لا تذكر الروايات إن كانت استرقت بالأسر في بعض المواقع أم كانت رقيقاً بالملك والتداول. ولقد ظهرت في بلاط قرطبة في أوائل عهد الحكم المستنصر وكانت مغنية حظية عنده وكانت رائعة الحسن فشغف بها الحكم وأغدق عليها حبه وعطفه وامتنع عن التعرض للولد من غيرها.
ولم تلبث أن استأثرت لديه بكل نفوذ ورأي. ثم ازداد هذا النفوذ توطداً وتمكناً حين رُزق منها الحكم ولده عبد الرحمن ثم ولده هشام المؤيد ولم تكن صبح يومئذ مجرد جارية أو حظية فقط بل كانت تتمتع في البلاط بما يشبه مركز الملكة الشرعية علماً أن المصادر الإسلامية لم تشر إلى أنها غدت زوجة حرة
للحكم المستنصر بعد أن كانت جارية أو حظية وإنما تنعتها الرواية الإسلامية بالسيدة صبح أم المؤيد وتصفها التواريخ الإفرنجية بأنها السلطانة صبح . ولكن هنالك ما يقطع بأنها بقيت من الوجهة الشرعية جارية و(أم ولد) فقط، وأن الحكم توفي عنها من دون تغيير في مركزها الشرعي.
استمرت صبح أيام الحكم نتمتع في البلاط والحكومة بنفوذ لا حد له ولم يمض زمن طويل حتى كانت تشغل مركزاً سامياً في ميداني السياسة والإدارة وتمكنت من إظهار ذكائها الفطري وقدرتها على ممارسة الأحكام بشكل أدهش رجال الدولة وكانت كلمتها هي العليا في تعيين الوزراء ورجال البطانة.
وكان جعفر بن عثمان المصحفي يجتهد في خدمتها وإرضائها ويستأثر لديها ولدى الحكم بنفوذ كبير كانت السلطة الإسمية في يد الخليفة أما السلطان الفعلي فقد كان في يد صبح التي أصبحت محط رحال الشعراء والأدباء يلجأ إليها وجوه القوم وأعيان البلاد لقضاء حاجاتهم ويقف الشعراء على بابها
ينشدونها مدائحهم جلباً لرضاها وطمعاً في مالها .
وقد طلبت صبح من يكتب عنها فَعرَّفها بعضهم وربما كان المصحفي نفسه بمحمد بن أبي عامر الذي كان قد اقتعد دكاناً عند باب القصر يكتب فيه لمن أراد أن يكتب شيئاً يرفعه إلى السلطان فترقی محمد بن أبي عامر إلى أن كتب عنها فاستحسنته
وقد طلبت صبح من يكتب عنها فَعرَّفها بعضهم وربما كان المصحفي نفسه بمحمد بن أبي عامر الذي كان قد اقتعد دكاناً عند باب القصر يكتب فيه لمن أراد أن يكتب شيئاً يرفعه إلى السلطان فترقی محمد بن أبي عامر إلى أن كتب عنها فاستحسنته
ونبَّهت عليه الحكم الذي لم يقدر عواقب إسناد وظيفة الكاتب إلى شاب لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره.
ثم إنه ما لبث أن أصبح مستشاراً لها وعهدت إليه إدارة ضياعها وممتلكات ابنها هشام .
ثم إنه ما لبث أن أصبح مستشاراً لها وعهدت إليه إدارة ضياعها وممتلكات ابنها هشام .
ثم ولاه الخليفة بإشارةٍ من صبح قضاء بعض المواضع ثم قدَّمه على خطة المواريث واستقضاه على كورة إشبيلية ولبلة ثم قدَّمه على الشرطة الوسطى ثم جعله قاضي القضاة وأضاف إليه النظر في الحشم وهو في عِلَّته التي مات فيها بالفالج .
لقد استطاع محمد بن أبي عامر أن يصل إلى أرفع وظائف القصر في أعوام قليلة ولا شك أنه كان لعطف صبح وحمايتها له فضل كبير في تقدمه إلى جانب مواهبه وكفايته الباهرة.
كانت صبح امرأةً جميلة وكانت لا تزال شابة بينما كان الحكم قد أشرف على الستين وكان ابن أبي عامر فتىً وسيماً، حسنَ القد والتكوين وكان من جهة أخرى يفتنُّ في خدمة صبح وإرضائها. وكان يُقدم إليها الهدية تلو الأخرى مراعياً في ذلك أن تكون هديته الثانية أثمن وأرفع قدراً من الأولى
حتى أنه أهداها وقت ولايته السكة أنموذج قصرٍ من الفضة بديع الصنعة والزخرف أنفق عليه مالاً وفيراً ولم يُرَ مثله من قبل بین تحف القصر وذخائره وتحدث عنه الناس طويلاً إذ شاهدوه حُمل من دار ابن أبي عامر إلى القصر .
كانت هذه العناية تقع في نفس صبح أحسن الموقع وكان الحكم يشهد السحر الذي ينفثه ابن أبي عامر إلى حظيته وإلى نساء القصر جميعاً.ويُروى أنه قال يوماً لبعض ثقاته:
«ما الذي استلطف به هذا الفتى حُرمنا حتى ملك قلوبهن مع اجتماع زخرف الدنيا عندهن حتى صرن لا يصفن إلا هداياه ولا يرضين إلا ما أتاه إنه لساحر عظيم أو خادمٌ لبيب وإني لخائف على ما بیده».
لقد نجحت صبح بعد أن تبين لها أن الخليفة على وشك الموت في عقد مجلس كبير ضم أشراف الأندلس وأعيانها. وفي ذلك الاجتماع قرأ الخليفة على الحاضرين صيغة إقرارٍ بقبولهم تولي ابنه هشام الخلافة من بعده وكان في الحادية عشرة من عمره وأُبعدَ بذلك المغيرة شقيق الحكم عن العرش.
وهنا ظهرت صبح على المسرح بمظهر الوصية والملكة الفعلية ومدبرة السياسة الأندلسية وجذبت محبة الشعب بتخفيض الضرائب مما أعلى قدرها ورفع من شأنها .
لما توفي الحكم كان محمد بن أبي عامر يرى في صبح التي تجتمع في يدها السلطة الشرعية أداةً صالحةً هينة يستطيع أن يُخضعها لإرادته ويسخرها لمعاونته على تحقيق مشاريعه البعيدة المدى. وكانت صبح من جانبها تغدق كل رعايتها على الرجل الذي أحبت وتضع فيه كل أملها لرعاية العرش .
والمرأة قلَّما تنظر بعين الشك والربية إلى الرجل الذي تحب لذلك كانت هذه أقوى الأسباب في انتقال الملك إليه وكانت ترى أنه الرجل الوحيد الذي يمكن أن يحمي ملك ولدها الفتى في الوقت الذي كان فيه ابن أبي عامر يعمل لمصلحته الخاصة. وكان هشام میالاً إلى اللهو والدعة
وكان ابن أبي عامر وصبح يشجعان هذه الميول السيئة في نفس الخليفة ويريانها ملائمة لمقاصدهما. وحجر ابن أبي عامر على الخليفة، وكان يحمل صبحاً على أن تخلق الأعذار لحجب ولدها حتى غدا هشام شبه معتقل أو سجين وأشاع أنه فوض إليه النظر في شؤون مملكته لكي يتفرغ للعبادة.
وهكذا أهمل شأن الفتى وقطعت سائر علاقاته بالخارج حتى إنه لم يكن له أمر في داره ولا حُرمه إلا عن إذن ابن أبي عامر وعلمه.
وقد ظهرت بقرطبة أقوال معرضة أنشدوا فيها أبياتاً فاحشة تدل على استبداد ابن أبي عامر بالأمر دون الخليفة من ذلك ما قيل عن لسان هشام في شكواه لهم:
أليس من العجائب أن مثلي
يرى ما قلَّ ممتنعاً عليه
وتُملك باسمه الدنيا جميعاً
وما من ذاك شيء في يديه
أليس من العجائب أن مثلي
يرى ما قلَّ ممتنعاً عليه
وتُملك باسمه الدنيا جميعاً
وما من ذاك شيء في يديه
وهكذا فقد اتخذ ابن أبي عامر تَقرُّبهُ من صبح مطيةً للوصول إلى مبتغاه، بينما حبُّ صبح له وشدة إعجابها به أعميا بصيرتها عن إدراك الغاية التي يسعى إليها.
والظاهر أن علاقة صبح بابن أبي عامر قد انتهت بالخروج عن كل تحفظ وغدت فضيحة ذائعة، فصار ما بينهما حديث القوم في قرطبة
والظاهر أن علاقة صبح بابن أبي عامر قد انتهت بالخروج عن كل تحفظ وغدت فضيحة ذائعة، فصار ما بينهما حديث القوم في قرطبة
وتناولها الناس بلاذع التعليق والهجو وظهرت بهذه المناسبة قصائد وأناشيد شعبية كثيرة منها ما قيل على لسان هشام المؤيد ومنها ما قيل في تقديم هشام وهو صغير لم يبلغ الحلم، وفي قاضيه ابن السليم:
اقترب الوعد وحان الهلاك
وكل ماتحذره أتاك
خليفة يحضر في مكتب
وأمه حبلى وقاض [...]
اقترب الوعد وحان الهلاك
وكل ماتحذره أتاك
خليفة يحضر في مكتب
وأمه حبلى وقاض [...]
هذه الأناشيد وأمثالها تعبر عن روح العصر وتدل على ما كان يثيره موقف صبح وسمعتها من الحملات المرة. وتتفق الروايات في الإشارة إلى العلاقة الغرامية التي استطال أمدها بين صبح وابن أبي عامر
ولم نجد ما يعارض تلك العلاقة بين صبح وابن أبي عامر إلا ما أورده المقري لكاتب مغربي يدفع عن صبح تهمة شغفها ويرمي أولئك الشعراء بالتحامل والكذب .
وتزوج المنصور من أسماء ابنة غالب الناصري حيث نُظم الاحتفال في قصر الخليفة وبإشراف صبح التي أغدقت على العروس أروع الهدايا والتحف وكانت تظن أن هذا الزواج سيكون زواجاً سياسياً وستظل لها مكانتها في نفس ابن أبي عامر. ولكن أسماء كانت ذات جمال نادر وعلى جانب عظيم من الظرف والأدب
ففتن المنصور بها حتى أصبح لا يرى غيرها من النساء فأصبحت منعزلة في قصر الزهراء تقاسي مرارة هجر من أحبت وكانت قد تجاوزت الأربعين.وعزلتها هذه هي التي جعلتها تدرك إما بعد فوات الأوان ما يرمي إليه المنصور وأدركت خطورته على مستقبل ابنها فحاولت أن تقوم بمحاولة عملية لمقاومته وإسقاطه
وربما كان لتدبيرها وتحريضها أثر في ما وقع يومئذ بين ابن أبي عامر وصهره غالب.
وقيل إنه لما تغيرت صبح على ابن أبي عامر أخذت تعمل على إخراج الأموال مع أخيها رائق وإنها أخرجت في بعض الأيام مائة كوزٍ مختومةٍ على أعناق الخدم الصقالبة ملأتها مالاً عيناً ذهباً وفضة
وقيل إنه لما تغيرت صبح على ابن أبي عامر أخذت تعمل على إخراج الأموال مع أخيها رائق وإنها أخرجت في بعض الأيام مائة كوزٍ مختومةٍ على أعناق الخدم الصقالبة ملأتها مالاً عيناً ذهباً وفضة
وموَّهت على ذلك كله بالمربی والشهد وغير ذلك من الأصباغ الرفيعة المتخذة بقصر الخلافة وكتبت على رؤوس الكيزان أسماء ذلك ومرت على صاحب المدينة فما شك في أنه ليس فيها إلا ما هو عليها .وكان في تلك الكيزان ثمانون ألف دينار فأحضر ابن أبي عامر جماعةً
وأعلمهم أن الخليفة مشغول عن حفظها بانهماكه في العبادة وأن في تضييعها على المسلمين وعلى الدولة أعظم الآفة ولما أراد جمع ما في القصر من أموال تعذَّر ما كان بجوف القصر من بيت مال الخاصة ودافع عنه أهل الدار لقيام صبح دونه .
قال ابن بسام:وأخبرني أبي بعظیم ما شاهده من صرامة تلك المرأة ومنازعتها لابن أبي عامر وولده ورميها لهما بكل عظيمة وعبد الملك يومئذ ساكت يتجرع غصه ولا يرد كلمة إلى أن بلغ رغبته وأخذ كل ما في القصر وكان جملة ما حمل من الورق خمسة آلاف ألف دينار ذهب قاسمية ومن الذهب سبعمائة ألف جعفرية.
إذاً فقد فشلت صبح في محاولتها الإيقاع بابن أبي عامر وهو الذي استطاع أن يقضي على خصومه ومناوئيه واحداً بعد الآخر باستعداء بعضهم على بعضه.
ولما أيقنت صبح أن مقاومة ابن أبي عامر لا طائل تحتها لجأت إلى السكينة فلا نسمع عنها بعد ذلك في سير الحوادث
ولما أيقنت صبح أن مقاومة ابن أبي عامر لا طائل تحتها لجأت إلى السكينة فلا نسمع عنها بعد ذلك في سير الحوادث
@Rattibha رتبها لو سمحت🌹
جاري تحميل الاقتراحات...