Ex-everything
Ex-everything

@exevth

19 تغريدة 266 قراءة Dec 29, 2020
يستخدم الأديولوجيون عادة أسلوبًا للتأثير النفسي يسمّىٰ [Reverse Psychology/علم النفس الانعكاسي]، وهو أسلوب في التأثير له عدة صور، أحدُها هو اختلاق دوافع مزيّفة لدى المُستهدَف، والتأكيد عليها بهدف دفعه لمخالفتها، ليس عبر مقدمات عقلية مقنعة، بل عبر الإزدراء والتخويف.
- [أنت رجل غيور، إذن أنت تعاني من عُقَدِ نقصٍ في مُرَكَّبِكَ الرجولي، تعوضه بالتسلّط على خيارات زوجتك]، بالتالي يدفع هذا التقريع الرجل للتماهي أكثر مع أساليب الحياة "التقدمية".
- [أنت شخص تناهض الشذوذ؟ إذن أنت إما تعاني من رُهاب المثلية homophobia، وتتصرف رغمًا عنك بناء على مخاوفك المرضية. أو أنك تقمع ميولك المثلية لسبب ما، وتحسد الذين يطلقونها، فتتخذ تجاههم موقفًا عدائيًا مدفوعًا بحسدك]. بالتالي يجد الطرف الآخر نفسه يتماهى مع الشذوذ كي يتحرّر مما سبق.
- [أنتِ ضدّ المساواة المطلقة بالرجل؟ إذن أنتِ شخصية ماسوشية تعاني من عقدة ستوكهولم، وبالتالي تتصرفين كجارية تجاه الذكور الذين يقمعوننا نحن النساء]. فتتخذ المرأة ذات الموقف التقاليدي -من الأسرة والعمل مثلًا- موقفًا "تقدميًّا" حتى لا تبدو "عبدة ذكور" كما يُقال.
يستخدم الطبيب النفسي في الأعلى نفس الأسلوب [ضد ربة البيت]:
[أنتِ ربة بيت مستقرة وسعيدة؟ استقرارك مؤقت (تخويف)، ولمجرد أنك ربة بيت فأنتِ حتمًا بلا اهتمامات [=ساذجة] (ازدراء)، وأنتِ عالة (ازدراء). وستواجهين بالتأكيد "سيناريو معروف ومتكرر" (تخويف)، وستندمين حتمًا (تخويف).
وبأسلوبه الملتوي، هو من جهة يؤكد على أن هنالك سعادة قائمة بالفعل، تحققت برغم مسؤولية الزواج والأطفال، وهذا يُعتبر مستوى متقدم من السعادة لا يتحقق عادة إلا في أسرةٍ متماسكةٍ عاليةِ التواؤم، لكنه يرهن هذه السعادة بافتراضات مستقبلية سوداوية...
...حيث يسلّم [اعتباطًا] أنه استقرار مؤقت، ويعمّم تسليمه على كل ربّات البيوت.
مع أنه يعرف أن نوع التفكير هذا -من منظور العلاج السلوكي المعرفي- خاطئ، لأنه يرهن الواقع الآني -الذي تكيّف معه الإنسان ووجد فيه نفسه واستقراره- بسناريوهات افتراضية سوداوية، قد تحدث مستقبلا وقد لا تحدث.
وهو عندما يستهدف هذا النوع المثالي من الاستقرار، الذي ربما يندر أن تحققه ربّة بيت، يكون بذلك استهدف كل ربة بيت تعيش الواقع العادي السائد الذي -برغم استقراره- لا يخلو من ضغط مسؤوليات وإنهاك وخلافات.
هذا الطرح عادةً محمّل بمصطلحات عائمة مثل السعادة والاستقرار، دون تحديد واضح لماهية السعادة أو ماهية الاستقرار المقصودين. وهو لا يقدم أيّة إجابات على أسئلة مهمة من قبيل [ما هي الصيغة الأمثل للزواج/للأسرة/للأمومة؟ ولماذا؟] وَ [ما هي العوامل التي تؤثر في كل ما سبق؟]
إنه لا يجاوب هذه الأسئلة لأن مُسَلَّمَات الواقع المهيمن السائدة تغنيه عن طرحها ابتداءً، مسلمات من قبيل أن سعادة الإنسان تُقاس بموقعه الاقتصادي ضمن الطبقات الاجتماعية، وأن المرأة لا يمكن أن تكون سعيدة دون أن تعمل، ولأن ربة البيت لا تعمل فسعادتها مهددة على الدوام.
ولأنه طرح أديولوجي، موجّه لتكريس الواقع المهيمن، فهو لا يُفَكِّك المسألة بكامل أبعادها، بل إنه ينطلق مباشرة من [ربوبية البيت] ذاتها بوصفها هي المشكلة، فالواقع المادي ومسلماته حول السعادة والمساواة هو واقع مطلق (مطلق اعتباطا في مزاجه الأديولوجي)،
كما أنه لا يمكن أن يكون هنالك خلل ربما في النظام الاقتصادي، أو في نظام الرفاه الاجتماعي، أو قانون الأحوال الشخصية، أو في أي نظام يمكن أن يؤثر على الأمان الاجتماعي للزوجة التي تجد ذاتها في ربوبية البيت. إذن الخلل يكمن في الفرد، والفرد هنا هو ربة البيت.
يربط هذا الطبيب النفسي ضمنيا بين الوظيفة وبين ما يسميه "الاهتمامات"، وهذا ربط اعتباطي كذلك، فالوظيفة لا تجعل الموظف بالضرورة شخصًا فائقًا متعدد الاهتمامات، بل إن الواقع السائد يقول أن الوظيفة مجرد مصدر للكسب، وأن معظم الموظفين والموظفات أشخاص عاديون باهتمامات عادية وبلا اهتمامات.
أما تصويره لربة البيت على أنها عالة، فهو تكتيك "تحرّري" قديم جدًا ومضلل، يوظف المصطلح بطريقة مراوغة، لأن العالة في الاصطلاح العام هو شخص يأخذ ممن يعيله دون أي مقابل تقريبا. وهذا اصطلاح لا يمكن أن ينطبق بأي حال على ربة البيت...
...هذا بعد تفريغ الزواج من مضامين الأخلاق والعاطفة، والنظر له على أنه علاقة نفعية صِرفة.
هذا التكتيك ينطلق من مسلمتين [أيضًا اعتباطيّتين]:
- ربوبية البيت ليست عملًا
- ما يدفعه الزوج هو صدقة أو مِنّة
لو نظرنا لربوبية المنزل من منظور مادي فهي عمل، ومن منظور اقتصادي هي عمل كذلك، ومن منظور ديني هي عمل، ومن أعظم الأعمال.
وأما ما يدفعه الزوج للزوجة فهو حق، ولها أن تنتزعه منه بالعرف والقانون، وليس منّةً أو صدقة.
ربّما من الأفضل لربة البيت أن يكون مستواها التعليمي جامعي، لدواعي تقدير الذات أولًا، وكي لا تكون ثغرة تُستغل ضدها غدًا بالازدراء والتهميش سواء من الزوج أو غيره.
لكن من حق المرأة أن تجد ذاتها في ربوبية البيت، وأي طرح يزدريها ويُخوّفها من ذلك ليس سوى طرح أديولوجي اعتباطي.
ولا يوجد مبرر لربة البيت المستقرة لأن تتوجس من مستقبلها إلا سوء التوكّل، أو ضغط الأفكار "التقدمية" المستمر الذي تتعرض له دومًا في كل مكان (المساواة المُطْلَقة بين الجنسين، تحقيق الذات السوقي المختزل في الوظيفة، الأم السوبر المستغنية تماما عن الزوج).
في الأخير، لا يوجد ضمانات لأي أحد إزاء أي شيء، مهما كان مركزه الاجتماعي أو الاقتصادي. لذلك أجدى بالإنسان أن ينخلع عن قلقه مما قد يحدث مستقبلًا، ويركز على ما يهوى ويحسن في حاضره، وينميه قدرما يستطيع بالالتزام وحسن التوكل.

جاري تحميل الاقتراحات...