مختار جامل
مختار جامل

@almukhtar24

19 تغريدة 15 قراءة Dec 30, 2020
*هل الأخلاق شرط للحضارة؟*
منذ كنا أطفالًا ونحن نردد بيتَ أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله تعالى:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت .:. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وصرنا كبارًا نستشهد به في المجالس والخطب والمكتوبات من باب استدعاء المخزون الأدبي، وتغطية المساحة الزمنية، أو المكانية
المطلوب ملئ فراغها.
ولا أدري هل خطر على بالنا يومًا ما، محاكمة هذا البيت محاكمة عادلة، والنظر إليه بعين الناقد الواعي؛ لنرَ هل هذا مجرد سبك جميل، وتغزل رائق في الأخلاق، أم هي حقيقة يجب السعي لإيجادها؟
حقيقة لا أدري متى ابتداءً بدأت أنظر لهذا البيت بهذه الطريقة، ولكن كنتُ
أستشهد به من باب الجدل أو الخطابة - كما في الصناعات الخمس في المنطق - لا من باب الجزم والبرهان.
ولكن هل حقيقة هناك اطراد بين قيام الأمم والشعوب، وبين وجود القيم والأخلاق، أو بصيغة أخرى هل الأخلاق شرط في نهضة الأمم، وبقاء نهضتها؟
الحقيقة يجب أن يكون هذا الأمر بدهيًا، ولا يحتاج
إلى تدليل، ويكفي إيراده دليلًا عليه، ولكن السؤال صار طبيعيًا حينما صارت الحضارة تعني النفعية المجردة، وصارت الأخلاق والقيم تعيش على هامش مفهوم الحضارة.
فالجواب عن هذا السؤال صار مطلوبًا، لا لأن المسألة يكتنفها الغموض، وإنما لتغير الواقع الذي بات يتطلب إجابات صارت ضبابية بسبب
ثقافة غالبة مسيطرة تعتم الرؤية!
وبعيدًا عن تحديد مفهوم الحضارة، والاشتباك الحاصل في تحديد مفهوم ذي أبعاد دقيقة لها، وعن أي حضارة بالضبط نتحدث، أُريد هنا الحضارة بمفهومها البسيط: *النظام الاجتماعي المقابل للبداوة، المساعد على زيادة الإنتاج.*
الحضارة بهذا المفهوم هل الأخلاق جزء جوهري من تركيبتها، وشيء أساسي من وجودها؟
أما الجواب الإسلامي فهو التأكيد القاطع؛ إذ يعد الإسلام أن الناموس الإلهي محايدًا، ويميل مع من يأخذ بأسبابه، وأهم سبب وجود الأخلاق، وهذا ملاحظ من خلال نصوص شرعية كثيرة.
لعل أبرزها قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ ﴾ قال الزمخشري رحمه الله تعالى: (قيل: الظلم الشرك، ومعناه أنه لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم ولا يضمون إلى شركهم فسادا آخر).
وكقول النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - فيما أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه- (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) وفي رواية البزار (مكارم).
وهي واضحة - بدلالة إنما الحصرية - على مركزية الأخلاق في قيام مجتمع الإسلام، وتأسيس نهضته،
التي جاء النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لنشر الدين والعقيدة فيه.
وكذلك بشكل أجلى في حديث ابن ماجه بسند حسن عن سيدنا عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: لما رجعتْ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مُهاجرةُ البحر - يعني الحبشة - قال: (ألا تحدثوني بأعاجيب
ما رأيتم بأرض الحبشة؟) قال فتية منهم: "بلى، يا رسول الله! بينا نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم، تحمل على رأسها قُلةً من ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها فخرت على ركبتيها؛ فانكسرت قُلتُها، فلما ارتفعت التفتت إليه، فقالت: سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله
الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل، بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا، قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (صدقت، صدقت كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟).
والذي يظهر لي - والله أعلم - ان التقديس هنا ليس مقتصرًا على
الجانب الباطني، والتطهير من الذنوب فحسب، وإنما بمعنى الإصلاح المجتمعي، والفلاح الحضاري، من خلال استخدام النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لنفس هذه اللفظة في سياقات أخرى حاولت المقارنة بينها.
ومنها - كذلك - قول النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (أفشوا السلام كي تعلوا) أخرجه
الطبراني بسند حسن  من حديث سيدنا أبي الدرداء رضي الله.
وواضح من الحديث قضية الربط بين العلو والمكنة الحضارية، وبين فشو السلام في المجتمع، والذي يعد من أجلى صور الأخلاق، وتجليات رسوخه.
وغيرها من النصوص الشرعية، التي يمكن أن يُستفاد منها تولد الحضارة عن العملية الأخلاقية،
وابتنائها على أرضية قوية ثابتة منه.
ولعل من المستحسن استجلاب نقل نفيس للإمام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في هذا السياق، يقول رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى (١٤٨/٢٨) : "أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق
وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن *الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة.* ويقال: *الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام.*
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم).
فالباغي يُصرع في الدنيا
وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة".
وقد اشتهرت المقوله: "إن الله ينصر الدولة الخ" على أنها من مقول
ابن تيمية، وهي من منقوله كما ترى، بل ذكرها في موضع آخر من مجموع الفتاوى بصيغة تشعر أنها من المرويات فقال: "يروى: " (الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة)" فالعبارة قديمة، ومشتهرة ومسلم بها.
وإذا كان الأمر بالنسبة للمنطلق الديني بهذا
الجلاء والوضوح، فهل مفكرو الحضارة الغربية يقرون بأهمية الأخلاق لقيام الحضارات، وهل وجودها أساسي، أم أن الرؤية المادية صارت قضية الأخلاق تعيش على الحواف؟
في تتمة المقال سأتحدث عن وجهة نظر مجموعة من فلاسفة ومفكري الغرب حول هذه القضية المفصلية
@Rattibha
كرمًا رتبها

جاري تحميل الاقتراحات...