د.صغير العنزي
د.صغير العنزي

@arab14361

15 تغريدة 130 قراءة Jan 15, 2021
يقال "عنتريات" لوصف القوة الغاشمة الصرفة، وكأنما خلص فعل عنترة للعنف الذي بلا سمع ولا بصر، ويبدو أن الثقافة لا تزال غير موافقة على أن يسمو ذلك العبد، فيتجاوز قدره في تصوراتهم.
سأناقش، بإذن الله، في سلسلة تغريدات، جوانب من مواقف عنترة ورؤاه ضد عبوديته ومستعبديه من خلال "معلقته".
١-لم يواجه عنترة معاناة رقّه ولونه كمواجهة الصعاليك من خلال مغادرة المجتمع وشنّ الغارات عليه، بل كان واثقًا بقدرات عقله ثقته بقوة جسده، ومن هنا كانت معلقته محاججة ضد العبودية والظلم الطبقي، ومرافعة محامٍ متمكّن يثق بوجاهة مطالبه، وقدرته على الدفاع عنها.
٢-افتتح المعلقة بتساؤل: "هل غادر الشعراء من متردَّم؟".
وفي رأيي أن معلقته بجملتها هي إجابة عن سؤالين، أحدهما مضمرٌ مفاده: ما القيم التي تحتكمون إليها، والقدرات التي تقرون لصاحبها بالتقدمة؟
أليست الشجاعة، الكرم، إضافة إلى إبداع القول الذي صرح بسؤاله أعلاه؟
٣-تساءل عن "هل ترك الشعراء مقولا لقائل/ فنا من الشعر لم يطرقوه" لا ليقرّ بالمقولة النسقية "ما ترك الأول للآخر"، وإنما ليقوضها ويفضح زيفها، فمهمة المسترَق هنا تعرية السادة فكريًّا قبل أن يعرّيهم جسديًّا، بالطريقة التي يستوعبونها.
والمعلقة منذ سؤالها الأول لا تنفصل سخريتها عن جدها.
٤-وقبل أن تتشابك إجابة أسئلته أود التذكير بأنه أجاب عن جزئية من هذا السؤال، تخصّ الفن المحض، فجاء لهم بتشبيهٍ اختار صورته بعيدًا عن رؤية مركزهم، وطرفها كائن مهمش منبوذ "الذباب"، ونبههم إلى احتفال هذا الكائن بالحياة وطربه لها، وهذه زاوية لا يتفطنون لها.
والتشبيه من المتردم العزيز.
٥-قبل أن يبدأ بقص "عنترياته"، كان يدرك أن شعره سيتلقّاه جيل عصرٍ غير عصره، فاعتذر لنا بأن "عنترياته" تناضل عن كرامةٍ لا سبيل لحمايتها في ذلك السياق إلا بها:
أثني عليّ بما علمتِ إنني
سمحٌ "مخالقتي" إذا لم أُظلَم!
ولله دره، فكم يقص لنا الشطر الثاني عن دماثة خلقه وأنفته معًا!
٦-ومثلما بيّن أنه لا يقاتل عدوانا ولا طيشا، أشار إلى أنه لا يقاتل طمعا لأجل الثراء، فهو "يعف عند المغنم"، والجود عنه أكثر رحابة، إذ يجود بالمال و"يجود بعاجل طعنة"، وهو في كل هذا متزنٌ، فالخمرة تزيده سخاءً، ولا تذهب عقله...
هي رسائل يبلغنا بها قبل أن يبدأ رحلة "الفتك".
٧-في رحلة الفتك يعمد إلى خصمين:
-الفارس المدجج الذي لا يُجرأ على الاقتراب منه، لقوته الجسدية وشجاعته الفائقة.
-السيّد الأبيض الثري، قائد قومه.
ويعمد في النموذجين إلى أن تبدو ملامح الثراء والرفاهية على خصومه الـمُجَدّلين، فهم فرسان، سادة، صُنّاع رأيٍ وقيم.
٨-سأدع أمر الفتك الجسدي بالمدجج لسعة انتشاره، وسأركز على نقطة أدق، وهي تقويض صانع النموذج القيمي، وهنا سيحضر الرمح "الأصم" الذي لا يفهم لغة القوم، ولا يصغي إلى صوت نماذجهم، وهذا "الأصم" يتّجه إلى "الكريم" والكرم، هنا، معناه شرف الأصل والحسب والسيادة وصناعة الرأي.
٩- "ليس الكريم على القنا بـمُحَرَّم"، جملة ذات شأن، ولفظة "التحريم" تشير إلى السياج الذي يُحاط به الوجيه، فقيمُهُ محلّ الاعتبار، مهما كانت جائرة، وقراراته في حقّ الآخرين نافذة.
هنا يأتي "الأصمّ" الذي ليس له سمعٌ يؤثَّر عليه، ويتولّى تقويض النموذج المقدّس/"المُحرَّم" المساس به.
١٠-لا يكتفي بتساؤله الساخر في جملة مزاعم التحريم السابقة، بل، بسخرية أشد من التقديس غير المبرر للأبيض، صانع القيم الجائرة، يُقدّم "بنانه ومعصمه" المُرفّهين وجبةً تتفكّه السباع بها.
إنه هنا، لا يقدّم جسدا، وإنما يُقدِّم نموذج قيم، وصنمًا محاطا بشبه عبادة مؤمِّنة على ما يصنع ويقول.
١١-لم نسمع آهات عنترة من قهره وظلم مجتمعه له إلا بعد أن عرض لنا قدراته وقيمه في الكرم وفي الشجاعة والعفة وقبلها الإبداع ثم بعد أن قوّض أصنام الظلم ونماذج الطغيان، وبعد أن أبلغنا عن حاجة القوم الفعلية إليه في مواقفهم الصعبة، حين يغدو سياجا لهم "إذ يتقون بي الأسنة"، وهنا سيبوح:
١٢-"ولقد "شفى" نفسي وأذهبَ "سُقْمها"
"قيل" الفوارس: "ويكَ عنترَ أقْدِمِ"!
تأملوا كيف يصبح القهر والاستعباد عند أحرار النفوس "سُقمًا" ومرضًا عنيفًا يجتث الجسد، وكيف يشفيه الاعتراف الصريح المتمثل بـ"قيل" الفرسان الحماة/ النخبة "أقدم"، وحاجتهم إليه، فمشكلته، أصلا، مع "النخبة".
١٣-لم يبح وحده بالمرارة، بل أشرك فرسه معه، وسمعها، وعبّر تعبيرا ممتلئا بالإحساس والإنسانية عن شعوره بها وفهمه لها:
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى
ولكان لو علم الكلام مكلمي!
طبيعي، أن من يملك كل هذا الإحساس، ومن يرغب أن ينطق الحيوان بالحوار ليبوح له بمشاعره، يسقم من مجتمع مستبد.
١٤-لم يجر بينه وبين عبلة ذات الحب المدَّعَى مناجاة شفّافة كما مع حصانه، فليست حبيبة الواقع، وإنما هي رمز السيدة البيضاء التي يكون الزواج بها اعترافًا غير منقوص بحرية هذا الأسود المسترَق، ولا يزيد وجودها في معلقته عن هذا.
سأكتفي بهذه الإشارات الموجزة التي جاءت ردًّا على "عنتريات".

جاري تحميل الاقتراحات...