والتجمعات السكانية.
نجحت السلطات عبر التدابير التي اتخذتها في الحد من الإصابات، وتوجهت جهود هاريسون ومعاونيه إلى المصابين الذين شفي كثير منهم بسبب المتابعة المستمرة لحالاتهم وبسبب النصائح القيمة التي توجه بها الفريق الطبي لعموم الناس في التعامل مع الوباء وأعراضه.
جاءت استعانة الأمير عبد العزيز آل سعود بأطباء أمريكيين وبريطانيين ببعض الأصداء السلبية، فقد ترتب عليها غضب بعض المتشددين بسبب كون هؤلاء الأطباء مسيحيين، حاولوا قلقلت الأمور إلا أن الأمير استطاع تحجيمهم والسير قدمًا نحو إنشاء دولته.
لقد كان الأمير وسطيًا، محافظًا على دينه وتقاليده وقيمه من جهة، وفي ذات الوقت منفتحًا على التعاون مع كل ما من شأنه أن ينقذ الأرواح ويحفظ أبناء شعبه، لذلك حين قابل هاريسون قال له " أعلم أنك مسيحي، إلا أن الرجال الشرفاء الذين يحفظون العهد أصدقاء لنا وإن اختلفوا معنا في الدين."
في عام 1925 وبعد أن نجح الملك في استعادة مكة وميناء جدة إلى مملكته، كان ملف الصحة هاجسًا لديه وذا أولوية قصوى، لذلك على الفور أمر بإنشاء أول وكالة للصحة العمومية بمكة خدمة للحجيج ثم توالى إنشاء فروع لتلك الوكالة في كل أرجاء المملكة، واستعان لها بأطباء سوريين ومصريين.
وهو في كل هذه الإنشاءات الصحية قرر أن تتكفل الإمارة بتكلفة العلاجات المقدمة لكل المرضى والمترددين، لتشهد له تلك الأفعال الجليلة على حكمة ونظرة ثاقبة للأمور، وفي ذات الوقت حب شديد لشعبه وحرص أكيد على صحتهم وحياتهم.
اليوم لا نرى أبدًا أقل من هذا الحب من مليكنا وولي عهده، حب تجسد في كل هذا الاهتمام والحرص على الناس، عبر خطط ناجعة واجهت الوباء بشدة ونجحت في التعامل معه، لكن هذه المرة بأيدي وإدارة سعودية خالصة، ثم يجيء العقار ليكون وطننا الحبيب في مقدمة الدول التي توفره لرعايها

جاري تحميل الاقتراحات...