عبداللطيف خالد القرين
عبداللطيف خالد القرين

@AlquraynAK

35 تغريدة 31 قراءة Jan 18, 2021
الدرس الأخير من سلسلة ما قبل الثلاثين، يكثر الحديث عن فقد العلاقات لعدم الملاءمة، ويبقى الطرفان جيدين في صفاتهما. أحيانًا نقطة عدم الملاءمة خاصة للطرف -المتروك- تثير أسئلة لا أجوبة لها. وتبقى كثير من الأسئلة مجهولة بسبب تعقيد العلاقات. لكن انتبه أحيانًا من تركك -فعلًا- لا يستحقك.
أو بمعنى أكثر حيادًا بينك والطرف الذي تركك، قد لا يكون الشخص المناسب للأشياء التي تعتبرها عطاء، وقوف، تضحية. فهناك شخصيات يثقلها الالتزام؛ لأنه يجعلها مهددة برد الدين في أي وقت وهي تخشى هذا العبء إلى جانب كونها شخصيات تميل للحفاظ على مصالحها الفردية بما فيها مشاعرها اللحظوية.
هؤلاء الأشخاص يميلون إلى العلاقات الأقل التزامًا، ليس معناها أنهم يتنقّلون بين العلاقات. لكن تريحهم العلاقة التي لا يبذخ فيها الطرف الآخر بعطائه؛ لأنهم يخافون التفريط غدًا في بعض رغباتهم من أجل الطرف الآخر والتفريط براحتهم أحيانًا في فترة معينة خاصة في العلاقات العاطفية.
فيصل الأمر سواء بالنسبة للعلاقات العاطفية أو الصداقات أن يرون هذه العلاقة مع شخص معطاء-مسمومة وغير صحية-وهذا طبعًا خطأ في التسميّة وفيه قلة احترام للعلاقة من قبلهم وقد ناقشت هذه النقطة في تغريدات سابقة، لكن عمومًا تبقى هذه العلاقة غير ملائمة بالنسبة إليهم.
ولك أن تتخيّل تعقيد العلاقات، فكّر فيها أن يتركك شخص لأنك أعطيته، ليس لأنه جحود. المسألة باختصار أنه لا يستطيع التعامل معك أنت تثقل كاهله.
في أحد النقاشات مع أخصائي علاقات عاطفية/صداقات، قال: "some people can't handle what you give!" بعض الناس لا يستطيع أن يتحمل ما تعطيه!
كنت قد سألته هذا السؤال بعد موقف صادم مع صديق عزيز جدًا، أنهى الصداقة من أجل كلمة قلتها أنا ولم يخبرني بها. بعد محاولات لاسترضائه لم أجد إلا إساءة ومحاولة لأن يخبرني جاهدًا: أنه أعطاني مثل ما أعطيته و "الله يستر عليك". كانت العبارة غريبة جدًا فهمتها جيدًا بعد نقاشي مع الأخصائي.
وقتها كنت مصدومًا كيف يمكن لشخص أن ينكر ما قدمته إليه -وكان كبيرًا جدًا وفي يوم لم أمن عليه بها بل كانت حبًا ومعزة- أشياء لم أقدمها حتى لأخي. من أجل كلمة؟ المسألة لم تكن قابلة للتفسير، لكن مسألة الشعور بالضغط تحت العطاء كانت سببًا أكثر إقناعًا + الرغبة في حماية الكرامة والمشاعر.
فهو يتخيّل لأنني خدمته فأنا أهينه، وهي العقليّة ذاتها التي تدفع شخص آخر للهروب من علاقة لأنه يشعر بضغط من عطاء الآخر. وهو إنسان رائع للأمانة؛ لذلك تمنيت لو لم أقدم له تلك الخدمة لنبقى أصدقاء، لم أكن أفهم وقتها هذه الفلسفة أن هناك يشعرون بالضغط تحت العطاء والالتزام من الطرف الآخر.
فهذه الشخصيات مهما كانت علاقتك معهم جيّدة وفيها عطاء متبادل، لكن لأنهم يريدون حماية ذاتهم ومشاعرهم، فعندما تخطئ في يوم، أسهل ما عليهم أن يهدموا هذه العلاقة دون اعتبار لما قدمت غليهم؛ لأنهم يرون العطاء عبءًا. لذلك عندما يغادرون يذكرونك أنهم أعطوا أيضًا.
فيقول الأخصائي لنفهم هذه المسألة بشكل أوضح؛ لأنها معقدة. لنطبقها على العلاقات العاطفية/الارتباط، عندما يكون أحد الطرفين ينتمي إلى هذه الشخصية داخليًا يخشى أن تضحيات الطرف الآخر تجبره أن يتخلى عن بعض رغباته غدًا، ويميل لعلاقة لا يظهر فيها العطاء الكبير لشريكه؛ لأنه يجعله قلقًا.
ففي هذه الحالة لا تسأل لماذا تركني وأنا أعطيه، هو فعليًا تركك لأنك أسرفت في العطاء. فالشخصيات غير متلائمة، إن كنت شخصًا معطاءً، خاصة مع شريكك حاول أن تفهم معنا الالتزام عنده،والتضحيات، بعضهم يتحسس بمجرد ما تذكر له كلمة تضحية ويرتعد منها. هذا شخص غير مناسب لعطائك.
بعض الناس في المقابل عقليته مبنيّة على العطاء والتضحية، فلا يشعر بثقل وهو يعطي لكن الطرف الآخر وهو يرد -يشعر بإنهاك- يصل إلى مرحلة يجب أن يقطع العلاقة. فيظن الأول أنه مظلوم، وأن الآخر جحد عطاءه، وغيره. هو في الحقيقة لا يستطيع ولا يريد أن تحمّله أعباءً لسنوات عمر.
تجربتي كانت صادمة لأنني حقيقة بذلت من ذهني وداخلي لهذا الصديق بالذات، لا أريد أذكر تفاصيل ما قدمته إليه. لكن هو كهذا المثال: تخيّل أن ينقصك شيئًا مهمًا جدًا يؤثر في استقلاليتك كإنسان، ودون أن تشتكي يأتي صديقك ويقدم لك هذا الشيء ليعطيك استقلاليتك دون أن تطلب منه أبدًا.
الفكرة التي آذتني أول ما حدثت المشكلة بيني وبينه، أن أحدًا لم يقل لي قدم له خدمة، ولم يطلب مني هو، كان اهتمامًا وعطاءً. فكانت خدمة كبيرة ودون أن يطلبها ثم لا تشفع أن يعذر لك أخطاء تافهة؟ وقبل ما أعطيه كان يغفر لي أسوأ من هذه الأخطاء.
إنها لعنة العطاء، كن عاديًا مع بعض الأشخاص.
وإن استطعت لا مانع من تخفيض العطاء مع الجميع -إن كنت معطاء بشكل كبير- لأنك لا تعلم هذه التفاصيل الدقيقة في الأشخاص إلا بعد معاشرتهم لمدة طويلة. رغم أنني ضد ألا يكون الإنسان نفسه وعفويًا في كل علاقاته ويتصرف بما لديه من عطاء دون خوف، وهذا شيء غريب أن يخاف الإنسان عطاءه.
عدم التوافق بين الشخصيتين في هذه المسألة بمعنى أن يكون أحدهما معطاءً والآخر يثقله العطاء ليس سهلًا. ومن الممكن تقبله بين الأصدقاء لأنك تستطيع أصلًا أن تقلل من هذا العطاء معهم، لكن مع شريكك صعب جدًا ألا تكون كما أنت معه؛ لأن هذا العطاء يشكل فلسفتك في الحياة و هو التعبير عن حبك له.
حاولت اختبار هذا الشيء مع بعض الأفراد، عندما أقول له لو شريكك أعطاك كذا وكذا وكذا، وسردت له أمورًا كثيرة، يقول ماذا يريد مني في المقابل؟ و بعضهم يسعد بكل هذا -ليس خائفًا من الحمل في المقابل- لأنه لا يراه حملًا، بل ربما ينظر إليه كنوع من المشاركة ويحقق الأمان في العلاقة.
فهذا هو أحد الأجوبة التي قد تكون ملائمة لسؤالك: لماذا تركني حبيبي/حبيبتي وأنا أعطيه وأنا وفي وأنا أضحي؟ أو ربما وأنا الذي وعدته ألا أتركه قط؟! الفكرة باختصار أنه الشخص الخطأ لتضحي من أجله، وتعطيه عطاءك الموفور. "HE CAN'T HANDLE YOU" هو لا يستطيع تحمّل ما تعطيه. هذا سبب منطقي جدًا
يأتي سؤال هنا، هل كان علي أن انتبه؟ ألا أرهقك عطاءً؟ ألا أقول له أنني سأكون هنا في كل وقت؟ وأن أفزع إليه كلما طلبني؟ وأن أصبر من أجله سنوات؟ هل كان علي أن أقلل هذه الأشياء كلها ليبقى معي؟!
قد تسأل نفسك هذه الأسئلة، بلا شك لا. هناك شخص ملائم لعطائك ولطبيعتك الحقيقية، دعه يرحل.
مثلًا لما تكون شخص من النوع الذي تعطي كل شيء لشريكك -بالتأكيد مع تأمين نفسك من غدر الزمان ماديًا وغيره- تعطي كل شيء إلى الدرجة التي تبقى معه إلى آخر نفس وتتنازل عن أشياء كثيرة من أجله. لماذا تضيع عمرك مع شخص -ليس سيئًا- لكن لا يستطيع أن يُقدّر فيك هذا الشيء و "يرميك" من أجل خطأ.
أعلم أنه من الصعب على العقل فهم أن تكون صفة جيّدة سببًا في افتراق شريكين، لكن هو عدم الملاءمة. لن تستطيع أن تخفّض عطاءك ولا يقدر هو أبدًا أن يتحمّل عطاءك. العلاقات الإنسانية معقدة، هو في النهاية يبقى جيّدًا طالما كان وفيًا ولم يغدر ولا يجوز أن نسمي علاقة كهذه مسمومة حتى من طرفك.
لكن تأكد أن عطاءك الوافر ينتظره قلبًا وينتظره صديقًا ملائمًا. كن كما أنت، لا تتغيّر لإحياء علاقات ميّتة، أو لإبقاء راحلين، أو لإبقاء شخص غير ملائم. فأنت كنز لا يقلل من قيمته عدم تقدير (صديق/حبيب/شريك) له. اذهب إلى من يقدّرك واحفظ قيمتك.
جدير بالذكر أن المسألة ذات علاقة متينة بحجم المعاناة التي مر بها الإنسان فتقديرك لأهميّة التضحية والتنازل والعطاء تبرز عندما تمر في تجربة مريرة. أما من لم يعبروا خلال هذه التجارب ما زالت الحياة وردية أمامهم وطبيعي أن يحاولون الاستمرار في ورديّتها ولا تستطيع أن توجّه مشاعر الناس =
وتتحكم في تجاربهم ويبقى عطاؤك سبب خسارة الأشخاص. (وهذا تحديدًا ما حدث مع صديقي) الحياة ما زالت جميلة أمامه لماذا يرهق نفسه بكلمة جارحة -يتخلّص من صاحبها أفضل- ولماذا يلزم نفسه بأنه أعطاه في وقت سابق -يتخلّص منه أفضل- وليكمل حياته بصفائها. هذه أبسط حقوقه لا تستطيع أن تفعل شيئًا.
نختم بأن العطاء كبير على كثير من الناس في زمن الفردانية والمصالح الشخصية وخاصة مع من لم يتجرعوا مرارة الحياة بعد. فلأنك كبير فلا تبتئس بمن تركك وأنت تعطيه، و لا أحد لا يخطئ في هذه الحياة، لا تلم نفسك كثيرًا، فلو قدّروا عطاءك ما تركوك. ومن لا يقدّر لا حاجة لك به.
نصيحة للجميع، أيًا كانت شخصياتكم، الأفعال هي الحكم في العلاقات. تمسّك بالأشخاص الذين يقدمون لكم كل شيء، ويقفون معكم في السرّاء والضرّاء، لا تتبعوا الزلل فهي كثيرة وموجودة لدى الشخص الجيّد والسيء، فحافظ على الجيّد وإن زل.
تحيّة.
نقطة مهمة، الزاوية التي ينظر منها الشخص المعطاء مختلفة عن الزاوية التي ينظر منها الشخص الذي يثقله العطاء. الأول: يعطيك لأنه يحبك ويكفيه منك تقدير هذا الشيء. والثاني: ما يفهم إن تقدير هذا العطاء كافٍ وأن المسألة ما هي وقفت معك في مرض لا بد توقف معي في مرض. وهكذا يمكن ما يصير موقف.
وأحيانًا من باب الحُب والغزل توضّح لشريكك عطاءك له عن طريق الكلام وتحسب إنك -تبهجه- لكنك قاعد تضغطه. شايفين كيف لُعبة السياقات تقتل علاقاتنا؟ اختلاف السياق ينفع مبرر لكثير من العلاقات الرائعة المنتهية؛ لذلك من انخفاض الوعي لدى الطرفين أن يرفضا -الاشتغال- على العلاقة ويهدمانها.
لذلك من -الفوضى- و -ركل النعم- التخلّص من شريكك -الأمين، الذي تألفه، وتتشاركان في أمور كثيرة- من أجل كلمة وكلمتين، وعدم تفاهم مرة ومرتين، أو لأنه انفعالي/صامت؛ لأنك في كل علاقة تحتاج إلى -أن تعمل- لتنجح هذه العلاقة. فاعمل على ما لديك طالما تكتمل فيه الصفات الأساسية بالنسبة إليك.
جاءتني رسالة رائعة من شخص يخنقه العطاء الوفير، وهذا دلالة أنهم ليسوا أشخاصًا سيئين؛ لذلك أنا مذ البداية كنت أرفض وصف أي علاقة أنها سامة هذا وصف مؤذٍ جدًا لعلاقة جميلة الطرف الآخر فيها معدنه نفيس. وإن وصفني الآخر بالسُم فأنا أفهم -اختناقه-من العطاء، أو أنه لم يجرّب المعاناة وغيره.
ولذلك أنا أرفض -أن أرفض العودة- وهوايتي ترميم الأشياء؛ لأنني أعلم أن سياقاتنا تأخذنا يمنة ويسرة، وأمارس ما قاله هنا أستاذ أسامة الجامع: لا تقس على نفسك وعلى حبيبك/صديقك وغيره. عُد إليه.
ولذلك أبوابي مفتوحة؛ لأن إغلاق الأبواب في وجه المعادن النفيسة قسوة على نفسك أولًا.
في الوقت ذاته سيواجه الإنسان المعطاء من يثقل كاهله العطاء -ويفترق عنه دون أن يعلم الأسباب- ويرفض الرجوع إلى العلاقة وربما يدفعه إحباطه/اختناقه/توتره لوصف هذا الإنسان المعطاء بالمؤذي والسام وهذا له أثر عظيم جدًا قد يُدمّر المعطاء خاصة إن كانت علاقة عاطفية أو من شخص له مكانة كبرى.
فجاءت هذه التغريدات لتدفع المعطاء بإكمال عطائه وأنه ليس سيئًا، وأن من رحل لم يكن الشخص المناسب لعطائك. وإذا بدأت علاقة جديدة، انتبه لهذه المسألة وضع حدودًا تساعد في تنشئة العلاقة بطريقة أكثر صحيّة بين متطلباتك ومتطلبات شريكك. أنت عملة نادرة لا تشغل نفسك. They couldn’t handle you.
نصيحة للجميع، إذا رزقك الله بشريك واعٍ: رمم، رمم، رمم .. لا تهدم.
الهدم للخيانات، للخداع، كل ما عدا ذلك سيبدو أجمل بالترميم أمام جمال البيوت العريقة المرممة تنزوي أحدث القصور. لكن لا ترهق نفسك إن كان الطرف الآخر عازمًا على هدم العلاقة، تستطيع فعل كل شيء إلا التحكم في مشاعر أحد.

جاري تحميل الاقتراحات...