الصقر المصري🇪🇬(سارد الحقائق)
الصقر المصري🇪🇬(سارد الحقائق)

@medoesmaeil

220 تغريدة 28 قراءة Jan 13, 2021
سرد نبي الله #موسى_عليه_السلام بدون تحريفات أو إسرائيليات ...
التويتات مسلسلة
✍✍✍✍
1/عزيزي القاريء الكريم المُتابع لهذه السلسلة الخاصة التي يُقّدمها الحساب منذ قرابة الشهرين ...بدأنا بسيدنا آدم عليه السلام...وتوقفنا حتى سرد قصة نبي الله شُعيب عليه السلام ....وفي هذا السرد نستكمل ما بدأناه مع سرد مطوّل ربما يستمر لمدة تقترب من الشهر ...فعلى بركة الله نبدأ
2/إن قصة سيدنا #موسى_عليه_السلام هي أطول قصة في القرآن الكريم ...هي قصة فيها من العظات والعِبَر ما ليس في غيرها من القصص
3/ ..حيث إن كل قصة قرآنية تتميّز بالتركيز عن غيرها على جانب من جوانب الهداية والتوجيه..على الرغم من أن كلها تلتقي على هدف واحد وهو (بيان الصراع بين الخير والشر) وتقوم على منهج تربوي مُتكامل...وكل قصة تضع فيه قاعدة أو قواعد يندرج تحتها من خِصال الإيمان ما شاء الله عزّ وجّل
4/ولقد وردت قصة #موسى_عليه_السلام بمشاهدها المُختلفة ومواقفة المُتعددة في كل من السور القرآنية الآتية :
👈البقرة
👈الأعراف
👈يونس
👈هود
👈الإسراء
👈الكهف
👈طه
👈الشُعراء
👈النمل
👈القصص
👈الصافات
👈غافر
👈الذاريات
👈النازعات
وغيرها
5/وأكثر ما ورد في هذه السور هو رسالة موسى عليه السلام ومواجهته لطُغيان فرعون الهكسوسي وملئه وموقفه من بني إسرائيل في مصر ...وبعد خروجه منها
6/وجاء في سورة القَصص وحدها حديث مُفصّل عن ميلاد موسى عليه السلام ونشأته وخروجه من مصر إلى أرض مدين حيث التقى بالرجل الصالح فعمل لديه وتزوّج ابنته وقضى عنده (10) سنين ثم فارقه وسار بأهله إلى جبل الطور حيث كلّمه الله هناك وأوحى إليه بما أوحى وأرسله إلى فرعون وملئه وإلى بني إسرائيل
7/وفي الواقع لم نرَ في كتاب الله تعالى قصة نبي ذكر الله فيها ميلاده ونشأته إلا النبي #موسى_عليه_السلام ..كما أن المُتدبّر للقرآن الكريم سيجد أن قصة نشأة نبي الله موسى عليه السلام لم تتكرر بل ذُكرت في سورة القصَص فقط
8/ولقد مهّد الله لذلك بذِكر ما كان عليه فرعون الهكسوسي وقومه من علُو واستكبار وظُلم وطُغيان ...وما لقيه بنو إسرائيل في عهده من ذُل وهوان
9/فقال تبارك وتعالى في سورة القصص (1:4):(( طسم⭕تِلك آيات الكتاب المُبين⭕نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون⭕إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شِيَعاً يستضعف طائفة منهم يُذّبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المُفسدين))
10/وفرعون موسى هو هكسوسي ولم يكن من ملوك مصر ...بل كان أحد ملوك الهكسوس هو وملئه تلك القبائل الهمجية المُختلطة الأجناس واللغات الذين احتّلوا جزء من مصر وهو جزء من سيناء في فترة كانت فيها قلاقل سياسية في مصر وصراع على الحُكم
11/ولقد عاش هذا الطاغية الهكسوسي فرعون موسى يخشى على مُلكه من أهل مصر ومن بني إسرائيل أيضاً لهذا قسّم البلاد المصرية وغيرها من البلاد التي كانت تحت حُكمه إلى مُقاطعات صغيرة ...كل مُقاطعة لها قوة صغيرة تكفي لحمايتها..حتى يضمن الانفراد بالحُكم والسيطرة على حُكّام الولايات
12/وضرب بعضهم ببعض لينشغلوا عنه بأنفسهم فلا يُفّكرون في الاجتماع على حربه والقيام بالثورة عليه انتقاماً منه ودفعاً لظُلمه وشرّه وهذا معنى قوله تعالى((وجعل أهلها شِيَعاً)) أي أحزاباً مُتفرقين
13/وهذا أسلوب الطغاة في كل زمان ومكان وهو أسلوب يُزيد النار اشتعالاً ويجعل فئات الشعب تنضم بعضها لبعض للتخلص من الطُغيان والقضاء عليه...إن عاجلاً أو آجلاً
14/أمّا بنو إسرائيل فقد كانوا طائفة من أهل البادية وفِدوا على مصر بأمر يوسف عليه السلام وعاشوا فيها آمنين وكثر عددهم واشتد بأسهم وصاروا من أهل الرخاء والنعمة وكان أهل مصر يُعّظمونهم لانتسابهم إلى النبي يوسف عليه السلام
15/وبعد أن توفي يوسف عليه السلام ومضى على وفاته زمن طويل ابعتد أكثرهم عن الصراط المُستقيم وغلبت عليهم شياطينهم واشتد عدوانهم على أهل مصر...ورأى فرعون في منامه رؤيا مُعينة وعرضها على الكهنة ليُفّسروها فقالوا له إنه سيولَد نبي من بني إسرائيل في عصره ويدعو إلى خراب مُلكه وتأليه غيره
16/فأصدر فرعون مرسوماً بقتل كل طفل ذكر يولد لبني إسرائيل وأرسل عيونه في كل مكان يوجد فيه هؤلاء الإسرائيليون وهذا معنى قوله تعالى(( يستضعِف طائفة منهم يُذّبح أبناءهم ويستحي نساءهم))
👈إستحياء النساء يعني تركهن أحياء للخدمة في قصور السادة والأمراء
17/ولقد بلغت هذه القسوة حدّاً ترفض سماع ذِكره الآذان إذ كان يُذبَح الطفل عند ولادته أمام أمه وأبيه وباقي أهله دون أدنى رحمة أو شفقة فأي سلوك هذا الذي كان يتبعه الهكسوسي الطاغية فرعون موسى !!
18/ولقد عظُم الخطب واشتّد الكرب ببني إسرائيل وبلغ البلاء مداه وكان لابد من الفرج وإن النصر مع الصبر وإن الفرج مع الكرب وإن مع العُسر يُسرا ...ولقد جاءهم الفرج بعد زمن طال أمده ..وذلك بعد أن أغرق الله فرعون ومن معه ونجّا موسى ومن معه من المؤمنين
19/وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى في سورة القصص(5:6):(( ونُريد أن نمنّ على الذين استُضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين⭕ونُمكّن لهم في الأرض ونُرِي فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذَرون))
20/إن الشر عندما يخلو من الخير تماماً يحمل في طياته أسباب القضاء عليه وعلى أهله ...إمّا على يد الأخيار الذي يُبعثون إلى مواطن الشر من هنا وهناك ...وإما من القُدرة الإلهية فلا تُبقي من الأشرار أحداً
21/فبني إسرائيل لمّا ظُلموا ظُلماً أحاط بهم سُرادقه واشتدّت عليهم وطأته وعدهم الله بالخلاص على يد رجل منهم من أولاد(لاوى بن يعقوب) وقد أخبرهم بذلك علماؤهم وشاع هذا الوعد بينهم فكان يواسي بعضهم بعضاً بقُرب قدومه ..ولعل هذا الخبر قد وصل إلى فرعون فخاف على مُلكه منهم ففعل بعم ما فعل
22/ولمّا استمر قتل الأطفال الذكور من بني إسرائيل قلّ عددهم ومبر رجالهم وصاروا غير قادرين على الخدمة في بناء الدور والقصور وغير ذلك...فقرّر فرعون أن يُقّلل من فتل الأطفال الذكور فيعفو عن أطفال سنة ويقتل أطفال سنة
23/ ووُلد هارون في السنة التي لا قَتل فيها وذلك قبل موسى بسنة ....هذه كانت مُقدّمة مُختصَرة عن حياة بني إسرائيل في مصر..ذكرها الله عزّ وجّل في بداية سورة القصَص تمهيداً لذِكر قصة نبيّه #موسى_عليه_السلام من ميلاده إلى نهاية أمره ....وللحديث بقية إن شاء الله تعالى
✍✍✍✍
24/⛔أولاً: نسَب موسى عليه السلام وميلاده نشأته: ينتسب نبي الله #موسى_عليه_السلام إلى أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام فهو : موسى ابن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم
25/أما والدة نبي الله موسى عليه السلام فهي: لوخا بنت هاند بن لاوى بن يعقوب...وقيل (يوكابد) وهو الإسم المشهور في كتب التاريخ والسيَر
26/ولقد وضعت حملها فلمّا رأته ذكراً كادت تُصعَق من شدة الخوف عليه ولم تعرف كيف تُخفيه عن العَسَس الذين يطوفون ليل نهار على الحبالى من بني إسرائيل ليعرفوا خبر كل مولود يولد منهم
27/ولقد لمحت الأم في وجه ولدها نوراً لم ترَه في وجوه الأطفال وشعرت أن لولدها هذا شأن عظيم فبالغَت في إخفائه عن أعين الناس قريبهم وبعيدهم وخافت أن تُرضعه فيراه واحد من الناس فيُبّلغ زبانية فرعون عنه فيقتلوه كما قتلوا ألوفاً غيره حيث إن موسى وُلد في سنة قتل الأطفال وليست سنة العفو
28/فأوحى الله إلى الأم في المنام أو ألهمها في اليقظة أو بعث إليها ملَكاً تسمع صوته ولا تراه أو بعث الله إليها ملَكاً في صورة رجل يقول لها: أرضعيه واستمري في إرضاعه فإن خفتِ عليه فألقيه في اليّم ولا تخافي عليه من الغرق ولا من الضياع
29/ولاحظ أن هذه أول مُعجزة لموسى وهو رضيع حيث ذكر الله ألقيه في اليم...واليم هو المكان الغريق أي الذي لا منجى منه ..ولذلك ذُكرت لفظة اليم في قصة موسى ليُبرز الله المعجزة بأنه سينجي موسى من هذا المكان الغريق حتى يأخذه فرعون وأنه قادر على إنقاذه حتى لو أُلقي في اليم ...سبحانك ربّي
30/أخبرها الملَك أن تُرضعه وتستمر في إرضاعه وإذا خافت عليه تُلقيه في تابوت يكون حاضراً لديكِ وتُلقي التابوت في اليّم ولا تخاف عليه من الغرق ولا الضياع ...وأخبرها أن سيصل إلى يد فرعون عدو الله وعدوه ..لكنه سيسلَم من شرّه وسيُرّبيه في بيته رغم أنفه 😎
31/ووعدها الله عزّ وجّل أن يردّه إليها بعد وقت قريب لتُرضعه وتُغّذيه وتقر به عينها ولتعلم أن وعد الله حق وبشّرها أيضاً بأن هذا الرضيع سيكون رسولاً إلى بني إسرائيل وسيُجري على يديه المُعجزات وينصره على فرعون وملئه
32/وفي هذا يقول الله تعالى في سورة القصص آية(7): ((وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليّم ولا تخافي ولا تحزني إنّا رادّوه إليكِ وجاعِلوه من المُرسَلين))
33/وأعدّت الأم تابوتاً وكان بيتها على شاطئ النيل وعزمَت على أن تُلقي موسى في التابوت إلى النيل إذا شعرت بخطر يُداهمها...وربطت التابوت بحبل رفيع حتى تستطيع أن تردّه إليها إذا زال الخطر
34/وفي أحد الأيام نسيَت الأم أن تربط التابوت بالحبل أو ربطته به لكنه أفلت منها أو انقطع...وقذَف النيل بالتابوت إلى قصر فرعون فأرسلت امرأة فرعون في طلب التابوت
35/وكانت امرأة فرعون ...إمرأة صالحة تدين بدين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام وهي : آسية بنت مزاحم بن عبيد بن (الريان بن الوليد) ملك مصر في عصر يوسف....وهي ممّن كمل من النساء وأثنى الله عليها في كتابه وضربها مثَلاً للمؤمنين والمؤمنات
36/فقال تعالى في سورة التحريم آية(11):(( وضرَب الله مثلاً للذين آمنوا إمرأة فرعون إذ قالت ربٍ ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة ونجّني من فرعون وعمله ونجّني من القوم الظالمين)) ...وسيأتي الحديث عن هذه المرأة الصالحة المؤمنة في هذا السرد حسب الترتيب
37/وجاء الخدَم بالتابوت إلى امرأة فرعون فلما فتحته أبصرت وليداً بهيّ الطَلعة جميل الصورة مُستنير الوجه...ففرحت به فرَحاً شديداً وقالت (موشى موشى) ومعنى موشى أو موسى في لغة أهل عصرها : الوليد ...
فاشتُهر بهذه التسمية
38/فلمّا جاء فرعون وأبصَره غضب من وجوده في بيته ولقد رأى أنه ليس من بني جلدته وأمر بذبحه على مرأى منه فاستوهبته منه آسية ونهت عن قتله وقالت لفرعون: دعهُ حيّاً ليكون قُرّة عين لي ولك نسعَد برؤيته وننعَم بوجوده معنا في بيتنا
39/وعسى أن ينفعنا في تدبير شئون المُلك أو نتخذّه ولداً ننسبه إلينا ونفخَر به بين أهليّنا وذوينا وقد حُرمنا من الإنجاب فاستجاب لها فرعون بعد أخذ ورّد فتركه بين يديها وانصرف
40/وفي هذا يقول الله تعالى في سورة القَصص (8:9):(( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحَزَناً إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين⭕وقالت امرأة فرعون قُرّتُ عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذّه ولداً وهم لا يشعرون))
41/أما بالنسبة لأم موسى فإنها قد أصبح قلبها خالياً من كل شيء إلا من وليدها... ولقد كادت تفقد وعيها وتُظهر أنه وليدها وتستغيث بمن يأتيها به ويستخلّصه باللين أو بالشدة من أيدي أولئك الفُجّار الذين خلَت قلوبهم من الرحمة وتجرّدوا من كل صفات الإنسانية الخيّرة
42/إلا أن الله عزّ وجّل ثبّت قلبها وقوّى عزمها على الصبر والاحتساب وذكّرها بما وعدها به فالتزمت جانب الحِكمة وأخذت بالأسباب واستعانت بالله على تحقيق هذا المطلب كما هو شأن المتوكّلين
43/ فأرسلت أخته وهي (كلثم بنت عمران) لتُبصر حالة في قصر فرعون من بعيد خوفاً عليها من بطشهم ولكي لا يشكّوا في أمرها فيُجبروها بالقوة على الاعتراف بأنه أخوها فيقتلوه ويقتلوها
44/وفي ذلك يقول الله عزّ وجّل في سورة القصص (10:11):(( وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتُبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ⭕وقالت لأخته قُصّيه فبصُرت به عن جُنُبٍ وهم لا يشعرون))
45/👈قُصّيه: تتبعي أثره لتعلمي خبره
👈عن جُنُب: عن بُعد بحيث تتخذين لكِ جانباً من جوانب القصر بعيداً عن الشك والتهمة..
فبصُرت به أخته وعرفت أن امرأة فرعون جاءت له بمُرضعات كثيرات فحرّمهن الله عليه فلم يتناول ثدي واحدة منهُنّ ...سبحانك ربي 🙏
46/وهنا تدخلت أخته تنصحهم فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يُحسنون كفالته ويُكرمون مثواه ويقومون بشأنه كل خير قيام ..فقبلوا منها هذا النُصح بعد أن استوثقوا من صدقها وأيقنوا أنها لا تعرف الرضيع وليس لها به صلة
47/فدلّتهم الأخت على أمه فأرسلوا إليها وهُم لا يشعرون بأنها أمُه وقدّموا لها الرصيع لتُرضعه فتناول ثديها وامتصه بسهولة ويُسر ففرحوا بذلك فرحاً شديداً ..وقالت امرأة فرعون لها : اسكُني معنا في هذا القصر الكبير لتُرضعي هذا الوليد
48/فاعتذرت أم موسى بأنها لا تستطيع العيش معهم في هذا القصر ولها زوج وأولاد وطلبت منهم أن تصحب الرضيع إلى بيتها فأجابوها إلى طلبها وأرسلوه معها وأغدقوا عليها وأوسعوا لها العطاء 😎
49/وعاش موسى مع أمه في أمن ورخاء حتى شبّ وبلغ أشدّه واستوى عوده فقرّت به عينها صغيراً وكبيراً ونعمت بصُحبته حتى لقيت ربّها عزّ وجّل
50/وفي هذا يقول الله تعالى في سورة القصص (15:16):(( وحرّمنا عليه المراضِع من قبل فقالت هل أدلُكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون⭕فردَدناه إلى أمه كي تقرّ عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون))
51/👈((فردَدناه إلى أمه)): إشارة إلى تحقق الوعد الأول وهو ما جاء في قوله تعالى (( إنّا رادّوه إليكِ)) وأما الوعد الثاني وهو ((وجاعِلوه من المُرسَلين)) فقد تحقّق بعد أن بلغ موسى (40) عاماً
52/ولقد أشار إليه قوله تعالى(( ولمّا بلغ أشدّه واستوى آتيناه حُكماً وعِلماً وكذلك نجزي المُحسنين)) وبلوغ الأشّد أي اكتمال الرجولة ...والاستواء هو اكتمال العقل والقوة الجسمية والملكات النفسية التي تجعل الرجل قادراً على تأدية أعظم المهام وخاصةً إذا كان مُزوّداً بالعِلم والحِكمة
53/ولقد أشار إليه قوله تعالى(( ولمّا بلغ أشدّه واستوى آتيناه حُكماً وعِلماً وكذلك نجزي المُحسنين)) فعندما بلغ موسى أشدّه واستوى آتاه الله حكماً أي سُلطان مادي ومعنوي وقدرة على تدبير الأمور وسياسة القوم وهدايتهم للدين الذي ارتضاه الله لهم
54/ وآتاه الله علماً بأمور الدين والدنيا فكان أعلّم بني إسرائيل وأنزل الله عليه التوراة فيها هُدى ونور فعلم منها ما لم يكن يعلم وورث عن آبائه شيئاً كثيراً مما تركوه من العِلم فاجتمع لديه علم غزير مع السُلطان المادي والمعنوي فكان وجيهاً عند الله وعند الناس..
وللحديث بقية
✍✍✍✍
55/👈قتل موسى للقبطي وما ترتب عليه: كان #موسى_عليه_السلام يدين بدين آبائه كما وجد على هذا الدين أمه وأباه وكثيراً من أهله ...فلمّا رأى فرعون منه ذلك أبغضه وربما يكون قد نفاه عن المدينة ومنعه من دخولها ..وذلك كما نستّشف من من سياق هذه الحلقة من القصة
56/فقد دخل موسى عليه السلام المدينة وهي #ممفيس وأهلها في غفلة عنه فوجد فيها رجلين يقتتلان ...رجلاً من شيعته بني اسرائيل...ورجلاً من القِبط أي من أهل مصر ..فاستغاثه الذي من شيعته وخلّصه من يد القبطي بوكزة قضت عليه فاستشعر موسى بالندم على ما حدث منه فاستغفر ربّه فغفر له وعفا عنه
57/قال تعالى سورة القصص(15:16):((ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين⭕قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم))
58/فقوله تعالى (( ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها )) يدل على أن موسى عليه السلام كان ممنوعاً من دخولها وكان يعيش بمعزل عن أهلها
59/والتصريح في الآية بأن الرجل الذي وكزه من عدوه يدل على أن القِبط كانوا في عداوة شديدة بينهم وبين بني إسرائيل ..فلو قتله موسى عمداً ما كان عليه إثم...لكنه لم يقتله عمداً بل ولا خطأ ...لكن مات الرجل قضاءً وقدَر
60/ولقد رأى #موسى_عليه_السلام أن موت الرجل على يديه بالنسبة له ذنب يجب الاستغفار منه وأن مثله لا ينبغي أن يكون سبباً في موت أحد حتى لو كان من عدوه إذا أمكن دفع عدوانه من غير قتله وحسنات الأبرار سيئات المُقربين وذنوبهم أخطاء وليست خطايا فكُل خطية خطأ وليس كل خطأ خطية
61/والأنبياء مُنزّهون عن المعاصي صغيرها وكبيرها قبل الرسالة وبعدها ...ولقد عزم موسى عليه السلام بعد قتل هذا القبطي ألا يكون نصيراً لمُجرم من المجرمين سواء كان من شيعته أو من عدوه
62/وذلك قياماً بشُكر الله تعالى على وافر نعمه واستخداماً لهذه النعم فيما فيه نصرة الحق على الباطل فقال تعالى في سورة القصص 17 (( قال ربّ بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمُجرمين))
63/أي بسبب ما أنعمت به عليّ من الحكمة والعلم والقوة الجسدية فلا ينبغي أن أكون في يوم من الأيام بعد الذي حدث نصيراً إلا للحق ..وهذا شأن أهل الحق دائماً لا يخافون في الله لومة لائم ..ولا يميلون مع الهوى حيث مال
64/فأصبح موسى عليه السلام بعد قتل القبطي خائفاً مما قد يُدّبر له في الخفاء من الذي نصره على عدوه لأنه مُجرم لا يرقب في أحد إلّاً ولا ذمة فقد يكون هو الذي يُبّلغ أمره للحاكم ويوشي به عنده وهذا متوقع لأن بني اسرائيل معروفون بالنميمة والخيانة وإنكار المعروف
65/ظل موسى عليه السلام يترقّب الخبر ويُراقب سير الأمور لينجو بنفسه في الوقت المناسب فإذا به يجد على أطراف المدينة هذا الرجل الذي استغاث به بالأمس يستنصر به مرة أخرى على مصري آخر فأنكّر عليه موسى سوء خلقه وقبح أفعاله وقال له: إنك لغوّي مُبين لا تكُف عن الشجار والعدوان
66/فلمّا أراد موسى عليه السلام أن يبطش بالمصري لأنه هو المُعتدي على الإسرائيلي خاف الإسرائيلي أن يقتله موسى لمّا سمع من تعنيفه له
67/ فصاح الإسرائيلي بأعلى صوته قائلاً: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ! يا موسى ما تريد إلا أن تكون جبّاراً في أرض مصر تُزهق الأرواح وتسفك الدماء وما تريد أبداً أن تكون من المُصلحين كما تدّعي
68/قال تعالى سورة القصص(18:19):((فأصبح في المدينة خائفاً يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغويّ مبين ⭕فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تُريد إلا أن تكون جبّارا في الأرض وما تُريد أن تكون من المُصلحين))
69/لقد أراد موسى عليه السلام أن يبطش بالمصري في هذه المرة لأنه كان هو الظالم للإسرائيلي ...إلا أنه عنّف الإسرائيلي لأنه وجه شؤم لا يُرى إلا في الشر وأنه يُعّرض نفسه دائماً للإهانة والمذلة ويُلقي بنفسه في المهالك من غير مُقتضى يقتضي ذلك
70/والبطش هنا ليس معناه القتل بالضرورة بل من معانيه الضرب والدفع بقوة وشدة...وذلك المصري كان يستحق ذلك لأنه المُعتدي ...أما الإسرائيلي فكان سليط اللسان
71/ويبدو أن الإسرائيلي كان مؤمناً بدين اسحاق ويعقوب عليهما السلام ...فلو كان كافراً لما نصره موسى لأن موسى لا ينصر القريب لقرابته لكن ينصر الرجل لدينه وكرامته فتكون نصرته جهاداً في سبيل الله وليس للعصبية أو الثورة الجاهلية
72/ولما علم فرعون الهكسوسي بما حدث من موسى جمع أفراد حاشيته ومُستشاريه ليروا رأيهم فيه فحكموا جميعاً بقتل موسى مُجاملة لفرعون ومسايرة له
73/فقالوا: إن هذا الفتي يُهّدد مُلكك ويسعى لزعزعة الأمن في البلاد ولو تُرك وشأنه لاستعصى أمره عليك وجمع جموعه لحربك ...إلى غير ذلك مما يصدر على ألسنة المُنافقين في مثل ذلك الموقف
74/وكان هناك رجل شريف يسكُن أطراف المدينة قد سمع قولهم وعرف مكرهم فجاء إلى موسى يسعى فأخبره بما عزم عليه فرعون وملئه ونصحه بالخروج من المدينة إلى أرض بعيدة بحيث لا يعلم بمكانه أحد ..فقبل موسى نُصحه وخرج من المدينة خائفاً من أن يتعرّض أحد له بسوء
75/وبالفعل خرج موسى عليه السلام من مدينة ممفيس يرقُب العيون ويتحسّس الخبر ...حتى وجد نفسه في الطريق إلى أرض مدين فهروّل لها ضارعاً إلى الله سبحانه وتعالى أن يهديه إلى سواء السبيل الذي لا يُضِل فيه ولا يُضَل ولا يَذل فيه أو يُذل
76/قال تعالى في سورة القصص (20:22):(( وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرُج إني لك من الناصحين⭕فخرج منها خائفاً يترقّب قال ربّ نجنّي من القوم الظالمين⭕ولما توجّه تلقاء مدين قال عسى ربّي أن يهديني سواء السبيل))
77/ولقد ذكر الله عزّ وجّل أن الرجل قد جاء من أقصى المدينة أي من أطرافها البعيدة للدلالة على أنه من الأشراف وليس من العامة فإن الأطراف سكنى الأشراف ...وربما قال ذلك للدلالة على أنه جاء من قصر فرعون نفسه لأن قصره كان في أقصى المدينة ...مدينة ممفيس
78/وهذا الرجل لم يُخبر موسى فقط بأن الملأ يأتمرون به ..لكنه قد نصحه بالخروج وأخبره بعظيم إخلاصه له وحبه له ولعل هذا الرجل كان على دين موسى وليس على دين فرعون الهكسوسي
79/ويُقال إن هذا الرجل كان من أقاربه والمُقرّبين له ...وليس هو الرجل المؤمن الذي ذُكر في سورة غافر فقد كان هذا قبل الرسالة... أما الذي ذُكر في سورة غافر فكان بعدها
80/فخرج موسى عليه السلام من المدينة (ممفيس) خائفاً شأنه في ذلك شأن البشر ...لكنه كان متوكلاً على الله مُعتمداً عليه لا على قوته وحُسن تدبيره في التخفّي والتلطُف فقال ما يقوله كل مؤمن بالله واثق بنصره وعونه((ربّ نجّني من القوم الظالمين))
81/وعندما سلك موسى الطريق إلى أرض مدين لم يعتمد على علمه في قصّ الأثر وتتبعه لسير النجوم ...لكنه اعتمد على هداية الله وتوفيقه له ...وصدق الشاعر حيث قال
👈إذا لم يكُن من الله عوْن للفتى... فأوّل ما يجني عليه اجتهاده
82/ولكن السؤال : لماذا توجّه موسى إلى أرض مدين؟؟!!
لعلّه كان يعرف أن فيها رجل صالح سيجد عنده من الخير ما يتمنّاه فسعى إليه ...وصنع الله معه ما قرّبه منه ومن مجلسه وجمع بينهما في خير حتى صاهره وبقي معه في مدين ما شاء الله
83/وهذا الرجل الذي قصده موسى عليه السلام هو نبي الله شُعَيْب عليه السلام....وانتهى موسى إلى ماء مدين (مدينة في شبه الجزيرة جهة الشام بالقُرب من خليج العقبة قبالة تبوك)
84/فوجد موسى عند الماء جماعة يسقون دوابهم وأنعامهم ووجد امرأتين تسوقان الغنم بعيداً عن الماء خوفاً من مزاحمة الرجال ...أو أن أهل مدين كانوا لا يُمّكنونهما من السقي كُرهاً لأبيهما شُعيب (وأنتم تعلمون كرههم له كما ذكرنا في السرد الخاص به)
85/فعّز على موسى أن يراهما في هذا الحال وحّز في نفسه مجيئهما لأن من العادة أن يأتي للماء للسقي الرجال دون النساء فسألهما عن شأنهما فأخبرتاه أنهما لا يسقيان حتى يصدر الرعاء أي حتى يرجعوا لأماكنهم ويتركوا الماء لمرأتين ثم يضعون على البئر حجر كبير يقدر على حمله العصبة أصحاب القوة
86/واعتذرتا إليه بأن الذي حملهما على المجيء عدم وجود رجل يكفيهما ذلك وأخبرتاه أن أباهما شيخ كبير ولعلهما أرادتا بذلك أن تخبراه بأنهما خاليتان من الأزواج وعليه أن يفهم ما وراء ذلك ..فالمرأة لها قدرة عجيبة على التلميح بما تريده وعلى التعبير بما يدور في خُلدها بالتلويح دون التصريح
87/ولقد فطِن موسى لذلك فسقى لهما ثم تولّى إلى الظل وجلس يدعو الله عزّ وجّل أن يُنزل عليه من بركاته ما يسّد حاجته من الطعام وغيره
88/قال تعالى في سورة القصص (23:24):(( ولما ورَد ماء مدين وجد عليه أُمّة من الناس يسقُون ووجد من دونهم امرأتين تزودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يُصدَر الرعاء وأبونا شيخ كبير ⭕فسقى لهما ثم تولّى إلى الظل قال ربّ إني لِما أنزلت إليّ من خيرٍ فقير))
89/ولبث موسى هُنيهة من الوقت في الظل يذكر نعم الله عليه ويُظهر افتقاره إليه ...والمرأتان عادتا لأبيهما وهما في عجب شديد من قوة هذا الفتى وشهامته ومروءته وحيائه وعفّته ومهابته ووضاءة وجهه وغمرهما حبه فالإعجاب يُوّلد الحب ويدعو له غالباً خاصةً إذا صدر عن المرأة من جهة الرجل
90/وقصّت كل منهما على أبيهما ما رأت منه فأرسل إحداهما إليه يدعوه لضيافته وإعطائه أجره على السقاية إن أراد ذلك ..فجاءت إليه على استحياء تدعوه إلى بيت أبيها فوافق على الدعوة وقال لها: إمشِ خلفي فإن أخطأت الطريق فأشيري إليه بحجر تلقيه فيه لأصحح المسار وأسلكه
91/فلمّا انتهى موسى عليه السلام إلى بيت شُعيب عليه السلام وجلس عنده وقصّ عليه قصّته من أولها لآخرها أمّنه على نفسه وبشّره بنجاته من القوم الظالمين
92/قال تعالى في سورة القَصَص(25):(( فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليَجزيك أجر ما سقيت لنا فلمّا جاءه وقصّ عليه القصَص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ))...
وللحديث بقيّة إن شاء الله تعالى
✍✍✍✍
93/((جاءت على استحياء)) أي جاءت وكأنها تمشي على الحياء...وكأن الحياء قد تمكّن منها وتمكّنت منه لأن (على) يدل على الاستعلاء والتمكن وهو تعبير قرآني يصور حالة هذه المرأة وما هي عليه من أدب كثير وخلق فاضل ..وأعظم ما في خَلق المرأة حياؤها
94/لكنها لم تكن موفقة في قولها(( ليجزيك أجر ما سقيت لنا)) وهي تتوقع بل تعلم أنهومثله لا يعمل هذا العمل ليأخذ عليه أجراً لأن مروءته وشهامته ترفض عليه ذلك
95/وموسى عليه السلام لم يقف أمام هذه الكلمة ولم يهتم بها لأنها راعية غنم تتميّز عن غيرها من المُتحضّرات بالإفصاح عما بداخلها بعفوية وصراحة وبدون جماليات أو مجاملات
96/المهم أن أباها يدعوه لزيارته وعليه أن يُلّبي الدعوة ويترك أمر الأجر للظروف فربما لا يكون الأجر مادياً ويكون مُناسباً لقدره مُتّفقاً مع حاله ووضعه غير جارح لشعوره ولا مُتناقض مع مروءته ...وقد كان كذلك فعلاً كما سيتضح فيما بعد
97/ولقد استأنس #موسى_عليه_السلام بنبي الله شُعيب عليه السلام ووجد عنده مُنتهى مُراده ومحّط رِحاله وتمنّى من أعماق نفسه أن يلزمه ليتعلّم منه العِلم والحِكمة ولو يستأجره في رعي الغنم
98/والتقت مشاعر #موسى_عليه_السلام بمشاعر المرأتين فكل منهما تريد من الفتى أن يبقى عند أبيها إلى ما شاء الله أن يبقى فبادرت إحداهما ببث مشاعرها إلى أبيها في صراحة ووضوح بدون إلتواء فقال تعالى في سورة القصص 26 (( قالت إحداهما يا أبتِ استأجِّره إن خير من استأجّرت القوي الأمين))
99/أي اتخّذه أجيراً عندك فإن خير من استأجّرته القوي القادر على مزاولة الأعمال الشاقة والأمين على مالك وعرضك ...
وقول المرأة لأبيها((استأجّره)) فيه شيء من الجفاء في التعبير لكنها لم تجد حيلة تُبقيه بها في مدين إلا أن يكون أجيراً عند أبيها فليس هناك في المدينة عمل أشرف من هذا العمل
100/أما أبوها فقد عرف قدر موسى وسمو مكانته من خلال حديثه معه فأراد أن تكون مصاهرته هي التي تُبقيه في المدينة مُعززاً مُكرماً لا يشعر بالغربة ولا يعاني من العُزلة فالأجير غالباً ما يكون بعيداً عن نظر وقلب المستأجر فكل ما بينهما هو العمل من قِبَل الأجير والأجرة من قِبَل المستأجر
101/أما المُصاهرة ففيها امتزاج العواطف واختلاط الدماء واتصال الأنساب بالأنساب والأرحام بالأرحام ...ولذلك اتجّه النبيّ شعيب إلى موسى يُخّيّره في الزواج بين ابنتيه على أن يكون مَهر من يختارها أن يعنل أجيراً عنده لمدة(8) حُجج(سنين) وإن أراد جعلها (10) إذا لم يجد في ذلك مشقّة
102/ووعده شُعيب بأن يكون عند حُسن ظنه وأنه سيجده مثال الخُلق الفاضل في المُعاملة لا يظلمه ولا يُحّقره ولا يطلب منه الأعمال التي لا يستطيع عملها
103/قال تعالى في سورة القصص 27 (( قال إني أُريد أن أُنكِحَك إحدى ابنتيَّ هاتَيْن على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشُقّ عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين))
104/وهكذا يجيء شُعيب إلى موسى صريحاً واضحاً كما يجيء إلى ابنته أباً حانياً عاطفاً لا يرى حرَجاً في أن يتخيّر لها الرجل الذي تتمنّاه زوجاً لها ولكن يمنعها حياؤها عن أن تعرض نفسها عليه
105/وما أبرّع شُعيب وأحكمه وأعدله فيما بينه وبين موسى من جهة ثم فيما بينه وبين ابنتيه من جهة أخرى فهو لم يُرد أن يفرض على موسى واحدة بعينها من ابنتيه هاتين بل خيّر موسى من يشاء منهما فلقد رآهما من قبل كما رآهما في بيت أبيهما
106/ وليس من الحكمة أن تُفرَض عليه واحدة بعينها حتى ولو كان لموسى رغبة فيها ولها رغبة فيه فإن هذا الفرض من شأنه أن يُزعج موسى ويصدم إرادته ويُصادِر رأيه
107/ثم إن موسى سيعيش في بيت شُعيب فإن لم يكن قد اختار هو بنفسه من يتزوجها سيكون في ذلك تنغيص له واضطراب لحياته الزوجية ومعادلة وموازنة دائماً بين الأختين في كل وقت ...الأمر الذي يجعل هواه دائماً مع من لم يكن له خيار فيها..وهكذا هو الإنسان.. وموسى إنسان من لحم ودم وقلب ومشاعر
108/ثم إنه بهذا التدبير الحكيم قد ساوى الأب في القسمة بين ابنتيه في هذا الذي ساقه الله إليهما في صورة رجل من أندر الرجال فالأب لا يُفّضل هذا الخير لإحدى ابنتيه على الأخرى ولو كانت الكُبرى
109/..فلو فعل شُعيب هذا لكان في نفس الأخرى أسى ومرارة ...وليس الأمر كذلك إذا كان الخيار لموسى أو كان بالتراضي بين الأختين حيث تبدو كل منهما وكأنها تُفّضل أختها عليها
110/ومن ناحية أخرى فإنه واضح من قول شُعيب(( إني أُريد أن أُنكِحَك إحدى ابنتيّ هاتين)) أنه لم يُفصح عمّن يكون له الخيار فيهما أهو شعيب أم موسى ..وهذا أمر إن تم على هذا الشكل في هذا الموقف وفي مواجهة البنتين فإنه قد ترك البَت فيه لمجلس خاص بين الرجلين
111/فإذا انكشف الأمر بعد ذلك عمّن وقع عليها الاختيار كان من موسى أو من شُعيب أو منهما معاً وهكذا تتوزّع الصدمة (إن كان هناك صدمة) التي رُبما تُصيب من لا يقع عليها الاختيار بين عذه الاحتمالات فتخّف وتهون
112/وهكذا تتم الصفقة بين النبيين الكريمين فيفُز شُعيب بالقوي الأمين الذي يبذل في خدمته كل ما عنده من قوة وأمانة ويفُز موسى بابنة هذا النبي ..التي كان حُسن تدبيرها ولمعة ذكائها وصدق فراستها ..خير علاقة تجمع بين الرجلين وتفتح قلب كل منهما لصاحبه قبل أن يلتقيا
113/ولقد عرض شُعيب على موسى هذا العرض الكريم وخيّره فيه وجعل مَهرها خدمته (8) أو (10) أعوام فقبل موسى عليه السلام الشرط واختار الزوجة ولم يُقرّر بالأجل هل سيعمل (10) أم لا وذلك تأدباً مع الله تبارك وتعالى وإفساحاً لنفسه فقد يستطيع أن يُتمها (10) وقد لا يستطيع والأمر في ذلك لله
114/ولذلك أجاب موسى عليه السلام إجابة تُلزمه بمدة (8) أعوام وليس (10) فقال تعالى في سورة القصص 28:(( قال ذلك بيني وبينك أيَّما الأجلين قضيت فلا عُدوان عليّا والله على ما نقول وكيل))
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى
✍✍✍✍
115/⛔خروج موسى عليه السلام من أرض مدين إلى الطور: ألقى موسى عصاه في مدين وطاب له فيها المقام ونعم بصُحبة النبي الصالح شعيب عليه السلام ..وسعِد بزوجته ذات الخُلق الفاضل والعقل الراجح والسلوك النبيل ورعى الغنم ليتعلم منها كيف يرعى الأمم
116/وعاش موسى عليه السلام مع الرعاة (10) سنوات أو أكثر في مدين وسط قوم غِلاظ الطباع فتعاون مع نبي الله شعيب في هدايتهم بطريق غير مباشر كما هي عادة أتباع الرُسُل
117/ثم أراد موسى عليه السلام أن يرحل إلى مصر لزيارة أهله فاستأذن من شُعيب عليه السلام فأذن له فسار بأهله من مدين مُتجهاً نحو الطور
118/ولكن لماذا يعود موسى عليه السلام إلى مصر وقد خرج منها طريداً وغادرها هارباً وبنو إسرائيل يتلقون فيها العذاب ألواناً ..في حين أنه وجد الطمأنينة في مدين مع قوم أحبهم وأحبوه؟؟!!! إنها جاذبية الوطن والأهل تتخذها القدرة الإلهية سبب لما تُهيئه لموسى من أعمال
119/وسار موسى عليه السلام في طريقه ومضى ما شاء الله أن يمضي ثم أخطأ طريقه إلى مصر في ليلة مُظلمة شاتية فظل يُعمل عقله وحيلته في تلمّس الطريق الصحيح مُستعيناً بالله تبارك وتعالى في ذلك...حتى أبصّر من بعيد ناراً عظيمة تتأجّج فوق مكان مرتفع ففرح واستبشر ووقع في قلبه شيء من الأُنس
120/فقال موسى لأهله ما حكاه القرآن عنه في (3) آيات في سور مختلفة وهم كالتالي :
👈الأولى في سورة طه (9:10) قال تعالى(( وهل أتاكَ حديث موسى⭕إذ رأى ناراً فقال لأهله امكُثوا إني آنست ناراً لعلّي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هُدىً))
121/التعبير بقوله (( آنست)) يوحي بشعور موسى عليه السلام بالطمأنينة وتوقع الخير والنجاة فإن النار قد جعلها الله متاعاً للمُقْوين (المُسافرين والمُقيمين على السواء)
122/ وقد كان العرب وغيرهم يوقدون النار في الليالي المُظلمة ليهتدي بها الضال وليأتي إليها الضيفان فيجدون عندها القرى (ما يُقّدم للصيف من طعام وغيره) ويجدون عندها أيضاً من يهديهم سواء السبيل
123/👈الثانية في سورة النمل آية(7):(( إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً سآتيكم منها بخير أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصْطَلُون))
⭕تصْطَلُون: أي تتخذوها للتدفئة وطهي الطعام والإضاءة وغير ذلك من المنافع
125/👈الثالثة في سورة القصَص آية (29):(( فلمّا قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلّي آتيكم منها بخبرٍ أو جَذوة من النار لعلّكم تصطلون))
126/لقد ذهب موسى عليه السلام يطلب قبس من النار وهادياً يهديه السبيل لكّنه وجد الآية الكُبرى وجد النار التي تُدفئ الأرواح وتهدي إلى المهمة الكُبرى ...رأى نوراً في كل مكان قد بدّد ظُلمات الليل الحالك السواد ...والنار أصل الأنوار فهي نار ونور غمرت موسى عليه السلام حتى بدا كأنه فيها
127/وناداه ربُه بنداء العظمة والجلال وألقى على عاتقه من التكاليف ما شاء أن يُلقي ..فقال تعالى في سورة النمل (8:9):(( فلمّا جاءها نُودِي أن بُورِكَ مَن في النار ومَن حولها وسبحان الله رب العالمين⭕يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم))
128/يا له من نداء!! لقد بدأ هذا النداء الإلهي بأعظم تحية وأجمل منحة وأجّل تقدير((أن بورك من في النار ومن حولها)) أي بورك موسى الذي غمرته النار بأنوارها وقد خلت من صفة الإحراق ..وبورك من حولها من الملائكة الكرام الذي وُكّلوا بتقديس المكان وتطهيره وحراسته وغير ذلك مما كلفهم الله به
129/وهذا المكان المُبارَك ببركة من فيه فبرَكة المكان من برَكة السُكّان ولقد حدّد الله المكان تحديداً جغرافياً فقال تعالى في سورة القصص آية (30):(( فلما أتاها نودِي من شاطئ الوادي الأيمن في البُقعة المُباركة من الشجرة أنْ يا موسى إني أنا الله رب العالمين))😍😍😍😍
130/👈شاطئ الوادي : جانبه
👈الوادي: هو وادي طُوى عند جبل الطور
👈الأيمن: المُبارَك وهو مأخوذ من اليُمن وهي البرَكة
131/وقيل أن الأيمن ضد الأيسر باعتبار أنه واقع على يمين المُستقبل (القبلة على طريقة العرب هي الجهة الأصلية لضبط الموقع) وهم ينعتون الجهات باليمين واليسار.. واستخدمه المُسلمون في تحديد المواقع الجغرافية ومواقع الأرض فيكون الأيمن يعني الغربي للجبل أي جهة مغرب الشمس من الطور
132/ألا ترى أنهم سمّوا #اليمَنَ بهذا الإسم لأنه على يمين المُتستقبل باب الكعبة...وسمّوا #الشام بهذا الإسم لأنه على شآم المُستقبل بباب الكعبة أي على شماله ...فاعتبروا استقبال الكعبة هو الأصل في تحديد الموقع
133/وهذا هو المُلائم لقوله تعالى في سورة النازعات آية(16): (( وما كُنت بجانب الغربي إذ قضيّت إلى موسى الأمر وما كُنتَ من الشاهدين)) ..
...أما اللفظ مُحتمَل للمعنيين :
👈المعنى الأول: البركَة
👈المعنى الثاني: اليمين ضد اليسار
134/ولقد ناجّى موسى ...الله من وراء حجاب فاستعذب موسى عليه السلام حلاوة المُناجاة فأراد أن يُطيلها فأطالها الله له لينشرح صدره بحلاوتها ولتتهيأ نفسه لما بعدها
135/وهذا البسط في المناجاة ذُكر في سورة طه (12:48) بشكل تهتز له القلوب خوفاً وطرباً من أول قوله تعالى ((فلما أتاها نودي يا موسى)) إلى قوله تعالى (( إنّا قد أوحِيّ إلينا أن العذاب على من كذّب وتولّى))
136/قال تعالى ((فلما أتاها نودِي يا موسى ⭕ إني أنا ربك فاخلع نَعليْك إنك بالواد المُقدّس طُوى ⭕ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحَى ⭕ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ⭕
137/.. إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ⭕ فلا يصّدنك عنها من لا يؤمن بها واتبَّع هواه فتردى⭕ وما تلك بيمينك يا موسى ⭕ قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهُش بها على غنمي ولي فيها مآرب أُخرى ⭕قال ألقِها يا موسى ⭕ فألقاها فإذا هي حيّة تَسعى ⭕
138/..قال خُذها ولا تخف سنُعيدها سيرَتها الأولى ⭕ واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى⭕ لنُريك من آياتنا الكُبرى ⭕ اذهب إلى فرعون إنه طغى ⭕ قال رب اشرح لي صدري ⭕ويسر لي أمري ⭕واحلُل عُقدة من لساني ⭕يفقهوا قولي ⭕..
139/..واجعل لي وزيرا من أهلي⭕ هارون أخي ⭕ اشدد به أزري⭕ وأشركه في أمري ⭕كي نُسبحك كثيراً⭕ ونَذكرك كثيراً ⭕ إنك كنت بنا بصيراً⭕ قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ⭕
140/...ولقد مننا عليك مرة أخرى⭕ إذ أوحينا إلى أمك ما يُوحَى ⭕ أن اقذِفيه في التابوت فاقذِفيه في اليَم فليُلقه اليَم بالساحِل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيتُ عليكَ محبةً منّي ولتُصنَع على عيني
141/.. إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفُله فرجّعناك إلى أمك كي تقّر عينها ولا تحزن وقتلتَ نفْساً فنجيّناك من الغّم وفتناك فُتُوناً فلبثت سنين في أهل مديَن ثم جئت على قَدَرٍ يا موسى ⭕واصطنعْتُك لنفسي ⭕
142/⭕ اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تَنِيَا في ذكري ⭕اذهبا إلى فرعون إنه طغى ⭕فقولا له قولاً ليّناً لعلّه يتذكر أو يخشى ⭕قالا ربنا إننا نخاف أن يَفرُط علينا أو أن يطغى ⭕
143/⭕ قال لا تخافا إنني معكما أسمَع وأرى ⭕ فأْتِياه فقولا إنا رسولا ربِّك فأرسِل معنا بني إسرائيل ولا تُعذبهم قد جئناك بآيةٍ من ربك والسلام على من اتبّع الهُدى⭕ إنا قد أُوحِي إلينا أن العذاب على من كذّب وتولّى)) ..
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى
✍✍✍✍
144/ولقد كان هذا النداء الربّاني من الله تبارك وتعالى (بطريقة لا يعلمها أحد) فكلام الله تعالى ليس بالحروف كما هو معروف
145/فليس من الأدب أن نسأل عن الكيفية التي ناداه الله بها ولا عن الطريقة التي سمع بها موسى عليه السلام ..وليس علينا إلا أن نؤمن بما جاء من ربنا على ما عليه وكما فهمناه من ظاهر اللغة من غير تأويل آخذين في اعتبارنا قوله تعالى في سورة الشورى (11):(( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير))
146/ولقد عرّف الله تعالى ..موسى بنفسه في أول النداء فقال(( فلما أتاها نودِي يا موسى إني أنا ربّك فاخلع نعْليك إنك بالوادي المُقدّس طُوى ⭕وأنا اخترتُك فاستمع لما يوحَى⭕إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبُدني وأقِم الصلاة لذِكري))
147/وأخبر الله سبحانه وتعالى نبيه موسى أن الساعة آتية لا محالة فلا ينبغي أن يغفل عنها مُكلف وأنه سبحانه قد خصّ نفسه بعِلمها حتى كاد يُخفيها عن نفسه فلم يُطلِع على وقت قيامها نبياً مُرسلاً ولا ملَكاً مُقرباً
148/وحذّره الله من التغافل عنها بسبب انشغاله بمُجادلة من لا يؤمن بها أو بسبب النظر لما في يديه من متاع الحياة الدنيا حتى لا يضل ولا يشقى فقال تعالى ((إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتُجزَى كل نفس بما تسعى⭕فلا يصدّنك عنها من لا يؤمن بها واتبعَ هواه فترْدى))
أي يُصيبك الخسران والهلاك
149/فلمّا سمع موسى من ربّه عزّ وجّل ما قد ذُكِر في هذه الآيات أصابه ما أصابه من الرُعب وغمره ما غمره من الخشية فأراد الله أن يؤنسه ويُخّفف عنه فسأله عمّا في يمينه
150/فقال تعالى((وما تلك بيمينك يا موسى)) وهو سؤال إيناس وتقرير أيضاً وكأنه قال : أليس في يمينك عصا؟؟..وذلك ليقول: بلى إنها عصاي أنا أعرفها بأوصافها من بين عشرات العصى ..
فإذا ألقاها فانقلبت حيّة تسعى سيعرف أنها مُعجزة أيّده الله بها لتكون بُرهان صِدقه عند فرعون وملئه
151/وكان من الطبيعي في الجواب عن هذا السؤال أن يقول موسى : هي عصاي ...
لكنه استعذّب المُناجاة فظّل يذكُر منافعها وفتح الباب لسؤال آخر طلباً للإيناس واستمراراً للمُناجاة ((قال هي عصايَ أتوكأ عليها وأهُش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى))
152/ولم يسأله الله سبحانه وتعالى عن المآرب الأخرى بل أمره بإلقاء العصا فألقاها موسى فانقلبت إلى حيّة تمشي بنشاط ملحوظ في الوادي فخاف موسى منها شأنه في ذلك شأن البشر
153/فهدّأ الله من روع موسى فأمره الله بأخذها فلما أخذها أعادها الله عصا كما كانت فقال تعالى((قال ألقها يا موسى⭕فألقاها فإذا هي حيّة تسعى⭕قال خُذها ولا تخف سنُعيدها سيرتها الأولى))
154/وقال تعالى في سورة النمل (10):(( وألقِ عصاكَ فلمّا رآها تهتز كأنها جان ولّى مُدبراً ولم يُعقِّب يا موسى لا تخَف إنّي لا يخاف لديّ المُرسَلون))
155/كما قال تعالى في سورة القصص (31):(( وأن ألقِ عصاكَ فلمّا رآها تهتز كأنها جان ولّى مُدبراً ولم يُعقب يا موسى أقبِل ولا تخف إنك من الآمنين))
156/أما عن العصا فلقد ذُكرت عنها حكايات وأساطير خيالية ليس لها أصل فقيل بأنها كانت لآدم وتُضيء له بالليل وتحرس له الغنم إذا نام وأنه لمّا ألقاها موسى ظلّت تبتلع الأشجار والصخور ...إلخ ..
157/ولأننا في سردنا الخاص هذا لا نعتمد إلا على الكتاب والسُنة وأقوال الصحابة التابعين الصحيحة لذلك لن نعترف بتلك الأساطير والتخريفات والإسرائيليات ....حتى لا نذهب إلى نفق مُظلم ...لذا دعونا كما نحن على نفس المبدأ
158/وبعد أن أخذ موسى العصا وعادت سيرتها الأولى منحَه الله آية أخرى من آيات قُدرته فأمره أن يُدخل يده في جيب قميصه (فتحة صدره) فيضُمها إلى جناحه (تحت عضده) فتخرُج بيضاء ناصعة البياض لها نور يتلألأ ليس بها سوء أي ليس بها أذى من برَص أو بهَق أو أي شيء يُضر
159/فقال تعالى في سورة طه(22:23) :((واضمُم يدك إلى جناحك تخرُج بيضاء من غير سوء آيةً أخرى⭕لنُريّك من آياتنا الكُبرى)) كما قال تعالى في سورة النمل (12):(( وأدخِل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوماً فاسقين))
(سنتحدث لاحقاً عن التسع آيات)
160/كما قال تعالى في سورة القصص (32):(( اسلُك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمُم إليك جناحك من الرهَّب فذانِك بُرهانان من ربّك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوماً فاسِقين))
161/وبعد أن أراه ربّه من آياته الكُبرى أرسله إلى فرعون الهكسوسي الطاغية فقال تعالى((إذهب إلى فرعون إنه طغى )) أي إذهب يا موسى إلى فرعون فادعه لعبادتي ولزوم طاعتي فقد جاوز حدّه في الكُفر والتعالي والظُلم والطُغيان
162/وأخذ موسى ما آتاه الله بقوة وحزم ..لكنه أراد أن يستمر في المُناجاة فدعا ربّه ضارعاً وذاكراً وشاكراً بدعوات جامعة لوسائل الخير وغاياته فدعا ربّه (5) دعوات كلها من أجل نجاح دعوته وإصلاح أمته
163/فقال تعالى في سورة طه (25:35): (( قال ربِ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري ⭕واحلُل عقدة من لساني⭕يفقهوا قولي⭕واجعل لي وزيراً من أهلي⭕هارون أخي⭕اشدُد به أزري⭕وأشرِكه في أمري⭕كي نُسّبحك كثيراً ⭕ونذكرك كثيراً⭕إنك كُنت بنا بصيراً⭕))
164/ولقد أطال موسى عليه السلام في التحليل والتعليل عندما طلب أن يكون أخاه هارون عوناً له في تبليغ رسالته لما ذكرنا من حلاوة المُناجاة
165/فأجاب الله دعاءه وآتاه سؤاله وذكّره بمنّته عليه من ميلاده إلى وقوفه بين يديه في الواد المُقدّس وأطال الحديث معه وبادله حُبّاً بحُب وقُرباً بقُرب وزاده من حلاوة المُناجاة ما أعانه على تبليغ رسالته ونشر دعوته بقوة وأمانة وإخلاص وسط قوم طُغاة جبّارين قد اتخّذوا فرعون إله لهم
166/وفي وسط قومه الذين طال عليهم الأمر وقسَت قلوبهم فتركوا دين آبائهم وضُربت عليهم الذلة والمسكنة بما عصوا وكانوا يعتدون ...هؤلاء القوم الهكسوسيبن البدو الرعاة الذين عبدوا فرعون كإله من دون الله سواء طوعاً أو كرهاً ...فكان يظن فرعون هذا أنه يُحيي ويُميت وأنه يملك العالم كله
167/لكن موسى عليه السلام أراد أن يزداد من الله تبارك وتعالى آمناً على نفسه وعلى أخيه هارون من بطش فرعون فقد يقتلهما قبل أن يسمع حديثهما أو يُجاوز حدّه معهما فيُبالغ في تعذيبهما وتعذيب أهلهما ويفعل بهم الأفاعيل(( قالا ربنا إنّا نخاف أن يفرط علينا أو يطغى))
168/فأدخل الله بقلبه الطمأنينة بأسلوب لا يخف به من فرعون ولاغيره فقال تعالى((قال لا تخافا إنّني معكما أسمع وأرى⭕فأْتياه فقولا إنّا رسولا ربّك فأرسِل معنا بني إسرائيل ولا تُعّذبهم قد جئناك بآية من ربّك والسلام على من اتّبع الهدى⭕إنّا قد أوحِي إلينا أن العذاب على من كذّب وتولّى))
169/لقد اعتذر موسى بمعاذير أخرى لا تخرج عمّا جاء في سورة طه ولكنها تفصيل له وبيان لفحواه
170/ ففي سورة الشعراء (12:17) قال تعالى:(( قال ربّ إني أخاف أن يُكّذبون⭕ويضيق صدري ولا ينطق لساني فأرسِل إلى هارون⭕ولهُم عليّ ذنب فأخاف أن يقتلون⭕قال كلّا فاذهبا بآياتنا إنّا معكم مُستمعون⭕فأتيا فرعون فقولا إنّا رسول رب العالمين⭕أن أرسِل معنا بني إسرائيل ))
171/وفي سورة القصص (33:35) قال تعالى:(( قال ربّ إني قتلت منهم نفْساً فأخاف أن يقتلون⭕وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسِله معي ردءاً يُصّدقني إني أخاف أن يُكّذبون⭕قال سنشُد عضدك بأخيك ونجعل لكم سُلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتُما ومن اتبّعكما الغالبون))
172/والسُلطان في الآية هنا يعني: الحجة والبُرهان والحصانة الإلهية بحيث لا يستطيع فرعون أن ينالهما بسوء ولقد أمدّهما الله بالآيات أي المُعجزات التي تجعلهما قادرين على الهداية والإقناع
173/⛔هل كان في لسان موسى عليه السلام عُقدة تمنعه من الكلام بطلاقة؟؟ : يرى أكثر المُفّسرين وأصحاب السيَر أنه كان في لسان موسى عليه السلام رتّة أو تمتمة تجعله يُسرع في الكلام وتُعّوقه عن الإفصاح عن مراده بسهولة ويُسر اعتماداً على ما رُوي عن ابن عبّاس رضي الله عنه
174/حيث قالوا: وقد سأل موسى عليه السلام ربّه أن يحلل عُقدة من لسانه ليفقه الناس قوله وقد طلب من ربّه أن يجعل أخاه هارون عوناً له لأنه أفصح منه لساناً كما قال وقد عاب عليه فرعون هذه اللكنة فقال تعالى في سورة الزخرف(52):(( أم أنا خير من هذا الذي هو مَهين ولا يكاد يُبين))
175/ولقد حكى بعضهم في سبب عُقدته هذه قصة رووها عن ابن عباس أيضاً في حديث طويل يُقال له حديث الفُتُون (يمكنكم البحث عنه لتعرفوا أكثر)
176/...وخلاصة هذه القصة أن موسى عندما دخل إلى فرعون وهو طفل صغير وضعه فرعون في حجرة فتناول موسى لِحيته فقال رجال السوء من حاشيته: هذا هو الغلام الذي سينتزع مُلكك ويدعو الناس لعبادة غيرك فأمر بذبحه ..لكن امرأته آسيا بنت مزاحم قالت : إنه طفل لا يعقل شيئاً
177/لكن فرعون تمادّى في ظُلمه وعقد العزم على ذبحه ..فقالت امرأته: نُقّدم لهذا الطفل تمرة وجمرة فإن أخذ التمرة فهو يعقِل وإن أخذ الجمرة فهو لا يعقِل فلا ينبغي أن تقتله حينئذٍ وقد وهبتَهُ لي من قبل
178/فلمّا جاءوا موسى بالتمرة والجمرة ألهمه الله أن يُمسك بالجمرة ويترك التمرة...ولقد قرّب موسى الجمرة إلى فمه فلسعت لسانه فحدثت له هذه الرتّة...وقيل أنه وُلِد بها
179/وما قاله هؤلاء المُفّسرون وأصحاب السير في هذه النقطة هو صحيح لما ذكروه من أدلة ولا يتنافى هذا مع وظيفة النبوة طالما كانت قبل الرسالة ولقد حلّ الله هذه العُقظة بتمامها بعد الرسالة على الأصح
180/أما من قال من المُفّسرين وغيرهم أن الله عزّ وجّل قد حلّ له عقدة واحدة من عُقّد لسانه بخيث يستطيع الإفصاح عن مُراده بقدر الإمكان لأن موسى لم يطلب حل هذه العقد جميعاً بل طلب حل عُقدة واحدة ((واحلُل عُقدة من لساني)) ولم يقل (واحلل العقدة من لساني) أو لم يقل (واحلل عقد لساني)
181/وهذا لا دليل فيه لأن الحرف (من) ليس للتبعيض لكنه للبيان ..والدليل على ذلك صحة حذفه في غير القرآن وكأنه قال((واحلُل عقدة لساني)) أي أطلِق لساني من عُقدته واجعله فصيحاً مُبّيناً عن مُرادي بسهولة ويُسر
182/ولقد استدّل هؤلاء أيضاً بما قاله فرعون عن موسى ولكن هذا لا دليل فيه...لأن فرعون كان يُريد بهذا القول أن يصُد الناس عن موسى ولعّل المُراد بقوله((ولا يكاد يُبين)) لا يكاد يُفصِح عن حُجة قاطعة على ما يدّعي وهذا من وجهة نظره..ولا نظر له
183/وهناك قول أصح من هذا القول الذي ذكره المُفّسرون وغيرهم في معنى العُقدة خلاصته أنه لم يكن في لسان موسى عُقدة أصلاً ..لكنه طلب من ربّه أن يُلهمه رُشده ويُثّبت فؤاده فينطلق لسانه في الكلام ولا يتلعثم أو يُقّصر في الأداء عن المُراد
184/وهو قول تطمئن إليه النفس ولا ترفضه اللغة إذا لم يكن ما رووه عن ابن عباس صحيحاً...أما إذا صحّ الحديث عنه فالقول قوله... والله أعلى وأعلم..
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى
✍✍✍✍
185/⛔موسى وأخاه هارون عليهما السلام في قصر فرعون : عندما انتهى موسى عليه السلام إلى مصر بعد مناجاة ربّه بالوادي المُقدّس صحب على الفور أخاه هارون إلى قصر فرعون الهكسوسي الطاغية وعرض عليه الدعوة التي نادى بها جميع الرُسُل من قبل وهي دعوة التوحيد
186/وطلب منه أن يُرسل معه بني إسرائيل ويُطلقهم من الأسر ولا يُعّذبهم بالإذلال والتسخير وذكّره بعذاب الله تعالى إن استمر في عدوانه ودعوته لنفسه بالألوهية وأخذ الناس بالقهر والجبروت
187/وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى في سورة طه (47:48) :(( فأْتياه فقولا إنّا رسولا ربّك فأرسِل معنا بني إسرائيل ولا تُعّذبهم قد جئناك بآية من ربّك والسلام على من اتّبع الهدى ⭕إنّا قد أوحِيّ إلينا إنّ العذاب على من كذّب وتولّى))
188/وقال تعالى في سورة الشعراء (15:17):(( قال كلاّ فاذهبا بآياتنا إنّا معكم مُستمعون⭕ فأْتيا فرعون فقولا إنّا رسول رب العالمين ⭕أن أرسل معنا بني إسرائيل ))
189/وهنا أدرك فرعون أنه أمام الرجل الذي كان يخشاه على نفسه وعلى مُلكه من قبل...أمام الرجل الذي كان يتمنّى ألا يُخلَق وألاّ يجيء اليوم الذي يأتي إليه في عُقر داره وفي ديوان حُكمه ليغرض عليه أمر لم يعرضه عليه أحد من قبله
190/من هو هذا الرجل؟؟ إنه الوليد الذي ربّاه في بيته وحمله في حِجره وأحسن كفالته حتى بلغ معه السعي ثم هرب من وجهه كُرهاً له واستنكاراً لأفعاله وظُلمه للناس وخاصةً أبناء الأنبياء من بني إسرائيل
191/فلما سمع فرعون ما قاله موسى أراد أن يُقّلل من عزمه وأن يقتل دعوته قبل أن تظهر ويعلم بها الناس فيعتنقوها فذكّره أولاً بالمعروف الذي صنعه معه ثم بالجريمة التي فعلها وهي القتل
192/فقال تعالى في سورة الشعراء(18:19) :(( قال ألم نُرّبك فينا وليداً ولبثت فينا من عُمرك سنين ⭕وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين))
193/لكن موسى عليه السلام لم يهتم بالتهديد بل كاد لفرعون الصاع صاعَين ووضعه على أول طريق الهُدى بأسلوب هادئ مُقنع كما أوصاه ربه عز وجّل بقوله((فقولا قولاً ليّناً لعلّه يتذكر أو يخشى))
194/ فاعتذر موسى أولاً عن فعلته التي فعلها بأنه كان ضالاً حائراً ماذا يفعل لتخليص الإسرائيلي من يد المصري فاضطر إلى وكزه وما كان يعرف أنه هذه الوكزة ستقضي عليه ..كما اعتذر عن هروبه من مصر وذلك بسبب علمه بتآمرهم على قتله
195/وكأن فرعون يريد أن يقول له : من أين جاءك هذا العلم وكيف عرفت أن لك ربّاً غيري ومتى أرسلك الإله الذي تدّعي أنه هو المعبود بحق وكيف يختار الإله رجل طريد يُنكر نعمة من ربّاه وأحسن إليه؟؟
196/فيُجيبه موسى عليه السلام أنه لمّا خرج من مصر إلى مدين وهب له ربّه حكماً وعِلماً وجعله من المُرسلين الذين أرسلوا إلى الناس مُبّشرين ومُنذرين
197/قال تعالى في سورة الشعراء (20:22) :(( قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين⭕ففررت منكم لمّا خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المُرسَلين⭕وتلك نعمة تمُنّها عليّ أن عبّدتّ بني إسرائيل ))
198/والمتدّبر في هذه الآيات الثلاثة يجد أن موسى عليه السلام إقتبس من كلام فرعون نفسه حُجّة مُقنعة ليُثبت براءته من دم المصري
199/حيث قال فرعون(( أفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين )) فقال موسى(( فعلتها إذاً وأنا من الضالين))
200/أي فعلتها عن جهل وضلال فلماذا تُذّكرني بها وتُهّددني بالعقوبة وها أنت قد اعترفت بذلك ومّهدت لي هذا العُذر وأنت تمّن عليّ الآن بقتلي أحد شيعتك وأتباعك وقد استبعدت بني إسرائيل وقتلت منهم ألوف مُؤلفة ..فإن كُنت تطالبني بدم واحد فأنا أطالبك بدم مل من قتلته ظُلماً من أبناء جلدتي!!
201/وبعد هذا الحوار الهادئ المُقنع من موسى عليه السلام يبدأ الطاغية فرعون بالسؤال عن رب العالمين من هو؟؟ فقال تعالى في سورة الشعراء (23): (( قال فرعون وما ربّ العالمين)) وهو سؤال المُتجاهل وليس سؤال الجاهِل فمعرفة الله تعالى فِطرية لا تقبل الإنكار بأي حال من الأحوال
202/فيُجيبه موسى عليه السلام بجواب لا يُمكن لفرعون إنكاره...فقال تعالى في سورة الشعراء(24):(( قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كُنتم موقِنين ))
إن فرعون وقومه لا يُنكرون أن الله هو الخالق والخالق أحّق أن يُعبَد إن كانت هناك قلوب واعية مُدركة وضمائر حية
203/فيُظهر فرعون تعجّبه من هذا الجواب ويُثير عجَب من حوله ..فقال تعالى في سورة الشعراء(25):(( قال لمن حوله ألا تستمعون)) فما هذا اللهو وما هذا الهذيان هل لكُم ربّ غيري؟؟! !
204/ولا يكاد ملأ فرعون يتجهون بعقولهم إلى ما يدعوهم إليه فرعون ...حتى يُبادرهم موسى بالجواب الذي لا يدع لهم فرصة للتفكير فيما دعاهم فرعون إليه ولو للحظة واحدة تحسُباً من أن ينبعث أشقاهم بكلمة تصُد الناس عن دعوته وتُحّفز فرعون على التعجيل بقتله للحفاظ على حياتهم الشخصية
205/لم يتركهم موسى يأخذون الرأي في هذه القضية ..قضية التوحيد...حتى أكّدها لهم بأعظم توكيد ..قال تعالى في سورة الشعراء:( 26) :(( قال ربّكم وربّ آبائكم الأوّلين))
206/نعم هو ربّهم ورب فرعون ومن سبقه ...هو رب العالمين وربّ الأولين والآخرين حي لا يموت قادر ..لا يُعّجزه شيء في الأرض ولا في السماء لا راد لقضائه ولا مُعقّب لحُكمه منح عباده النعم وربّاهم على موائد الكرَم فهو الجدير بأن يُعبَد والجدير بأن يُطاع
207/فلمّا سمع فرعون قول موسى لمن حوله خشي أن يقع في نفوسهم شيء من تعظيم موسى لما رأوا من شهامته وصلابته في الحق وقوة حُجّته في الحوار وخاف أن تجد دعوته هذه صدى في قلوبهم فقال فرعون على الفور ما قاله الأوّلون في رسُلهم إذا أعيّتهم الحُجّة (( قال إن رسولكم الذي أُرسل إليكم لمجنون))
208/ولم يهتم موسى عليه السلام بنفي هذه التُهمة لأنها تُهمة معها من الوقائع ما ينفيها (فكيف هو مجنون وقد ردّ عليهم بحُجّج عاقل رشيد)) لكن موسى اهتم بتوكيد ما سبق أن قرّره بالحُجة والبُرهان فقال :(( قال ربّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كُنتم تعقِلون))
209/لاحظ عزيزي القارئ الكريم:(( إن كُنتم تعقلون)) هو تعريض من موسى بمن اتهمه منهم بالجنون وهي دعوة لمن أراد أن يقول مثل ما قال فرعون أن يتعقّل ويتثبّت قبل أن يقول كلمة لا يجد لها حُجّة ولا مُبّرر
210/وهنا يشتّد غضب فرعون ويفقد كل الحيّل التي صدّ بها موسى عن دعوته فيرغى ويزبد ويتهدد ويتوعّد ..(( قال لئن اتخّذت إلهاً غيري لأجعلّنك من المسجونين))
211/وهذا هو كل ما يقدر عليه فرعون الهكسوسي وأمثاله من الأدعياء الأغبياء فقد أعيّته الحُجج وانقطعت به السُبل وتزعزع كُرسيه من تحته ولم يجد من حوله رجل يُصّدقه ويُكّذب موسى عليه السلام وكأن لسان حالهم يقول: آن الأوان لإحقاق الحق وإبطال الباطل
212/ ..وكأن العيون التي كانت تُحمّلق في فرعون تُكّذبه الآن وتُصّدق موسى فيما أخبرهم به ودعاهم إليه ...فما كان من موسى عليه السلام إلا أن عرض على فرعون بُرهان مادي على صدق دعوته ((قال أوَ لوْ جئتُك بشيءٍ مُبين))
213/وهنا لم يستطع فرعون أن يرفض هذا البُرهان الذي عرضه موسى عليه بل أراد أن ينظر إلى آخر ما في جُعبة موسى لعلّه يجد نقطة ضعف له فيقفز عليها قفزة الجبّار العنيد فيرد لنفسه هيبته أمام ملئه ويُنقذ مُلكه من الزوال...وهو حتماً إلى زوال
214/فقال فرعون لموسى((قال فأتِ به إن كُنت من الصادقين)) ..وكان الرد (( فألقى موسى عصاه فإذا هي ثُعبان مُبين⭕ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين)) فلمّا رأى فرعون هاتين المُعجزتين ارتجف قلبه ونظر للملأ حوله فوجد فيهم بوادر الإيمان برب موسى وأحسّ بالخيبة والخذلان
215/ففكّر فرعون وقدّر الموقف فقال في نفسه : إن هؤلاء الملأ لو اتّبعوا موسى لن يكن لي مُلك بعد ذلك...ولذلك لو أنهم علموا بأن موسى وأخاه هارون ساحران سيخافوا أن يُخرجوهم من أرضهم بهذا السحر...وقد كان
216/فقال فرعون كما ذكر الله تعالى (( قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم⭕يُريد أن يُخرجكم من أرضكم بسِحره فماذا تأمرون)) أي أشيروا عليّ أيها الملأ فأنتم السادة والقادة وأصحاب الرأي فما تأمرون به أقوم بتنفيذه (لاحظ هو يتودّد إليهم الآن حتى يميلوا له وينصرفوا عن موسى وهارون أخيه)
217/ولقد داخّل الملأ شيء مما قاله فرعون واعتقدوا أن أمر موسى لا يزيد على كونه سِحر كما قال فرعون فأشاروا عليه أن يبعث في المدائن من يجمع له السحرة من كل مكان ...قال تعالى(( قالوا أرجِه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين⭕يأتوك بكل سحّار عليم))
218/وقال تعالى في سورة طه (57:59):(( قالوا أجئتنا لتُخرجنا من أرضنا بسِحرك يا موسى⭕فلنأتينّك بسِحرٍ مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نُخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوي⭕قال موعدكم يوم الزينة وأن يُحشَر الناس ضُحى))
219/ أي موعدكم يوم عيدكم الأكبر على أن يُحشر جميع الناس ضحوة النهار في مكان واحد وهو بصراحة مُنتهى التحدي ...ولعلّ موسى عليه السلام أراد أن يغتنم هذه الفرصة فيُعلن دعوته على الناس أجمعين في وقت واحد من غير جُهد ولا انتقال من بلد إلى بلد وهذا ذكاء من موسى عليه السلام
😎😃
220/فأي فرصة أعظم من هذه الفرصة التي يجتمع فيه أدعياء العلم والحكمة وأصحاب السحر والشعوذة فيقهرهم موسى عليه السلام بمُعجزة العصا أمام أكبر حشد جمعه فرعون ..إنه يوم عصيب على فرعون لأنه خاف أن ينتصر عليه موسى فيتزلزل عرشه ويذهب مُلكه للأبد ...وللحديث بقية إن شاء الله تعالى
✍✍✍✍

جاري تحميل الاقتراحات...