حسام السبيعي(ابو غيث)
حسام السبيعي(ابو غيث)

@hss_503

41 تغريدة 181 قراءة Dec 31, 2020
المعتمد بن عباد في المنفى
بعد سقوط اشبيلية جُمِع المعتمد وأهله بعد استئصال جميع ماله وحملتهم الجواري المنشآت في نهر الوادي الكبير وبحر الظلمات حتى حل بالعدوة وكان نزوله منها بطنجة ويصف لنا شاعره الوفي أبو بكر بن اللبانة خروجه من أشبيلية بقصيدة يقول فيها :
فأقام المعتمد في أغمات أسيراً قد ضُيِّق عليه ، کاسف البال كسير القلب يسام سوء المعاملة ويتجرع من الهوان وتزدحم على خواطره الهموم و تطوف به ذكريات ملکه السابق ومجده السالف وليس الى جانبه صاحب يفضي اليه بآلامه ومواجعه ويطارحه الحديث الذي يرفه به عن نفسه ويخفف من أساه ولوعته
ولكنه كان يتجلد ويتماسك ويتذرع بالصبر وكان يؤلمه منظر بناته الناشئات في ظلال النعيم وهن في الأطمار يغزلن ليحصلن على القوت وكان ينفس عن نفسه بنظم القصائد المشجية وقد دخل عليه بناته السجن في يوم عيد فلما رآهن في الأطمار الرثة وقد بدت عليهن آثار الفاقة وما أصابهن من بؤس وشقاء أنشد :
وأثر سوء الحال وشظف العيش ورداءة المطعم والمسكن في صحتهن واتفق وفود الوزير الأندلسي أبي العلاء زهر بن عبدالملك بن زهر في مراكش وكان قد استدعي لعلاج أمير المسلمين فكتب اليه المعتمد يستقدمه لعلاج بعض كرائمه ومطالعة أحوالها بنفسه
وابن زهر اشبيلي الأصل وأحد أفراد أسرة اشتهرت بالأدب و العلم فلم يتردد في تلبية دعوة المعتمد وقام بعلاجها على الوجه المرضى، ورفع قدر المعتمد بالتبجيل ودعا له بطول البقاء فكتب إليه المعتمد اثر ذلك بالأبيات الآتية:
وقد أشار المعتمد في هذه الأبيات إلى حادثه وقعت لآثر حظياته وأكرم بناته حينما ألجئت إلى أن تستدعى غزلاً من الناس تسد بأجرته بعض حالها فأدخل عليها فيما أدخل غزل لبنت عريف شرطة أبيها وكان يقف بين يديه يزع الناس يوم بروزه ولم يكن المعتمد يراه إلا ذلك اليوم.
وكانت الأحزان التي تتقاذف بنفسه ، وتطغى على خواطره تمیل به الى اطالة التفكير في غِيَرِ الدهر وتقلب الأيام فيعبر عن ذلك في شعره مثل قوله :
وتطوف به الذكريات على قصوره بالأندلس مثل قصر (المبارك) وقصر (الزاهي)و (الثريا)و (الوحيد) فيقول :
بكى المبارك في اثر ابن عباد
بکی علی اثر غزلان و آساد
بكت ثراه لاغُمت کواكبها
بمثل نوء الثريا الرائح الغادي
بکی الوحید ، بكى الزاهي وقبته
والتاج والنهر كل ذله بادی
وطلب حين قدومه أغمات من حواء بنت تاشفين خباء عارية فاعتذرت بأنه ليس عندها خباء ، فكبر ذلك على نفس المعتمد ونظم هذه الأبيات وقد أشار فيها إلى ذكر يوسف بن تاشفين ويوم العروبة :
ولكنه تلقى مصيره صابراً محتسباً ويطيل التأمل في تقلبات الدهر ويقول :
من يصحب الدهر لم يعدم تقبله
والشوك ينبت فيه الورد والآس
يمر حيناً وتحلو لي حوادثه
فقلما جرحت إلا انثنت تاسو
وكان المعتمد يعرف مكانته في نفوس الكثيرين لسالف أياديه وقديم إحسانه وسابغ كرمه ويعلم أن أخبار أسره وسجنه سيكون لها وقع بالغ في نفوس كثيرة وقد عبر عن هذا الشعور في قوله:
وكان كل ما حوله وكل ما يعرض له يذكره بمحنته حيث إجتاز عليه في أسره سرب قطا فأثار شجونه وجعله يوازن بين الحرية التي يتمتع بها السرب الطائر وبين ما يعانيه هو في الأسر والضيق والحرمان وهو مع ذلك لا يحسدها على حريتها ولا ينفس عليها إنطلاقها وإنما يود أن يكون حاله كحالها:
ويذكر ولديه المأمون قتيل قرطبة والراضي قتيل رندة وابنه سراج الدولة الذي قتله ابن عكاشة في قرطبة فتتأجج حسراته وتسيل عبراته فيقول في رثائهم:
ودخل عليه السجن ولده أبو هاشم وكان أصغر أولاده فرأى القيود قد التوت على ساقيه وهو لا يطيق إعمال قدم وعهده متربعاً على سرير الملك أو متنسماً منبر الخطابة أو ممتطياً صهوة جوادة تخفق عليه الألوية وتحف به الأبطال وغلب الرجل فلم يستطع أن يخفي تأثره ويملك سوابق عبرته فقال المعتمد:
ويحاول أن يحمل نفسه على قبول ما ابتلاه به الحظ العاثر ورضيه له القدر الساخر ليريح قلبه المصدوع ويبعث بعض الطمأنينة في نفسه الوالهة المعذبة فيقول:
وكانت تمر به ساعات يغلبه فيها اليأس وتطبق عليه الشجون وتغيم آفاق نفسه فيقول:
تُؤَمِّل لِلنَّفس الشَجِيَّة فَرحَةً
وَتأبى الخُطوبُ السودُ إِلّا تَماديا
لَياليك في زاهيك أَصفى صحِبتُها
كما صحبت قبلي الملوكُ اللَياليا
نَعيمٌ وَبؤسٌ ذا لِذَلِك ناسِخٌ
وبعدهُما نَسخُ المَنايا الأمانيا
ويوجه عتابه إلى الدهر الذي لم يجمل في معاملته ولم يقن الحياة في سلوكه معه فيقول:
والخطوب التي مرت عليه لم تنل منه وحده وإنما نالت كذلك من الذين ماتوا يؤملون خيره ويرجون برِّه وينيطون به آمالهم ويعلقون عليه رجاءهم:
وكانت طائفة من أهل فاس قد عاثت فيها فساداً فسجنوا في أغمات ولما علموا بوجود المعتمد في السجن رغبوا إلى سجَّانِهم أن يسمح لهم بلقائه والإستمتاع بحديثه فخَّلى السَجَّان ما بينهم وبينه فكان المعتمد يتسلى بمجالستهم ويأنس بقربهم ويبثهم آلامه وشكواه
إلا أن شُفِعَ فيهم وانطلقوا من وثاقهم وبقي هو وحيداً في محبسه يشكوا ضيق الكبل فلما دخلوا عليه مودعين راثين لحاله فقال:
وفي يوم سقوط إشبيلية في يد المرابطين وإحاطتهم بقصر المعتمد ووقوع السلب والنهب فيه كان في جملة من سُبِيَ من نساء القصر بثينة ابنة المعتمد وأمها إعتماد الرميكية وكانت بثينة هذه مثل أمها في الجمال والبديهة الحاضرة وقد ظل المعتمد والرميكية في وله دائم لا يعلمان ما آل إليه أمر بثينة
وكان أحد تجار إشبيلية إشتراها على أنها جارية سُرِّية ووهبها لابنه فلما هُيئت له وأراد الدخول عليها إمتنعت وأظهرت له نسبها وقالت له: (لا أحل لك إلا بعقد زواج شرعي أن يرضى أبي بذلك) وأشارت عليه بتوجيه كتاب من قبلها لأبيها وانتظار جوابه وقد ضمنت كتابها لأبيها هذه الأبيات:
فلمّا وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات، سُرَّ هو وأمّها بحياتِها، ووافق على زواجهما، بعدما عرف أن زوجها من بني نجاد وهم عائلة عربية عريقة من أهل إشبيلية فواق على الزواج وأوصاها بزوجها خيراً فقال:
بُنَيَّتِي كوني به بَرَّةً
فقدْ قَضَى الدهرإسعافه.
ووفى له شعراء بلاطه ولم ينسوا له ما طَوَّق به أعناقهم من الجميل وما أسداه إليهم من المنن والأيادي البيض فتجشموا الرحلة إلى أغمات لماواساته في كربته ومشاركته في محنته ومن الشعراء الذي وفوا له الأديب الشاعر أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة وكان المعتمد يخصه بالتقريب
ويوليه إنعاماًوإحساناً ولما رأى الداني المعتمد وهو يعاني ظلمة السجن وقد عضت بساقيه حلقات الكبل نظم قصيدته التائية المشهورة التي يقول في مطلعها :
ويذكر الشاعر ابن اللبانة أنه مر في أحد الأسواق فإذا ابن من أبناء المعتمد كان يلقب في سلطان أبيه بفخر الدولة اضطره نكد الدنيا وقسوة الزمان الى أن يخدم في حانوت صائغ ليحصل قوته فرآه ينفخ في الفحم ليشعل النار فقال قصيدته المبكية:
وقد ألف ابن اللبانة كتاباً اشتمل على قصائد ومقطوعات في البكاء على أيام بني عباد واندثار دولتهم سماه:( السلوك في وعظ الملوك) وقد وفد على المعتمد وهو في أغمات عدة وفادات.
وابن حمديس من الشعراء الذين حفظوا للمعتمد عهده ورعوا ذمامه فوفوا له في أسره وقد نظم قصيدة عبر فيها عن حزنه لما أصاب المعتمد يقول في مطلعها:
وكتب إليه المعتمد وهو أسير في أغمات يذكر قصوره في إشبيلية ويأسى على ماضي أيامه الزاهرة:
كان للأسر والسجن ومعاناة الأغلال والكبول وما انتاب نفسه من الألم وتعاورها من الهم أثر قوي في انهاك صحة المعتمد وهدم بنيانه الوثيق ويظهر أن المرض اشتد به في السنتين الأخيرتين من حياته وقد شاركته في آلامه امرأته المحبوبة الرميكية ،وكان وجودها معه يخفف الى حد ما ألمه وبلواه
وبرغم ما كانت تعانيه فانها لم تفقد ميلها الى المرح وارسال النكات البارعة ففي أوائل المحنة والنفي في أغمات قالت له : (لقد هنا هنا ) . فقال مجنساً كلامها :
قالت : لقد هنا هنا
مولاي أين جاهنا
قلت لها: الى هنا
صيرنا الهنا
ولما مرض قالت له (یا سیدی مالنا قدرة على مرضاتك
في مرضاتك )
ولما أحس المعتمد بدنو أجله نظم قصيدة وأوصى بكتابتها على قبره يقول فيها:
ويصف لنا الفتح في القلائد حالة المعتمد في سنواته الأخيرة بقوله:(ولم تزل كبده تتوقد بالزفرات وخَلَده يتردد بين النكبات والعثرات ونفسه تتقسم بالأشجان والحسرات إلى أن شفته منيته وجاءته بها أمنيته فدفن بأغمات وأريح تلك الأزمات وعطلت المآثر من حلاها
وأفردت المفاخر من علاها ورفعت مكارم الأخلاق وكسدت نفائس الأعلاق وصار أمره عبرة في عصره وصاب أندى عبرة في مصره )
وتوفي المعتمد في السجن بأغمات لاحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة 488 هجرية وقيل في ذي الحجة وكانت زوجته المحبوبة إعتماد قد سبقته إلى القبر ونودي في جنازته بالصلاة على الغريب بعد عظم سلطانه وجلالة شأنه واجتمع عند قبره جماعة من الشعراء الذين كانوا يقصدونه بالمدائح ويجزل لهم العطايا
ولما كان أول عيد بعد وفاة المعتمد وفد الشاعر أبو بحر بن عبد الصمد الى أغمات لزيارة قبر المعتمد كما كان يزوره في قصره ويقول الفتح (فلما كان يوم العيد وانتشر الناس ضحى قام على قبره عند انفصالهم من مصلاهم واختيالهم بزينتهم وحلاهم وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه وخر على تربه ولثمه :
وقد زار لسان الدين بن الخطيب وزير دولة بني الأحمر في غرناطة قبر المعتمد بن عباد بعد ٢٧٣ سنه من وفاة المعتمد وقال: وقفت على قبر المعتمد بن عباد بمدينة أغمات في حركة راحة أعملتها إلى الجهات المراكشية باعثها لقاء الصالحين ومشاهدة الآثار سنة ٧٦١ وهو بمقبرة أغمات في نشز من الأرض
وقد حفت به سِدره وإلى جانبه قبر اعتماد حظيته مولاة رميك وعليها هيئة التغرب ومعاناة الخمول من بعد الملك فلا تملك العين دمعها عند رؤيتها فأنشدت في الحال:
ويقول المقري: (وقد زرت أنا قبر المعتمد والرميكية أم أولاده حين كنت بمراكش المحروسة عام ۱۰۱۰ هجرية وعُمِّي عليَّ أمر القبر المذكور وسألت عنه من تظن معرفته له حتى هداني الله شیخ طعن في السن وقال لي :(هذا قبر ملك ملوك الأندلس ، وقبر حظيته التي كان قلبه بحبها خفاقاً غير مطمئن )
فرأيته في ربوة حسبما وصفه ابن الخطيب رحمه الله تعالى في الأبيات وحصلت لى من ذلك المحل خشية وادکار وذهبت بي الأفكار في ضروب الآيات فسبحان من یؤتي ملکه من يشاء لا اله غيره وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين )

جاري تحميل الاقتراحات...