سامي العجلان
سامي العجلان

@Abubasil1425

40 تغريدة 74 قراءة Dec 31, 2020
1️⃣
كنتُ أبحث عن معنى كلمة (الزمن) في المعاجم، ولا أدري كم استغرق ذلك من وقت :)
طابت بكم الأوقات..
2️⃣
كانت سنة عجيبة
وكم أثارت من خواطر!
أبو تمام يقول:
على أنها الأيام قد صرن كلّها
عجائب حتى ليس فيها عجائبُ
ويقول الجاحظ:
"وكيف التعجب والأمور كلها عجب؟".
لكن ضروب العجب من التنوع بحيث لايحجب أحدها الآخر، ولايكفّ عن التعجب إلا من فقد إحساس الدهشة أمام العالم، وياله من فاقد فقيد!
3️⃣
أمّا عجائب هذه السنة فتبدأ ولا تكاد تنتهي، ولكنّ أجدرها بهذا الحديث المستأنف: ما أثارتْه في النفس من تفكُّر لا ينقضي حول هذا المفهوم الهلامي الذي نسميه: الزمن.
فما هو الزمن؟
4️⃣
يرتبط لفظ الزمن في لسان العرب بدلالات متنوعة، كالتراخي والبطْء، والعِلّة المتطاوِلة، والشدّة، والحب.
تقول: لقيتُه ذاتَ الزُّمَيْن، تريد بذلك: طول العهد وتراخي المدة. وزَمِنَ زُمْنةً وزَمانةً: أُصيب بمرض يدوم زماناً طويلاً، فهو زَمِن. والزَّمانة: الحب المجهِد. وزمن زامن: شديد.
5️⃣
وكما يتصرف الزمان بمعانٍ مرتبطة بالشدّة والضرر، فكذلك كلمة: الدهر، يُقال: دَهَر فلاناً أمرٌ، أي أصابه مكروه أو نزلتْ به نازلة، ويُقال: دَهَره الجزع؛ بمعنى: غلبه أو أتلفه.
والعرب تسمّي المصائب والشدائد: بنات الدهر !
6️⃣
لاحقاً ميّز المتكلمون -كما يقول البيروني- بين الدهر والزمان، بأن الدهر يُطلق على الزمن الممتد الذي لاتكاد تكون له بداية أو نهاية، بينما الزمان محدود -في الغالب- ببداية ونهاية.
7️⃣
وكانت العرب تسمّي أبناءها بأسماء الزمان والفصول والأوقات، ومنهم: دهر بن الأحزم، وصيفيّ بن أكثم، والربيع بن أنس، ونهار بن توسعة.
كما تسمّوا بالشهر والشُّهَير، وسمّوا: عمْراً، تفاؤلاً بطول عمره، وكذلك: عائشة، وهُنيدة، وتعني مئة سنة.
8️⃣
ودقّقوا زمنياً بين الأشياء التي تبدو ظاهرياً متماثلة، فالشرب في أول النهار: (صَبوح)، وفي آخره: (غَبوق)، والشرب في وقت السحَر هو: (الجاشرية).
و(التأويب): مشي النهار كله إلى الليل، وهو بخلاف(الإدلاج) الذي يعني: السير ليلاً. والحديث في الليل مخصوص كذلك باسم مستقل وهو: (السَّمَر).
9️⃣
والشواهد كثيرة، فهل اهتمام العرب بالزمان نابع من احتفاء به وارتياح له، أم من توجُّس منه وارتياب فيه؟
🔟
لنبدأ بالفاتحة الطللية في القصيدة الجاهلية،أليست بمعنى ما: وقفة متوجسة أمام الزمن وحركته الدائبة نحو التغير والهدم والإفناء؟
تبدو هذه الفاتحة وكأنها وقفة خالصة مع الماضي، غير أنها بمنظور آخر:ترقُّب ذاهل تجاه المستقبل الذي يتحسس الشاعر خطواته القادمة وهي تستنتسخ لواعج الماضي.
1️⃣1️⃣
أمّا شكوى شعرائنا من الزمن وغوائله، ومن الدهر ونكباته، فيكاد لا يخلو منها ديوان من دواوينهم، وهي ظاهرة لافتة جداً في شعر أبي الطيب بخاصة:
رماني الدهرُ بالأرزاءِ حتّى
فؤادي في غِشاءٍ مِن نِبالِ
فصِرتُ إِذا أَصابتْني سِهامٌ
تكسَّرتِ النِصالُ على النِصالِ
1️⃣2️⃣
وفي رائيته التي مدح بها ابن العميد يعلن تمرّده الصريح على حكم الزمن:
أعطى الزمانُ فما قبِلتُ عطاءه
وأراد لي، فأردتُ أن أتخيَّرا
والزمان عند أبي الطيب: شخص، وليس مجرد ظرف، ولهذا لايملك سوى الازورار عن وجهه القبيح:
قُبحاً لِوجهك يا زمان فإنّهُ
وجهٌ له مِن كُلّ قُبحٍ بُرقُعُ
1️⃣3️⃣
موتور أبو الطيب من الزمان، فلطالما عضّه بأنيابه المسنّنة، حتى أسال جراحاته:
إِنَّ نُيوبَ الزمانِ تَعرِفُني
أَنا الذي طالَ عَجمُها عودي
هكذا تغدو المسألة معركة شخصية بينهما، فلا بد من قاتل، ولا بد من قتيل:
ولو برز الزمانُ إليّ شخصاً
لخضّب شَعر مفرقه حُسامي
1️⃣4️⃣
وعلى مِنواله في ذمّ الزمان يقول أبوالعلاء:
أترومُ من زمنٍ وفاءً مُرضياً
إنّ الزمان كأهله غدّارُ
وإذا أراد الزمان أن يكون وفيّاً فهو يعرف بماذا يفي:
يا دهرُ يا مُنجِزَ إيعادهِ
ومُخلِفَ المأمولِ من وعدهِ
فلم يبقَ إذن سوى التحسُّر:
من ذا الذي سمح الزمانُ له بإدراك المؤمّلْ ؟
1️⃣5️⃣
أمّا أبوالحسن التهامي، فقد ختم رائيته الشجية في رثاء ابنه بهذه النفثةالغاضبة:
زمنٌ كأُمّ الكلب ترأمُ جَروَها
وتصدّ عن ولد الهِزبْر الضاري!
ونصادف النبرة نفسها في(بسّامة) ابن عبدون المترعة -في مفارقة مع لقبها-بضروب الكوارث التي شهدها التاريخ وأشرف الزمان بنفسه على وقوعها:
=
1️⃣6️⃣
الدهر يفجع بعد العين بالأثرِ
فماالبكاء على الأشباح والصورِ
أنهاك أنهاك لا آلوك موعظةً
عن نَومة بين ناب الليث والظفُرِ
فالدهر حرب وإن أبدى مسالمةً
والبيض والسود مثل البيض والسمرِ
ما لليالي أقال الله عثرتنا
من الليالي وخانتها يد الغِيَرِ
في كل حين لها في كل جارحة
مِنّا جِراح..
1️⃣7️⃣
وهذه العداوة مع الزمن مستمرة حتى عند شعرائنا المعاصرين.
فالجواهري في رثائه لأحمد شوقي يُعيد الشكوى القديمة من خُلّة الزمان الأصيلة، وهي: وفاؤه بغدره:
زمانٌ وفيٌّ بميعادهِ
فظُلماً يقالُ: ليالٍ غُدُر !
1️⃣8️⃣
لكن هل تخلّى شعراء الحداثة عن هذه العداوة القديمة مع الزمان؟
بدر السياب يُجيب:
"ونحن نسيرُ
والدنيا تسيرُ
وتقرع الأبوابْ
فتوقظ مِن رؤاه القلبَ:
ذاك عدوُّك الزمنُ
تدور رَحاهُ..
كم ستظلّ تخفقُ ؟
ها هم الأصحابْ
ترابٌ منه تمتلئ الدروبُ
وتشرب الدمنُ ".
1️⃣9️⃣
محمد عبدالباري كان لديه هو أيضاً(خلاف شخصي مع الوقت)
وهذاعنوان قصيدة في ديوانه الأخير
ولهذاالخلاف تفاصيله:
كم أنت تتخذ الهواء ملامحا
وتزورني
لا غامضاً
لا واضحا
يرتدّ شرحي عنك
لحظةَ لم يزلْ
معناك خلف النصّ
يطلب شارحا
عدّادُ ماذا أنت؟
حولي لاأرى إلا السكونَ
مُلوّحاً ومُصافِحا
2️⃣0️⃣
مُرهِق هو الوقت إذن.
وثورة محمد عبدالباري ضد الزمن ليست جديدة، إذْ كان قد أعلن التمرد عليه أكثر من مرة، وفي ديوانه (الأهلّة) يقول:
سنُسقِط الوقت إنّ الوقت أتعبنا
جداً، وما تعِب الكهّان والعَسَسُ
2️⃣1️⃣
ويتأمل جاسم الصحيح الزمن الدائب في هدم الأعمار فيراه أشبه مايكون بالطاغية:
ضحايا الوقت حوليَ ليس تُحصَى
وهل تُحصِي ضحاياها الطُّغاةُ ؟
ويعجب-وقد حاصرتْ أسواره كتائب(الخمسين)-من قدرة الزمن على إحداث كل هذاالتشظّي داخل الذات:
أفكّر كم بعدتُ الآن عنّي
وكم شطحتْ برحلتيَ الفلاةُ
2️⃣2️⃣
لكن هل اقتصرت العداوة مع الزمن على الشعر بوصفه: خطاباً انفعالياً لايخلو من جموح في التعبير؟
واقع الحال أن جناب الزمان ظل يُخمش من أظافر النثر أيضاً وفي مختلف متون المدوّنات المعرفية، وإن تقلصتْ حدود الإدانة، لتركز أكثر على الزمن الذي يعيش فيه المؤلف، من حيث هو أسوأ الأزمنة!
2️⃣3️⃣
ويا لها من مفارقة مثيرة حين تصادف هذاالحديث المكرر عن (فساد الزمان)يتحدّر أمامك في بطون المؤلفات منذ بواكير التأليف: قرناً وراء قرن وكأن الزمن لم يشهد صلاحاً قط.
وترى كيف يُثنى كل أهل عصر على عصر سابقيهم الذين كانوا بدورهم يذمّون فساد زمانهم، بالنسبة لمن قبلهم، وهكذا دواليك.
2️⃣4️⃣
في مقدمةكتابه(الأنواء) كتب ابن قتيبة يشكو-وهو في القرن الثالث-ضعف زمانه حيث :"دثور العلم وموت الخواطر وإعراض الناس"، متحسراً على عصر مضى حيث: "الأدب غض والزمان زمان"!
وكرر الحريري في القرن الخامس هذه الشكوى في مقدمة مقاماته، فالأدب قد"ركدتْ في هذاالعصر رِيحه، وخبتْ مصابيحه"
2️⃣5️⃣
وفي كتاب (العزلة) لأبي سليمان الخطابي عن ابن أبي ليلى الأنصاري قاضي الكوفة أنه قال: (سيأتي على الناس زمان يُقال له: زمان الذئاب، فمن لم يكن في ذلك الزمان كلباً أكلوه)، قال أبوسليمان: قال قتيبة: هو هذا الزمان !
2️⃣6️⃣
ومنذ عصر مبكر لم يرُقْ للشافعي هذا الذمّ المتواصل للزمن من قِبَل كل جيل يعبُر في نهره، فقال:
نعيبُ زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمانَ بغير ذنبٍ
ولو نطق الزمانُ لنا هجانا !
2️⃣7️⃣
وعلى نحو آخر من التفنيد ردّ أبوالعلاء المعري على المتأفّفين من أزمانهم، فقال:
وهكذا كان أهلُ الأرض مُذْ خُلِقوا
فلا يظنّ جَهولٌ أنهم فسدوا !
2️⃣8️⃣
استناداً ربما إلى هذاالإرث الممتد للموقف السلبي من الزمن توقف فتحي المسكيني في كتابه(الهوية والزمان) عند هذه(الظاهرة) متسائلاً عن سبب العداوة المتأصلة للزمن أو ما سماه (التجديف على الزمان)في ثقافتنا العربية؟
ومع أنه لم يستحضر شواهد هذه (الظاهرة)بما يقنع القارئ بمنطق السؤال
=
2️⃣9️⃣
فقد قاده هذا السؤال إلى طرح أسئلة أكبر لاتخلو من تسرّع في صياغتها أولاً، وفي محاولته الإجابة عنها ثانياً:
(هل نحن محدَثون أم معاصرون؟
وهل نحن لا زمنيون؟)
وأنا لا أثق كثيراً في هذه الأسئلة (الثقافية) الكبرى التي تدمغ ثقافة معينة -دون غيرها- بأوصاف تعميمية إدانةً وتبخيساً.
=
3️⃣0️⃣
وغالباً مايكون سبب هذه الاستنتاجات التعميمية عائداً إلى ضعف الاستقراء بنوعيه:
-الاستقراء الداخلي الذي يلزم منه تتبّع الشواهد المضادة كذلك للظاهرة داخل الثقافةنفسها لمعرفة حجمها الحقيقي.
-والاستقراء الخارجي الذي يدفع الدارس إلى رصد مدى وجود الظاهرة نفسها في الثقافات الأخرى.
=
3️⃣1️⃣
وفيما يخص الزمان: فإن الاستقراء الداخلي يقودنا إلى أن صورة الزمان في(الثقافة العربية)لم تكن صورة موحِشة باطراد، وسبقت أبيات الشافعي المنافحة عن الزمن.
هذا فضلاً عن أن الزمن المذموم في هذه النصوص كثيراً مايكون مجرد رمز للحياة البائسة أو الأحداث العاصفة أو الأشخاص البغيضين.
=
3️⃣2️⃣
كما أننا لو رجعنا إلى ديوان أكثر الشعراء شكوى من الزمان، وهو المتنبي، فسنجد شواهد أخرى لديه يبدو فيها الزمان صديقاً يؤانس ويلهو ويبتسم.
يقول مثلاً:
لقد حسُنتْ بك الأوقاتُ حتى
كأنك في فم الزمنِ ابتسامُ
3️⃣3️⃣
بل إن المتنبي خصص إحدى قصائده للتأمل الساجي الشفيف في الزمن، والتقدير المتوازن لما يجلبه من سرور (أحيانا)، والالتفات إلى ما يجترحه الإنسان نفسه من جرائر لا علاقة للزمن بها.
والقصيدة بمجموعها لا موضوع لها سوى الزمن، حتى ليمكن أن نسميها: قصيدة الزمن:
3️⃣4️⃣
وفي ديوان المتنبي ترِد إشارة مهمة في تقديم هذه القصيدة النونية:
"وقال بمصر ولم يُنشدها كافوراً ".
ربما تفسر هذه المقدمة القصيرة
ما يلمسه قارئ القصيدة من بوح شفيف أشْبه ما يكون بالتنهُّدات، وأسلوب هامس أقرب إلى النجوى الخفيضة، يبثّها أبوالطيب إلى صديق مقرّب، أو حبيب أثير.
3️⃣5️⃣
كما أن الاستقراءالخارجي يقودنا إلى أن(ذمّ الزمان)ظاهرة عالمية، وربما لازمة إنسانية.
ولو رجعنا إلى مصطلح الزمان في اللغة اليونانية(كرونوس) فسنجد أن اشتقاقه يعود إلى إله الزمان في أساطير الإغريق، وهو فيها ينجب أبناءه ولأنه يخشى على مُلكه منهم فإنه يلتهمهم: الواحد تلو الآخر!
=
3️⃣6️⃣
ومن الواضح أن هذاالتصوير الإغريقي للزمان ليس تصويراً وديعاً، ولكنه لايعني بالضرورة أن ثقافتهم كانت ثقافة (لا زمنية).
أضفْ إلى هذا ما يشتمل عليه اللاهوت المسيحي من نصوص لاتنقطع في ذمّ الزمان والتخويف من تصاريفه، وبهذا الإرث تأثر كثير من كتّاب عصر النهضة، وعلى رأسهم: شكسبير.
3️⃣7️⃣
كتاب (صور وخواطر) من أقرب كتب علي الطنطاوي رحمه الله للروح الأدبية، وأقلها اتصالاً بالوعظ والإصلاح الاجتماعي الذي غلب على معظم ما كتب.
وفي هذا الكتاب مقال لطيف بعنوان (وحي صورة)، يروي فيه الطنطاوي أنه كان يقلّب أوراقه القديمة ثم عثر فجأة على صورة شخصية له وهو بعمر التاسعة.
=
3️⃣8️⃣
وأعادته هذه الصورة ثمانيةً وثلاثين عاماً للوراء، وقد جعل المقال معرضاً لحوار مشاكس بينه وبين هذاالصبيّ الذي كان يمثّل الأنا فيما مضى، وأصبح الآن بالنسبة لها: آخر !
دار هذا الحوار بين علي الفتى، وعلي الكهل-كما هو متوقع- حول الزمن والتغيرات الواسعة التي مسّت النفس والمجتمع.
=
3️⃣9️⃣
هذا الحوار الذاتي يقدم شاهداً على فكرة: أن الزمن جزء أصيل من هويّتنا المتغيرة باستمرار، وأنه لو تسنّى لنا أن نقابل الطفل أو الشاب اليافع الذي كنا عليه، فلن يكون بعيداً أن نشعر بقدر لا بأس به من الغربة وعدم الألفة وتباين الهوية بيننا، أي بين الأنا الحاضرة، والأنا الماضية.
=
4️⃣0️⃣
لم يكن هذا الحوار طبعاً بمستوى غرائبية حوار بورخيس الكهل مع بورخيس الشاب في قصة (الآخر)، ولكنه كان كافياً للإيحاء بهذه الفكرة الفارقة: أن الهوية هي دائماً في طور التشكّل، وأن الزمن جزء أصيل منها.
وقديماً قال أرسطو:
"إنّ الهُويّة تُقال على معانٍ عدّة".

جاري تحميل الاقتراحات...