لماذا نحب "التغريبة الفلسطينيّة"؟
١- عمد سيف وعلي إلى " تأنيس " القضية الفلسطينيّة، دون الدخول في السجالات السياسيّة، والصراعات الدينيّة، والتاريخيّة. وكأنه يشير إلى " بداهة الحق " في هذه القضيّة. ومن يشاهد شيئًا من السينما المعنية بالقضية اليهوديّة، يعي أهمية ذلك بوضوح.
١- عمد سيف وعلي إلى " تأنيس " القضية الفلسطينيّة، دون الدخول في السجالات السياسيّة، والصراعات الدينيّة، والتاريخيّة. وكأنه يشير إلى " بداهة الحق " في هذه القضيّة. ومن يشاهد شيئًا من السينما المعنية بالقضية اليهوديّة، يعي أهمية ذلك بوضوح.
٢- عطفًا على الفكرة السابقة، يشير سيف إلى فكرة تتكرر في غيرما مشهد في المسلسل، وهي أنّ بلادنا ليست جميلة بالقدر الذي نظن، لكن هذا لا يعني أن نفرّط بها...
طبقيّة لعينة، وإقطاعيّة تهلك الحرث والنسل (أبو عايد والمختار)وعشائريّة تافهة (معنى ألا تكون من حمولة السبعاوي) وخرافات تعشعس في أذهاننا (قبر أبو النار)...
تعنيف للنساء (زواج خضرا المأساوي، قتل جميلة جريًا على قانون الشرف) وكتاتيب عُنفيّة (حسن الذي عُذّب، وابن ابو عايد الذي ضرب بالعصا التي صنعت يداه)..وهذه الفكرة تبرز في موضوع تعبير علي عن حياة الفلاح، وموضوع تعبير أحد أبناء أبو صالح عن الفلاح، الذي يصححه له علي بعد أن يكبر...
٣- استدخال الأرشيف الحقيقي (الأبيض والأسود) أضفى مصداقية غير عاديّة على المسلسل، أخرجه من دوائر التخييل والتحايل، وتزييف الرواية التاربخيّة (يحكي حاتم علي عن إحدى الحجّيات الفلسطينيات بأنّها قامت تبحث عن ابنها الذي فقدته في النكبة على التلفاز حين مرّ طابور اللاجئين في المسلسل!)
٤- عبقرية السرد، أعظم ما في هذا المسلسل، كل نصٍّ أهل لأن يحفظ، ويدرّس، ويكتب، ويعلّق على حوائط البيوت الفلسطينيّة، كما الخارطة، والمفتاح، وحنظلة.
٥- تقنية الاسترجاع، عظيمة جدًا كانت أيضًا، أنت هنا تستمع إلى حكاية.
٥- تقنية الاسترجاع، عظيمة جدًا كانت أيضًا، أنت هنا تستمع إلى حكاية.
٦- المخرج لم يُستدرج إلى "موقعيّة المشاهد" وآماله، ورغائبه بل بقي محافظًا على " موقعيّة المشهد " وصدقيّته، وواقعيّته. كلّنا تمنّينا أن يرجع حسن من الجهاد، لكن ذهب شهيدًا، بعد أن تعلّقنا به. جميلة، معشوقة حسن، قتلتها حمولتها، لكم تمنّينا بقاءها، وزواجها بـ حسن، لكن حصل الذي حصل..
الرجل الظريف، المرح في المخيم، الذي هاجر صحبة مسعود إلى الكويت، نفق في الصحراء. أحببناه، لكنه ذهب...
سيف وعلي عُنيا بملحميّة المأساة الفلسطينيّة، وفجيعتها، أكثر من الرغبة من مؤانسة المشاهد، وخلق اللذّة عنده...
سيف وعلي عُنيا بملحميّة المأساة الفلسطينيّة، وفجيعتها، أكثر من الرغبة من مؤانسة المشاهد، وخلق اللذّة عنده...
٧- الشخصيّات فوق العادة، تمثيلًا، وآداءًا، جوليت عواد، تستحق أوسكار على تمثيلها. الأم الفلسطينيّة بكل نضالها، وجهادها، وبساطتها، وشموخها. أبو صالح، مسعود، حسن، علي الخ
أخيرًا، عديدة هي المشاهد التي استوقفتني، لكن هذه ما حفرت في الذاكرة:
أخيرًا، عديدة هي المشاهد التي استوقفتني، لكن هذه ما حفرت في الذاكرة:
- مشهد حسن حين كسر عصا الشيخ في الكُتّاب، بعد أن هبّره بالعصا. بدايات الوعي عند الجيل الفلسطيني، فطرة الفلّاح.
- قرعة علي وحسن بالحجر، لتحديد أيٍّ منها سيذهب إلى المدينة، لإكمال تعليمه. حسن جعل في يده حجرين لا حجرًا واحدًا!
- قرعة علي وحسن بالحجر، لتحديد أيٍّ منها سيذهب إلى المدينة، لإكمال تعليمه. حسن جعل في يده حجرين لا حجرًا واحدًا!
- مشاجرة أبو صالح، وفوزي الوحش، التي أثمرت فيما بعد تعاونًا نضاليًا، ضد سماسرة اليهود، وجهاديًّا، جعل من فوزي ذئبًا منفردًا، ينكّل بكبار ضباط الجيش الانكليزيّ. وهذا يذكرنا بفرانز فانون، وفريري، وكيفية تجاوز قانون " عنصرية المضطهدين ".
حيث يعمد المستعمر إلى تحويل الصراع إلى أفقي-اجتماعي، بدل أن يكون عامودي-سياسيّ، وبذلك يصرفه عن نفسه، بعد تفهّم عميق لـ " سايكولوجيّة المقهورين "...
- أبو صالح يذرع الأرض على شغف الجبال، وبعد انتهاء الثورة الفلسطينيّة، بقي وحيدًا، خاف أن يعود إلى مزاولة ما كان يفعل من قبل. ما أقسى أن تنفر للجهاد، تقاوم المستعمر، تعابث الموت، تعدم الخونة، ثم تعود إلى تعشيب الأرض، وحلب البقر، ومناكدة العرصات من أمثال المختار وأبو عايد.
- ليس بعيدًا عن هذا المشهد، مشهد أبو عايد وقد ألمّت به لعنة الفقر، لكن لكونه عرصًا، لم ولن نأبه له.
- علي، أثناء القصف، في الـ 48، جلس كالنساء، يندب قدره، ويدارِ خيبته، في حين أبو صالح تزنّر سلاحه، وحسن أتلف مهجته. علي مثال جيّد لبؤس المثقف، يتحول الواقع، إلى أسئلة وجوديّة، وفلسفيّة، وتضيع اللحظة، والموقف الأخلاقيّ.
- مسعود، مثال للعقلانيّة المتطرّفة، علي لم يقاتل لأنه مسكون بالسؤال، لا العمل. بينما مسعود لم يقاتل لأنه مسكون بالعمل، لكن ليس العمل وفق رؤيويّة حسن، وأبو صالح، إنما العمل البراغماتي، الذي يقوم على حظّ النفس، لا حقّ الله، والوطن السليب!
- مسعود، يطلب من عليّ أن يحلق ذقنه، بعد الاستقرار في المخيّم " لقد صار للمخيّم حد ". مسعود كان بالنسبة لعليّ، كابوسًا، صفعة مؤلمة، إنه الواقع.
- صلاح، الابن الأصغر لأبو صالح، يجسد تحوّل ذهنية المثقف، من علي إلى صلاح، علي مثقف محافظ، كلاسيكي، يفكّر كثيرًا، تفصله مسافة بين الفكر، والفعل، في حين صلاح، مثقف ملحميّ، يريد تغيير العالم، يلبس معطف سارتر، ويحمل مقطرقة نيتشه. ثم ماذا؟ ينقذه رشدي.
- رشدي، مثال للوعي الفلسطينيّ الذي يكبر، ويتعاهده صاحبه بالصبر، والعمل، والحكمة. لكن حين يجد الجد، يتزنّر سلاحه، بعد أن خبّأه طويلًا في مغارة حجريّة.
- من أكثر المشاهد إيلامًا، أبو صالح يخنق موظف الأوناروا، هذا المشهد أعرفه جيّدًا، في الوحدات، من المخازن المهجورة، إلى قرية الطيّبات، جلست لسنوات، على طابور المساعدات، أشاهد استبداد الموزّعين، بصقهم على الرجال، وشتمهم للنساء ..كرت المؤمن، ما أقبح أن تكون لاجئًا.
- أمّا أشدّها إيلامًا، حين اعتقل أبو صالح في الـ 67. يكلمه ضابط إسرائيليّ، لم يكن يصدّق أنّ الضابط أطلق سراحه، ما تحاشاه على شغاف الجبال، لقاه في زقاق المخيم. لعنة الحور بعد الكور، تلك التي استعاذ منها نبيّنا - عليه الصلاو والسلام - !
- مسعود، في رحلته للكويت، سرقه عربيّ، وآواه عربيّ.
- أخيرًا، حين تنهي الحلقة الأخيرة، عليك بالرجوع إلى المشهد الافتتاحيّ، حين ترى أبو صالح مسجّىً، ويرثيه عليّ: من يحمل عبء الذاكرة؟
#التغريبة_الفلسطينيّة
#حاتم_علي
#وليد_سيف
#التغريبة_الفلسطينيّة
#حاتم_علي
#وليد_سيف
جاري تحميل الاقتراحات...