ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

23 تغريدة 105 قراءة Jan 09, 2021
عسير جدًا أن يقال لأحدهم اختر لنا مائة شخصية تراها الأكثر تأثيرًا في تاريخ البشرية ويستطيع ذلك، صعوبة الأمر تكمن في كم الشخصيات المؤثرة عبر التاريخ، وكذلك في تفضيل تلك الشخصيات بعضها على بعض ضمن منهجية منصفة، هل تمكّن أحدهم من تقديم عمل جدير بالتوقف؟
حياكم تحت..❤️
ذات يوم هبط مايكل هارت عالم الفيزياء الفلكية في وكالة ناسا عن كل معضلاته الفيزيائية ومناقشاته الحادة حول اعتقاده بوجود حياة خارج كوكبنا، هبط عن كل هذا واختار أن يخوض غمار تحدٍ جديد، لكن هذه المرة ليس في فضاءات الفضاء، ولكن في مضمار التاريخ ودروبه الشائكة.
خلال اطلاعه على السيرة الذاتية لفولتير، توقف عند إحدى المواقف التي تعرض لها الأخير، حينما كان مشاركًا ضمن تجمع ثقافي يبحث في الإجابة عن سؤال من هو الأعظم في التاريخ؟ استعرض فولتير أمام الحضور عددًا من الاحتمالات مثل يوليوس قيصر والإسكندر الأكبر والقائد المغولي تيمور لنك.
استعرض فولتير هذه الأسماء من باب استجماع عوامل النقاش، وها قد أتى الاستعراض ثمرته حين قام أحدهم وقال بل الأعظم في التاريخ هو اسحق نيوتن، بسهولة وافقه فولتير على ذلك، معللًا تأييده لهذا الطرح، بأن نيوتن حكم عقولنا بالمنطق والصدق، عكس هؤلاء القادة الذين استعبدوا العقول بالعنف.
بعد قراءته لهذا المقتطف عنت لمايكل هارت اليميني المتطرف صاحب الاعتقاد العنصري الراسخ بتفوق البيض وبأنهم أسياد العالم، عنت له فكرة فحواها الخوض في غمار التاريخ من أجل الخروج بقائمة كاملة لأكثر مائة شخصية تأثيرا في التاريخ، تحدٍ ليس باليسير أبدًا على مؤرخ فما بالنا بفلكي؟!
منذ صغره كان هارت مؤلعًا بالتاريخ أيما ولع، وهو ما جعله ينزع عنه قليلًا رداء الفضاء هابطًا إلى أرض التاريخ المفضلة لديه؛ وذلك من أجل مباشرة تأليف كتاب يستجمع الشخصيات الأكثر تأثيرًا عبر التاريخ وفي ذات الوقت يرتبهم ترتبيًا منطقيًا خاضعًا لأسس علمية دقيقة.
حاول هارت تجريد ذاته قليلًا من توجهاته، باحثًا أن يكون موضوعيًا قدر الإمكان، لذلك ارتأى أن يضع أسسا أكاديمية أو شروطًا محددة ينبني عليها اختياره للشخصيات ضمن الكتاب وكذا اختياره لموقعهم ضمن ترتيب المائة.
أول شرط وضعه هارت هو أن تكون الشخصية حقيقية فهناك شخصيات تاريخية شهيرة لكن لا دليل قاطع على أنهم عاشوا بالفعل، وضرب لذلك أمثلة مثل الحكيم الصيني ذائع الصيت لاوتسو، وكذا الشاعر الإغريقي هوميروس، وبناء على شرطه هذا استبعد مثل هذه الأسماء وأكثر.
كذلك استبعد هارت المجهولين، أصحاب العبقرية مثل أول شخص اخترع الكتابة وأول شخص اخترع العجلات، فهؤلاء ملموس وقعهم في الحياة، لكن لا أحد يعرف من هم، كذلك استبعد هارت كل الأشخاص المعاصرين له، على فرض أنه لا يعرف كم ستعيش آثارهم وينتفع بها الناس.
كذلك من ضمن شروطه؛ أن يكون الشخص المختار عميق الأثر في الوجود الإنساني وكذا عالمي التأثير، سواء أكان هذا الأثر طيبًا أم خبيثًا، لذلك لن نستغرب اختياره لهتلر ضمن قائمته، كذلك اعتمد في اختياره على مستقبل عظيم ممتد للبعض، لذلك نجد فراداي وماكسويل مكتشفي الكهرباء ضمن القائمة كذلك.
مايكل هارت وبعد تطبيقه لآلياته وشروطه الأكاديمية، يضع النبي محمد صلى الله عليه وسلم على رأس قائمته، وهو أمر أورد له عللا وأسبابا.
يبرر هارت اختياره قائلا" يندهش البعض من اختياري لنبي الإسلام أول القائمة، لكن محمد نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الديني و الدنيوي، فقد دعا إلى الإسلام ونشره إلى ذلك الحد الذي صدقه الناس، وكان قائدًا سياسيًا وعسكريًا عبقريًا، ولا يزال أثره متجددًا حتى اليوم."
هكذا علل هارت اختياره لنبينا الكريم في الموقع الأول ضمن قائمته، واستطرد متحدثًا عن أن النبي هو الشخصية الوحيدة ضمن قائمته التي شبت ضمن ظروف أسرية عصيبة وكذا ضمن مجتمع غير حضاري، لكنه تغلب على كل ذلك، ونقل مجتمعه إلى طريق جديد من الحضارة وسيادة العالم.
يستمر مايكل هارت في استعراض شخصياته الأكثر تأثيرًا، فيأتي بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم على الترتيب، "نيوتن - يسوع الناصري - بوذا - كونفوشيوس- بول طرسوس - كاي لون - يوهانس جوتنبرج - كريستوفر كولومبوس- ألبرت أينشتاين).
في تأخيره ليسوع الناصري إلى المركز الثالث يبرر هارت ذلك بأن المسيحية غير الإسلام، فيسوع الناصري من وجهة نظره لم يكن مؤسسًا وحيدا للمسيحية، فقد أرسى نعم المبادئ الأخلاقية والنظرة الروحانية والسلوكية، لكن الجانب اللاهوتي هو من صنع القديس بولس لذلك تقاسم معه الوجود ضمن القائمة.
وقد خلت القائمة من ذكر أي عربي آخر بعد النبي محمد سوى سيدنا عمر بن الخطاب والذي جاء في المرتبة الواحدة والخمسين، وذكر المؤلف أنه يستغرب عدم شهرة شخصية عمر رغم اثرها الكبير في التاريخ كما يقول
من ضمن الانتقادات التي وجِهت لمايكل هارت في اختياره شخصياته، هو خلوها من النساء إلا من امرأتين، وهو ما اعتبره البعض هضمًا لحق المرأة ودورها، لكن البعض الآخر يرى أن هارت يعتمد على الحقائق، والتاريخ بكامل فصوله لم يكن منصفًا تجاه المرأة وبرز الرجل كبطل وحيد مؤثر ضمن أحداثه.
وجِهت كذلك لهارت انتقادات أخرى من بينها الانتقائية في الاختيار وعدم الشمولية فبجانب وجود امرأتين فقط لم يوجد في القائمة سوى ثلاث أفارقة وواحد فقط من أمريكا الجنوبية، بينما من القرن العاشر وحتى الخامس عشر لم يختار هارت سوى ثلاث شخصيات.
كذلك لم يكن للأدباء والفنانين شأنٌ كبير في الكتاب، حيث يقول المؤلف في ذلك "أعتقد أن الأدباء والفنانين ليس لهم إلا أثر ضئيل في تاريخ الإنسانية، بينما نجد أن رجال الدين والعلماء والساسة والمكتشفين والمخترعين لهم أثر كبير على تطوير وتغيير الأوضاع."
صدرت النسخة الأولى من الكتاب عام 1978، حيث بيع منها أكثر من 60 ألف نسخة، ثم صدرت النسخة الثانية منه عام 1992، وقد تكفل بترجمة الكتاب إلى العربية الأديب المصري أنيس منصور، والذي يوجه لترجمته كثير من الانتقادات بسبب ما وصف بترجمة غير أمينة لبعض محتوى الكتاب.
أبرز الانتقادات التي وجهت لمنصور هي عنوان الكتاب ذاته، فالعنوان الاصلي هو "المائة: ترتيب أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ" وقد ترجمها منصور إلى "الخالدون المائة أعظمهم محمد رسول الله"، وجدير بالذكر أن الكتاب لا يتناول الأعظم بل يتناول الأكثر تأثيرًا وهناك فارق.
ثار حول الكتاب كثير من الجدل في الأوساط الغربية بسبب تصدر النبي محمد صلى الله عليه وسلم للقائمة، وعلى العكس تمامًا استقبله العالم الإسلامي بحفاوة بالغة، ولعل ذلك الأمر تجسد في استشهاد كثير من الدعاة المسلمين بكتابه، فضلًا عن تكريم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك لمؤلفه عام 1988.
ختاما :
من الشخصية الأكثر تأثيرا عليك انت شخصيا ؟

جاري تحميل الاقتراحات...