فأقام المعتمد في أغمات أسيراً قد ضُيِّق عليه ، کاسف البال كسير القلب يسام سوء المعاملة ويتجرع من الهوان وتزدحم على خواطره الهموم و تطوف به ذكريات ملکه السابق ومجده السالف وليس الى جانبه صاحب يفضي اليه بآلامه ومواجعه ويطارحه الحديث الذي يرفه به عن نفسه ويخفف من أساه ولوعته
وأثر سوء الحال وشظف العيش ورداءة المطعم والمسكن في صحتهن واتفق وفود الوزير الأندلسي أبي العلاء زهر بن عبدالملك بن زهر في مراكش وكان قد استدعي لعلاج أمير المسلمين فكتب اليه المعتمد يستقدمه لعلاج بعض كرائمه ومطالعة أحوالها بنفسه
وقد أشار المعتمد في هذه الأبيات إلى حادثه وقعت لآثر حظياته وأكرم بناته حينما ألجئت إلى أن تستدعى غزلاً من الناس تسد بأجرته بعض حالها فأدخل عليها فيما أدخل غزل لبنت عريف شرطة أبيها وكان يقف بين يديه يزع الناس يوم بروزه ولم يكن المعتمد يراه إلا ذلك اليوم.
وتطوف به الذكريات على قصوره بالأندلس مثل قصر (المبارك) وقصر (الزاهي)و (الثريا)و (الوحيد) فيقول :
بكى المبارك في اثر ابن عباد
بکی علی اثر غزلان و آساد
بكت ثراه لاغُمت کواكبها
بمثل نوء الثريا الرائح الغادي
بکی الوحید ، بكى الزاهي وقبته
والتاج والنهر كل ذله بادی
بكى المبارك في اثر ابن عباد
بکی علی اثر غزلان و آساد
بكت ثراه لاغُمت کواكبها
بمثل نوء الثريا الرائح الغادي
بکی الوحید ، بكى الزاهي وقبته
والتاج والنهر كل ذله بادی
ولكنه تلقى مصيره صابراً محتسباً ويطيل التأمل في تقلبات الدهر ويقول :
من يصحب الدهر لم يعدم تقبله
والشوك ينبت فيه الورد والآس
يمر حيناً وتحلو لي حوادثه
فقلما جرحت إلا انثنت تاسو
من يصحب الدهر لم يعدم تقبله
والشوك ينبت فيه الورد والآس
يمر حيناً وتحلو لي حوادثه
فقلما جرحت إلا انثنت تاسو
وكانت تمر به ساعات يغلبه فيها اليأس وتطبق عليه الشجون وتغيم آفاق نفسه فيقول:
تُؤَمِّل لِلنَّفس الشَجِيَّة فَرحَةً
وَتأبى الخُطوبُ السودُ إِلّا تَماديا
لَياليك في زاهيك أَصفى صحِبتُها
كما صحبت قبلي الملوكُ اللَياليا
نَعيمٌ وَبؤسٌ ذا لِذَلِك ناسِخٌ
وبعدهُما نَسخُ المَنايا الأمانيا
تُؤَمِّل لِلنَّفس الشَجِيَّة فَرحَةً
وَتأبى الخُطوبُ السودُ إِلّا تَماديا
لَياليك في زاهيك أَصفى صحِبتُها
كما صحبت قبلي الملوكُ اللَياليا
نَعيمٌ وَبؤسٌ ذا لِذَلِك ناسِخٌ
وبعدهُما نَسخُ المَنايا الأمانيا
وكانت طائفة من أهل فاس قد عاثت فيها فساداً فسجنوا في أغمات ولما علموا بوجود المعتمد في السجن رغبوا إلى سجَّانِهم أن يسمح لهم بلقائه والإستمتاع بحديثه فخَّلى السَجَّان ما بينهم وبينه فكان المعتمد يتسلى بمجالستهم ويأنس بقربهم ويبثهم آلامه وشكواه
وفي يوم سقوط إشبيلية في يد المرابطين وإحاطتهم بقصر المعتمد ووقوع السلب والنهب فيه كان في جملة من سُبِيَ من نساء القصر بثينة ابنة المعتمد وأمها إعتماد الرميكية وكانت بثينة هذه مثل أمها في الجمال والبديهة الحاضرة وقد ظل المعتمد والرميكية في وله دائم لا يعلمان ما آل إليه أمر بثينة
فلمّا وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات، سُرَّ هو وأمّها بحياتِها، ووافق على زواجهما، بعدما عرف أن زوجها من بني نجاد وهم عائلة عربية عريقة من أهل إشبيلية فواق على الزواج وأوصاها بزوجها خيراً فقال:
بُنَيَّتِي كوني به بَرَّةً
فقدْ قَضَى الدهرإسعافه.
بُنَيَّتِي كوني به بَرَّةً
فقدْ قَضَى الدهرإسعافه.
ووفى له شعراء بلاطه ولم ينسوا له ما طَوَّق به أعناقهم من الجميل وما أسداه إليهم من المنن والأيادي البيض فتجشموا الرحلة إلى أغمات لماواساته في كربته ومشاركته في محنته ومن الشعراء الذي وفوا له الأديب الشاعر أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة وكان المعتمد يخصه بالتقريب
وقد ألف ابن اللبانة كتاباً اشتمل على قصائد ومقطوعات في البكاء على أيام بني عباد واندثار دولتهم سماه:( السلوك في وعظ الملوك) وقد وفد على المعتمد وهو في أغمات عدة وفادات.
كان للأسر والسجن ومعاناة الأغلال والكبول وما انتاب نفسه من الألم وتعاورها من الهم أثر قوي في انهاك صحة المعتمد وهدم بنيانه الوثيق ويظهر أن المرض اشتد به في السنتين الأخيرتين من حياته وقد شاركته في آلامه امرأته المحبوبة الرميكية ،وكان وجودها معه يخفف الى حد ما ألمه وبلواه
وبرغم ما كانت تعانيه فانها لم تفقد ميلها الى المرح وارسال النكات البارعة ففي أوائل المحنة والنفي في أغمات قالت له : (لقد هنا هنا ) . فقال مجنساً كلامها :
قالت : لقد هنا هنا
مولاي أين جاهنا
قلت لها: الى هنا
صيرنا الهنا
ولما مرض قالت له (یا سیدی مالنا قدرة على مرضاتك
في مرضاتك )
قالت : لقد هنا هنا
مولاي أين جاهنا
قلت لها: الى هنا
صيرنا الهنا
ولما مرض قالت له (یا سیدی مالنا قدرة على مرضاتك
في مرضاتك )
ويصف لنا الفتح في القلائد حالة المعتمد في سنواته الأخيرة بقوله:(ولم تزل كبده تتوقد بالزفرات وخَلَده يتردد بين النكبات والعثرات ونفسه تتقسم بالأشجان والحسرات إلى أن شفته منيته وجاءته بها أمنيته فدفن بأغمات وأريح تلك الأزمات وعطلت المآثر من حلاها
وأفردت المفاخر من علاها ورفعت مكارم الأخلاق وكسدت نفائس الأعلاق وصار أمره عبرة في عصره وصاب أندى عبرة في مصره )
وقد زار لسان الدين بن الخطيب وزير دولة بني الأحمر في غرناطة قبر المعتمد بن عباد بعد ٢٧٣ سنه من وفاة المعتمد وقال: وقفت على قبر المعتمد بن عباد بمدينة أغمات في حركة راحة أعملتها إلى الجهات المراكشية باعثها لقاء الصالحين ومشاهدة الآثار سنة ٧٦١ وهو بمقبرة أغمات في نشز من الأرض
ويقول المقري: (وقد زرت أنا قبر المعتمد والرميكية أم أولاده حين كنت بمراكش المحروسة عام ۱۰۱۰ هجرية وعُمِّي عليَّ أمر القبر المذكور وسألت عنه من تظن معرفته له حتى هداني الله شیخ طعن في السن وقال لي :(هذا قبر ملك ملوك الأندلس ، وقبر حظيته التي كان قلبه بحبها خفاقاً غير مطمئن )
فرأيته في ربوة حسبما وصفه ابن الخطيب رحمه الله تعالى في الأبيات وحصلت لى من ذلك المحل خشية وادکار وذهبت بي الأفكار في ضروب الآيات فسبحان من یؤتي ملکه من يشاء لا اله غيره وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين )
جاري تحميل الاقتراحات...