#كيف_تفهم_العدالة_القضائية: ما دعاني لكتابة هذا الثريد ، هو إنحباس أذهان الكثيرين في تصور العدالة مختزلة في شخصية القاضي كصورة كلية لهذه العدالة ، والتعامل مع القاضي كلغم يكاد ينفجر ، والتحسس منه والتحسيس عليه ومراعاته ، مما يشكل ثقل نفسي زائد على المتخاصمين فوق ثقل موضوع الدعوى
ومجرياتها ، وسبب هذا الأمر هو منهج التعليم الذي حبس الكثيرين في عقلية كلاسيكية لا تفهم الواقع وتغيراته ، وتبقى في قفص التصور القديم للقاضي ، وعدم التفريق بين قاضي الأمس ، وقاضي اليوم ، فالقاضي في الماضي كان لابد أن يكون عالماً فقيهاً ليكون قاضياً متميزاً ، وذلك عائد لعدم وجود
التخصص القضائي كالمحاكم المتنوعة اليوم ، ولعدم وجود أنظمة وقوانين منظمة كاليوم تحد و تحكم قضاء القاضي ، وكذا السلطة التقديرية كانت بلا قيد سوى قيد النصوص الشرعية الصحيحة ،أما الواقع اليوم فإن العدالة لا تختزل في شخص القاضي ،بل القاضي أداة من أدوات العدالة وجزء من الصورة وليس كلها
ولإختلاف خامة قاضي الأمس عن قاضي اليوم ، حيث كان قاضي الأمس عالماً ، وقاضي اليوم ربما لا يصدق عليه ولا حتى مصطلح طالب علم ، وقاضي اليوم مقيد بمجموعة من الأنظمة ، مستمدة من الشريعة ، بجانب النصوص الشرعية ، فسلطته التقديرية رغم سعتها اليوم إلا أنها مقيدة وضيقة بالنسبة لسلطة القاضي
التقديرية في الماضي ، وكذلك تقوى قضاة الأمس ليست كتقوى قضاة اليوم ، الذين يتلقون من المغريات والملهيات ما لم يطرأ على من كان قبلهم ، فهم عرضة للميل والتغير والتأثر ، ولهذا يجب على المتخاصمين أمام قاضي اليوم أن لا يخافوا منه ، فهو أحد أدوات العدالة وليس آلتها الوحيدة ، والأداة
الأعظم والمؤثر الأكبر في العدالة هي الأنظمة المنظمة لعملية تحقيق العدالة ، والتي يعرفها ويلتزم بها الجميع ، المواطن ، والموظف ، والقاضي في جميع درجات القضاء ، والجهة التنفيذية ، وهي المحك في كل الإجراءات العدلية ، لهذا بات للخصوم سلطة نسبية ، ومشاركة فعلية في الإجراءات العدلية
ولهذا إن لم يسجل القاضي قولك كما هو في الضبط فارفض التوقيع ، واطلب تسبيب رفضك ، ولا تخجل منه إذا احرجك وأنت غير مقتنع ، فبعضهم يلجأ لإحراجك بالصلح أو سواه لتتنازل عن حقك ، وإذا رفع صوته عليك فرد عليه ولا تخاف ولكن مع حفظ الأدب والألفاظ ، وإن أغضبك وأردت إغضابه فقل له إتق الله و
كررها في وجه مراراً وتكراراً ، فهو أمر بمعروف لا يستطيع معه أن يفعل لك شيء ، ولو سألك ماذا تقصد فقل له لا شيء مجرد النصيحة لي ولك ، ولا تسمح له بأن يخالف في حقك النظام وتسكت أو تخاف بل عليك مقارعته بالنظام الذي يحكمه ويحكمك ، ليس للقاضي عليك أفضلية تسمح له بإهانتك وأنت لا تحرك
ساكناً ، وأدعوا جميع المتخاصمين بقراءة نظام المرافعات ونظام الإجراءات وستجد لك من الحقوق، ما يضاهي ما تراه من حقوق في الأفلام ، ولكن جهل الناس بها ، وعدم مطالبتهم بها ، تجعلهم يفوتون حقوقاً كثيرة مستحقة ، إن فساد بعضهم عائد لخوف المتخاصمين ، وليس لرعاية خاصة ، أو حصانة لا تمس
بل هم أشخاص مثلك وتستطيع رفع دعوى عليهم وشكواهم لدى مرجعهم ، ولكن ليس لرئيس المحكمة ، فالمحكمة ليست دائرة حكومية إدارية لرئيسها سلطة على موظفيه ، فرئيس المحكمة لا يعترف له القضاة بسلطة ولا سلطان له عليهم ، سوى شرفياً أو وجاهةً فقط ، بل للمجلس الأعلى للقضاء ، ولو لم يتفاعل معك
المجلس ، فقم بشكواه وشكوى المجلس لرأس الهرم ، وعنوان المجد ، وحامي الشريعة ، وإمام المسلمين ، خادم الحرمين الشريفين ، وسترى ما يسرك ، من نصرة للحق ، وقمع للظلم والفساد ، لا تسمح لكائنٍ من كان بأخذ حقك ، فالدولة تحميك وتحمي حقوقك ، ومن خلال التجربة وجدت أن أفضل المحاكم والقضاة
عملياً ، وتأهيلاً ، هم المحاكم التجارية وقضاتها ، وأسوأ المحاكم والقضاة عملياً ، وتأهيلاً ، هم محاكم الأحوال الشخصية وقضاتها ، وأظن أن يد التجديد والتغيير والإصلاح ستقضي قريباً على كثير من الخلل في تلك الجهات.
جاري تحميل الاقتراحات...