طارق بن سعود بن حمد الجابري
طارق بن سعود بن حمد الجابري

@nomadarab

19 تغريدة 2,026 قراءة Dec 30, 2020
طوال فترة غربتي شاركت في جنائز كثيرة ولكن يبقى في ذاكرتي حالتين وسأذكر لكم إحداهما:
كنت خارج من السوق وذاهب إلى المسجد والتقيت ببعض من الشباب في طريقي فقيل لي أن أحد المسلمون في منطقة قريبة منا قد توفى، فسألت عن اسمه ولم أعرفه ولكن وقع في نفسي أنه واجب علي أن أحضر هذه الجنازة
سألتهم إن كانوا ذاهبون فقالوا نعم، وبدأنا نمشي إلى محطة القطار فأمطرت السماء مطرا غزيرا جدا حتى هممنا أن نعود ولكن أكملنا المسار ولا نعرف ماذا دفعنا لنذهب ولكن علمنا أنه علينا أن نذهب!
وصلنا إلى المنطقة (أوبرن) وركضنا إلى المسجد من شدة المطر وهو مسجد غاليبولي الذي بنته الحكومة التركية للجالية التركية المسلمة هناك وهي تشابه جامع آيا صوفيا... وحينما وصلنا فوجئنا بعدد السيارات وكثرة جموع الناس!
دخلنا المسجد ولم نكاد نجد محل لنقف فيه من كثرة الحاضرين فسألت الحاضرون: من هو المتوفي؟! هل تعرفونه؟ فقالوا لا! ثم نظرت حولي والكل يسأل عنه ومعظم الحاضرون لم يعورفوه فتعجبنا لماذا تجمع له هذا العدد الكبير من الناس حتى لم يكاد يقبى مكان بداخل أو خارج المسجد ليدخل أحد من بعدنا
صلينا عليه وطلب منا أن نساهم في رسوم دفنه وهو ما يقارب 5000 دولارا، فتفاجئ الإمام بكثرة المساهمين حتى تجاوزنا المبلغ المطلوب وأصبح بين يديه ما يقارب 20000 دولارا وفي دقائق فقط، فطلب منا أن نتوقف فقد جمع أضعاف حاجته وقال سيتبرع بما تبقى للمحتاجين صدقة عن الميت
ورأيت أن الإمام كان في غاية الحزن فقلت لعله قريب من الميت ولم أر أحد غيره يعرف الميت... بعدها خرجنا من المسجد وذهبنا لدفنه في مقبرة روك ود وهي إحدى أوسع المقابر في استراليا، ومن كثرة الناس امتلأت المقبرة ولم أجد إلا مكان ضيق لأقف فيه بجانب القبر وكنا كلنا تحت المطر!
أثناء دفنه رأيت أحد معارفي فسألته أتعلم من هو الميت؟! فقال نعم كان من الصالحين وأخبرني باسمه (نسيتها)
ثم عدنا إلى بيوتنا وملابسنا مبلولة من المطر والكل منا متعجب في نفسه من كثرة الحاضرين والكثير منا يتساءل في نفسه ماذا أخرجنا لنذهب في هذا المطر مع كثرة الأشغال؟!
استلمت من بعدها مقطع صوتي وهو تسجيل لإمام من أحد المسجد يذكر فيه قصة المتوفي، فقال لعل الكثير من الحاضرين تساءلوا ما الذي أخرجني من بيتي اليوم لأصلي على رجل لا أعرفه في هذا المطر الشديد؟! فذكر قصته...
أتى هذا الشاب من الحبشة (إثيوبيا) هاربا من الفقر والحروب فقد أرسله أبيه ولم يملك إلا ما لبس وحذائه ولكنه كان متوكلا على الله ففر على قدميه حتى وصل إلى دولة مجاورة ومن هناك هاجر لاجئا إلى استراليا
وكان يلازم المسجد وهو مسجد صغير جدا بالقرب من مسجد غاليبولي لا يصلي فيه إلا عدد قليل من الناس ولهذا السبب لم يعرفه الكثير من الناس
وكان دائما في الصف الأول في كل الصلوات وعرف بسخاؤه وكرمه ولو كان فقيرا، فقال الإمام ما سمع بحاجة مسلم إلا سارع ليتصدق بما عنده!
كان يتصدق بكل ما عنده حتى غضب عليه الإمام وقال له أنت لا تكاد تعين نفسك وتتصدق بكل ما عندك؟!
وقيل أنه إذا سمع بحاجة أي من المسلمين من أي من أقطار العالم سارع بالتصدق وإن لم يكن لديه المال سارع إلى بيته ليجد ما يتصدق به... وكان كثيرا ما يرفض الإمام صدقاته!
بعدها مرض هذا الشاب وأصيب بالسل وهو مرض معدى، فتجنبه معظم الناس خوفا من الإصابة وأصبح يعيش أخر أيامه وحيدا لا يكلمه أحد إلا الإمام وكان معظم الناس يستاءون منه بسبب الكمامة التي كان يلبسها
كان الإمام يحزن عليه كثيرا ويقول أنت وحيد في هذا البلد والكل يفر منك فكان دائما يرد هذا الشاب ويقول كلا، معي الله! ولا حاجة لي لغيره!
فمات الشاب وبكى الإمام حزنا عليه ولم يكن يملك حتى ما يكفيه لرسوم جنازته!
وفي التسجيل الصوتي قال الإمام أن أحد الإخوة أتاه يوم الجنازة فقال والله أني لم أصلي لسنوات ولكني سمعت بموت هذا الرجل ووقع شيء في نفسي أن أذهب فبحثت عن أحد ليراقب أبنائي الصغار (لغياب زوجته) وخرجت في هذا المطر وبسبب هذا الميت المجهول دخلت المسجد لأول مرة وصليت بعد كل هذه السنوات!
حزن الإمام لأنه ظن أنه سيدفن بلا حاضرين ولا معزين ولا مصلين فتفاجئ أن الله أراد له غير ذلك فشيع في جنازة تناسب الملوك والسلطاين! فسبحانه وكفى بالله وكيلا!
«وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا»
أباه*
المساجد*

جاري تحميل الاقتراحات...