خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

47 تغريدة 10 قراءة Feb 02, 2021
1-اليوم هو السبت، موعدنا مع التغريد عن كتاب (السعادة الأبدية بين الدين والعلم والفلسفة). وقد وصلنا اليوم لمحراب راهب الفلسفة وأستاذ الأخلاق الإنسانية ورادم الفجوة بين الماديين والمثاليين، إيمانويل كنْت. الرجل الذي انتصر للعقل.
2-بالنسبة لعدد من المؤرخين، إيمانويل كنْت هو أعظم الفلاسفة الغربيين على الإطلاق.الفيلسوف هو من انشغل بالفلسفة، والفيلسوف العظيم هو من أتى بمشروع جديد، ولا يوجد في الفلسفة الحديثة من أتى بمشروع أهم من مشروع كنت، إلا ما كان من هيغل الذي سعى لتفسير كل ما في الوجود في حركته.
3-كان كنْت ومن قبله هيوم، أكثر الفلاسفة تأثراً بالثورة العلمية، وكانا ينطلقان في طريقيهما وأعينهما تحرص على إلا تقع في تناقض مع نيوتن وعالمه الجديد وقوانينه، هكذا هو الفيلسوف، ابن عصره الذي يتابع معطيات العلم ولا يدير ظهره لها، فالحقيقة تتشكل من كل التفاصيل الدقيقة.
4-أهم إنجازات كنْت، تفريقه بين عالمين، الأول :هو عالم الزمان والمكان وفيه نجد الظواهر الطبيعية التي يدرسها العلم ويكتشف أسرارها وقوانينها. الثاني : هو عالم اللازمان، عالم الأزل الذي لا يصل إليه علم ولا عقل، وإنما تدركه الروح عن طريق الحدس والشعور والتصوّف.
5-فلسفة كنْت فلسفة عميقة وضخمة، لا نطمح أن نستعرضها في صفحات، فهو مؤسس المثالية النقدية التي ذاع صيتها في زمنه ولا زالت تكتسب التلاميذ والمجددين لها في زمننا هذا، علاوة على الهيمنة التي تحققت لها في أوروبا القرن التاسع عشر.
6-أسماء مشهورة مثل فردرخ نيتشه وهربرت سبنسر وآرثر شوبنهاور وأسماء أخرى عديدة، هي في الحقيقة، ليست سوى جداول صغيرة نبعت من نهر كنْت العظيم، وأسماء أخرى كبيرة كهيغل، ما كانت فلسفتها لتقوم، لولا فلسفة كنْت.
7-لذلك يرى عدد من أساتذة الفلسفة أن الإنسان اليوم لا يمكن أن يكون فيلسوفاً إلا بعد أن يقرأ كنْت، ثم يكون له بعد ذلك أن يكون معه أو ضده. لقد كان لهذا الرجل ولا زال مكان الصدارة في عالم الفلسفة.
8-هناك مفاتيح مهمة لتصور فلسفة كنْت، أولها تربيته. فقد كانت أمه عضوا في جماعةمحافظة تتمسك بالدين تمسكاً شديداً، فكان إيمانويل يذهب مع أمه للكنيسة صباح مساء، فأدى ذلك إلى نتيجتين :
1-مع اعترافه بفضلها إلا أن التشدد قد غرس في نفسه نفوراً متأخراً، فاعتزل الكنيسة عندما أصبح رجلا.
9-يضاف له
2-أن تدين أمه الشديد الكئيب قد طبع في نفسه الكآبة التي انعكست على كل حياته،منذ طفولته وحتى شيخوخته.لكنه بقي على الولاء بحيث تحرك لصد هجمة الإلحاد،برغم ما انغرس في نفسه من شكوك. يبدو لي أن كنْت لم يخرج أبدا عن خط السفسطائيين،لكنه كان رجلا عمليا يسعى لطرح حلول للإنسانية.
10-يقسم المؤرخون حياته لمراحل، المرحلة النقدية وما قبلها. يقصدون بالمرحلة النقدية ما ابتدأ عنده منذ 1770 فما بعدها، وقد نتج عن هذه المرحلة خروج أهم كتبه وهو أهم بحث فلسفي في القرن الثامن عشر "نقد العقل الخالص" صدر في (1781).
11-ذلك البحث الذي زلزل به مناهج التفكير السائدة في ذلك الوقت ووضع حدودا جديدة. يقول كنْت : " لقد قصدت بهذا الكتاب إلى الكمال، وإني لأقرر عن يقين، أنك لن تجد مسألة واحدة من مسائل ما وراء الطبيعة إلا وجدت حلها فيه، أو على الأقل وجدت مفتاحاً تستعين به في حلها".
12-كل من قراءه قراءة عجلى، ظن أن كنْت قد قلّص من قيمة العقل. فهموا كلمة "نقد" بمعناها اللغوي أي السلبي هنا، رغم أن مفردة النقد بمعناها الفلسفي تعني وضع حدود المنقود وتمييزه عما ليس منه.
13-أخضع كنْت العقل للتحليل النقدي، دون أن يهدف إلى تدمير العقل. كل ما أراده هو أن يوضح إلى أي مدى يستطيع العقل الخالص أن يصل إلى المعرفة، ويقصد بالخالص، المجرد من أي تجربة علمية، بحيث لا يعتمد في تحصيل معارفه على التجارب ولا الحواس.
14-معرفة يُنشئها العقل من تلقاء نفسه، بحكم طبيعته وتركيبه، دون الرجوع إلى العالم الخارجي. لقد كتب كنْت في هذا البحث تحليلاً باهراً لأصل الأفكار وتطورها، ولطبيعة العقل الغريزية، وقد وقف ضد فكر المدرسة التي زعمت أن الحواس هي المصدر الوحيد للمعرفة، كما وقف ضد الميتافيزيقا التقليدية.
15-التجربة الحسية تخبرنا عما هو واقع بالفعل، لكنها لا تستطيع أن تقول إن هذا الواقع لا بد أن يكون هكذا، كما أنها لا تعطينا الحقائق العامة التي نحتاجها. فلا ضرورة فيها ولا شمولية، والمعرفة تحتاج للضرورة وللشمول لكي تكون معرفة حقيقية.
16-العقل هو الذي يمدنا بتلك الحقائق ويحوّل نتائج التجربة إلى قوانين وأحكام، إذاً فهو مصدر المعرفة الحقيقي. عندما تسمع 4 + 4 فأن هناك حكماً جديداً يبرز في ذهنك بدون تجربة، فتقول 4 + 4 = 8 . نحن لسنا مجرد انفعالات للتجارب، بل نحن أكثر من ذلك، بلا شك.
17-"نقد العقل الخالص" ليس عن المعرفة وكيف تتم فقط، بل يحلّق ويعلو على ذلك، فيبحث : كيف يمكن للعقل أن يعرف؟ لقد وضع كنْت نفسه متعالياً على العقل، ولذلك أسمى أبحاثه وفلسفته
Transcendental Philosophy
أو الفلسفة المتجاوزة أو الفلسفة النقدية، أي البحث في المعرفة الموجودة قبل التجربة.
18-إنه لا يقدم بحثاً فيما وراء الطبيعة بالطريقة الفلسفية الكلاسيكية، بل دراسة عن إمكانية العلم بما وراء الطبيعة. إذا ثبت أن الثقة ممكنة هنا، فكيف تكون؟
19-بعد انتهاء كنْت من رسم حدود العقل، انتقل إلى دراسة ما وراء الطبيعة، وبما أن العلم كله أحكام إنشائية، نثبتها أو ننفيها، فأن سؤال كنْت كان : هل في العقل أحكام نشأت فيه قبل أن يرى العالم الخارجي؟ وإذا كانت موجودة، فما وسيلة إمكانها؟ هذه هي المعرفة القبلية. priori knowledge
20-النتيجة التي خلص إليها كنْت بعد هذا البحث، هي أن عقولنا لا يمكن أن تعرف إلا عالم الظواهر، أما عالم "الأشياء في ذاتها" فذاك عالم لا يمكن الوصول إليه إطلاقاً، ويجب أن نتوقف عن محاولة الوصول إليه بالعقل.
21-ووقف كنْت موقفا وسطا بين واقعية البريطانيين ومثالية الألمان، فقبل أن الإحساس يجيء من الخارج كمادة أولية للمعرفة، وفي الوقت نفسه اعترف بفاعلية العقل ودوره في تحويل الإحساس الخام إلى مدركات حسية، مخالفاً بذلك جون لوك الذي نظرا إلى العقل على أنه مجرد عجينة تشكلها التجربة الحسية.
22-كلام كنْت عن السعادة كثير، بثه في عدد من كتبه ومذهبه في السعادة ينبثق من مذهبه العام في الأخلاق، فقد سعى كنْت لتأسيس منهج يقوم على أداء الواجب لذات الواجب، لا لأي سبب آخر.
23-ولأنه الفيلسوف الذي يطرح الأسئلة اللامفكر فيها ويفحص الأدوات قبل استعمالها، فقد تساءل عن أداتنا التي ستحقق لنا السعادة، لينطلق من ذلك إلى أن العقل لا يمكن أن يقوم بهذه المهمة، فالأداة التي تناسب هنا هي الغريزة.
24-العقل يصلح للتأمل في اللحظات السعيدة التي تحظى بها طبيعته وتقديرها، وفي رأيه، أن العقل كلما انغمس في متعة الحياة والسعادة، كلما ابتعد عن تحقيق الرضا الحقيقي.
25-يصعب حد الفعل الضامن لسعادة العاقل، هذه مشكلة لا يمكن حلها، وبالتالي لا يوجد ما يملي علينا ما يجب عمله لكي نكون سعداء، فالسعادة نموذج خيالي من وحي الخيال لا العقل، وبالتالي فإن فكرة السعادة ضرورية ككل مطلق، وحد أقصى من تحقيق راحة البال في الحالة التي أنا عليها في الحاضر.
26-الخير عند كنْت شيء يُشبع الإنسان في كليته، سواء على مستوى العقل، أو على مستوى الحساسية لكنه لا يتصور قيام السعادة بدون أداء الواجب الأخلاقي. ثم اختار الفصل بين تحقيق السعادة وتحقيق الفضيلة، وانحاز كليّة لتحقيق الفضيلة التي أرادها أن تكون قانوناً شاملاً يصلح لكل البشر.
27-السعادة ليست ندّاً للفضيلة في حال الخصومة بينهما ، لكنه كان يرى أن السعادة تأتي كنتيجة للفضيلة، أو كمكافأة على التحلّي بها، لا أن تكون منافسة لها. لكن هذا لا يمنع من القول بأنه كان على استعداد لرمي السعادة من فوق أقرب جسر، لو شك في أنها قد تتعارض مع الفضل والفضيلة والخُلق.
28-السعادة ليست غاية ننشغل بها، إنما هي نتيجة لنمو الأخلاقية، نتيجة لا ينبغي أن تتحول إلى هدف،وكأنه يرى أنه لا بد أن يحدث التعارض بينهما لا محالة،إذا كانت السعادة هي الغاية المقصودة من سعي الإنسان وحركته.لذلك قرر بأن السعادة التي لا تحكمها الفضيلة قد تتحول لحالة من الغطرسة.
29-إذن فالسعادة والفضيلة شيئان متمايزان عن بعضهما، والعيش في سعادة لا يعني أن سلوك هذا السعيد كان فاضلاً في كل حياته.على كل حال، لقد قرر كنْت أن السير في طريق يؤدي بالإنسان لأن يكون سعيداً، يختلف عن السير في طريق يجعل منه إنساناً فاضلاً.
30-هكذا لا ينبغي للإرادة أن تنشغل بالسعادة،فالإرادة يجب أن تكون مشغولة بتحقيق الخير الأسمى"الفضيلة"إذ لا يوجد شيء يمكن أن نعتبره حسناً بشكل مطلق إلا الإرادة الحسنة، لا الذكاء ولا الموهبة ولا الشجاعة ولا المثابرة، ولا أي شيء آخر يمكن أن نصفه بالحسن، إلا إذا ارتبط بالإرادة الحسنة.
31-كل هذه الصفات قد تحول لأشياء مشؤومة.السلطة والغنى والجاه والفخر وكل ما نسميه بالسعادة، كلها تولّد ثقة زائدة في الذات، وتتحول في الغالب إلى أمنيات، ما دام أنه ليس هناك إرادة حسنة تسمح لنا بتصحيح مسار تأثير هذه الامتيازات على الروح، وتسمح لنا بالسير قدماً نحو غايات كونية.
32-السعادة فكرة غير محددة المعالم، فهي ليست مفهوماً عقلانياً بل مفهوم خيالي، ولأن معطيات الخيال غير منضبطة، فلكل إنسان سعادته، ونتيجة لذلك سيكون من المستحيل أن توجد قوانين للسعادة بحيث تكون لها صفة أو صورة كليّة تنضوي تحت المبدأ الأخلاقي الحقيقي الذي يصلح للجميع.
33-بالتالي فإن الإصغاء يجب أن يكون للقانون الأخلاقي، والقانون هذا، لا يأمرنا بأن نعمل على تحقيق سعادتنا، بل إنه يأمرنا أن نغضّ الطرف عنها. ما يهم كنْت بالدرجة الأولى هو تأسيس مبدأ أخلاقي، والأخلاق عنده، ليست مذهباً يهتم بالكيفية والسبل التي تكفل لنا تحقيق السعادة.
34-بل كيف نجعل أنفسنا جديرين و مستحقين للسعادة، ولذلك كتب يقول كنْت :
-ليس شرطاً أن أعيش في سعادة ما حييت، وإنما أن أعيش فاضلاً ما حييت.
35-قدّم كنْت القيمة الذاتية لكل فرد وقرر أنه لا ينبغي التضحية بهذه القيمة من أجل المجتمع ككل، مع أن أخلاق الواجب تضحى بسعادة الفرد من أجل الجماعة. هذا تقرير ظاهره التناقض، إلا أنه يقصد بالقيمة الذاتية، فضيلة الفرد التي يراها فوق الفرد والمجتمع، على حد سواء.
36-في نصوص كنْت كلام كثير قد يوحي بالتقليل من قيمة السعادة وازدرائها، ولعل السبب في ذلك أن كنْت ربما تصور الباحث عن السعادة شهوانياً يبحث عن اللذات الحسيّة على طريقة أرسطبوس الإغريقي ومن سار على نهجه من الحسّيين أتباع الشهوات الساذجة.
37-إذا كانت هذه هي السعادة فمن حق كنْت أن يقف منها هذا الموقف، إلا أن الأمر ليس كذلك، فالسعادة بمعنى طمأنينة النفس وراحة البال والاعتدال في الاستمتاع بالملذات، لا تتعارض مع مذهبه في ضرورة التحلي بالفضيلة.
38-هنا نختلف مع كنْت في نظرته الجافة للحياة، فالسعادة والفضيلة ليستا متنافرتان، بل يمكن أن تسافرا في قافلة واحدة.
39-هذه الصرامة الأخلاقية ومبالغته في الاحتراز من الأمراض، أفادت كنت، فعاش80سنة. كان يعلم أن الوقاية خير من العلاج ولذلك عاش على جملة من القوانين الصارمة، منها أنه كان لا يتنفس إلا من أنفه إذا كان خارج داره
40-وكان لا يتحدث مع أحد أثناء نزهته اليومية في الغابة، لأن السلام والحديث سيؤدي به إلى التنفس من فمه وربما يلتقط الجراثيم الضارة.
41-في سن السبعين كتب مقالة بعنوان "مقدرة العقل على السيطرة على الشعور بالمرض بقوة العزيمة". هذه الفكرة طورها وليام جايمس في بحوثه النفسية، وعلى هذا الخط سار إبراهام مازلو. ولواين داير كتاب يحمل اسم "قوة العزيمة" يدور في هذا الفلك.
42-هذه فكرة جيدة سنحملها معنا في هذه الرحلة، فعدم الالتفات إلى الأمراض يُضعفها ويجعلها تضمحل، بينما التركيز عليها يقويها ويجعلها أكثر شراسة وفتكاً.
43-تم الفصل بحمد الله.
44-يستخدم كنت كلمة Transcendentalبمعان ثلاث.
-ضد التجريبي.
-الأعلى.
-الميتافيزيقي.
لكنها في الغالب تعني ما يعلو على التجربة، أي المبادئ التي تسمو بالعقل إلى ما فوق الحدود، ولذلك تسمى "المبادئ العالية".
45-باستحضار دراسة كنت الظاهرة في الصورة، يمكن إضافة السلام بين كل الشعوب كسبب جوهري للحياة السعيدة، لا للأفراد ولا لعرق، بل لعموم البشر. هذا بحد ذاته كاف لإدراج كنت في زمرة فلاسفة المنفعة العامة. لكنه ككل الفلاسفة الطيبين كان حالما وغير واقعي. يريد إلغاء الجيوش ومنع الاعتداء إلخ.
46-بالنسبة لهيغل، إيمانويل كنْت لم يخرج عن دائرة السفسطائيين، ولذلك قرنه ببروتاغوراس الذي جعل الإنسان مقياس كل شيء. وهو على المذهب الذي يقرر أن الشيء الساخن والشيء البارد يحصلان على هذا الوصف بسبب حاستنا، لا بسبب شيء موضوعي فيه.
47-الزمن بالنسبة لكنت، شيء في داخل الذات، وليس خارجها.

جاري تحميل الاقتراحات...