عبداللطيف خالد القرين
عبداللطيف خالد القرين

@AlquraynAK

41 تغريدة 281 قراءة Dec 29, 2020
درس جديد من دروس ما قبل الثلاثين، هذه المرّة يتعلّق بالعلاقات بين الشركاء/الزوجين، وتحديدًا حول "السياق" و "المواجدة" و "الصفحة". هل سياقاتنا متلائمة؟ ما مدى قدرتنا على التواجد مكان الآخر؟ و أهميّة أن نكون سويًا في الصفحة نفسها من العلاقة ولا نترك شريكنا في صفحة مختلفة.
الإنسان يرتبط بإنسان آخر (عاطفيًا/زواج رسمي) بعد أن يمضي في هذه الحياة على الأقل 18 عامًا غالبًا، خلال تلك الفترة مرّ بكثير من الأحداث التي صاغت ما هو عليه وقت ارتباطه، هذه الأحداث أثّرت في عصبيته، في قلقه، في سعادته، في مبادئه وفي مقدار الأمان الذي يستطيع منحه للآخرين.
هذه الظروف سأسميها السياق، وأقصد بها المسار الذي مر من خلاله الإنسان قبل أن يصل إلى شريكه. عدم تكامل السياقين مع بعضهما سيحدث خللًا في العلاقة -إن لم يكن الاثنان واعيين لاختلاف السياقين وهذا ما سنتحدث عنه في المواجدة.
لكن ما المقصود باختلاف السياقين؟!
يكون الزوج مثلًا مر في فترة عصيبة طوال الفترة ما قبل ارتباطه وكان وحيدًا ومتحملًا للمسؤولية، ربما يتولّد لديه حاجة أكبر بدعم زوجته له واهتمامها وغيره. وتكون الزوجة عاشت في رخاء إلى ارتباطها ولا تعي كفاية أهميّة أن تكون داعمة بشكل أكبر له لعدم تخيّلها لاختلاف السياق.
ربما يصل الأمر بها أحيانًا أن تعتبر رغبته باهتمامها أو دعمها تصرف غير طبيعي أو مبالغ فيه، وهو على العكس يصنّف ردود فعلها على أنها غير مهتمة. وتحدث الشرارة هنا.
المثال الثاني أن يكون الزوج نشأ في بيئة آمنة ومترابطة أسريًا على عكس الزوجة، هنا لن يفهم الزوج كفاية احتياج زوجته =
إلى مشاعر الأمان ولن تفهم الزوجة لماذا لا يهتم الزوج بهذه النقطة بالغة الأهمية.
وتحدث المشكلة الأكبر باختلاف سقف المعاناة بين الزوجين، أحدهما لم يتعرض إلى أي نوع من الفقد/الفقر/المرض، والآخر مر بجميع الثلاثة أو بواحدٍ منها، سيجد الاثنان صعوبة في فهم الآخر والتعامل معه.
اختلاف السياق يعتبر من أهم الأسباب المبررة لانفصال الشريكين وأقواها، دون أن يكون أحد الاثنين سيئًا، ودون أن تكون العلاقة سامّة كما يتلذذ الفردانيون بالقسوة على العلاقات البشرية غير الموفقة. وإن حدث هذا الفراق فلا أحد يتحمّل وحده؛ لأن الوعي بالاختلاف مرهق جدًا ونسميه هنا المواجدة.
تحدثت الدكتورة رنا با ناجة عن مسألة المواجدة هذه، والمقصود بها أن تضع نفسك مكان الآخر، وعندما تضع نفسك مكانه تتقلّص الفجوة بينك و بين شريكك في السياق. لأنك تتخيّل وضعه بالكامل فكأنك تعيش معاناته فتدرك حينها احتياجاته والعكس صحيح.
فمثلًا تكون أنت في أسرة آمنة ولم تعتد على الخلافات الأسرية إطلاقًا ولا تتخيّل ألمها أصلًا. فيأتيك زوج من أسرة مهزوزة، وفي يوم من الأيام يأتي منفعلًا بسبب مشكلة حدثت في بيت أهله. عدم تواجدك في موقعه سيصعب عليك التعامل معه، وتقبل كلماته الثقيلة إن قالها وهو غاضب. لأنك لا تتفهمه.
الحقيقة أنك لن تجد شريكًا مثاليًا إلى درجة أن صفاته ملائمة وكذلك سياقه ملائم، فعندما تجد شريكًا رائعًا بسياق مضطرب يجب أن تستثمر في المواجدة وهي أن تضع نفسك في مكانه لتتخيّل وتتصوّر آلامه واحتياجاته. عندها كثير من الخلافات ستنتهي قبل أن تبدأ، وبعض الانفعالات ستكون لها مبرراتها.
ماذا يحدث إذا لم يتماثل السياقان وفشل الشريكان في عمليّة "المواجدة" مكان الطرف الآخر؟
سيغضب أحدهما ويظن أن غضبه مبرر، سيجرح أحدهما ويعتبر جرحه كاف لإنهاء علاقة.
الإشكالية تحدث إذا كان الانزعاج بلا مصارحة ومناقشة، سيكون وقتها كل شريك في صفحة مختلفة تمامًا من العلاقة وهذا خطر.
المسألة كالتالي:غضب شريكي نتيجة لظروفه التي فشلت في وضع نفسي مكانه لتخيلها فلم أعذره.صَمَتّ ولم أخبره بانزعاجي أو أني أخبرته وانزعج لأنه توقع مني أن أكون مقدرًا لحالته. في كل الأحوال سأستمر في انزعاجي وسأنتقل من صفحة العلاقة المتينة إلى صفحة فيها بعض الفتور حتى أصل إلى الأخيرة.
بعدها تبدأ إشكاليات التواصل بالنمو حتى وقت الفرح؛ لأنني انتقلت إلى الصفحة الأخيرة وفقدت الرغبة في العلاقة والطرف الآخر مازال في منتصف الكتاب فيتصرف وكأنني معه في صفحته والمشاعر نفسها.وهذا ما يحدث مع الصامتين غالبًا.
هذا التباين بين موقعنا الذي نظن والموقع الحقيقي للعلاقة يهدمها.
انعدام الحوار عمومًا يجعل تفهم اختلاف السياقات أصعب، ويُعَقّد عملية المواجدة والشعور بالآخر وبالتالي تحدث التراكمات/ونتيجة لها يُفْقَد الشغف بالعلاقة مهما كان حبك للشخص الآخر. ولا يعني ذلك أن الشخص نفسه سيء أو سُميّة العلاقة. هذه العلاقات تنتهي لسبب وجيه وكافٍ عدم التوفيق وحسب.
لذلك بعد فترة تجد الطرفين سواء الشخص الذي بادر في إنهاء العلاقة أو الذي كان متمسكًا لحظة إنهائها. كلاهما يجد في داخله شعورين افتقاد للطرف الذي يعرف أنه رائع و عدم رغبة في الاجتماع به مرة أخرى هذه الملفات المتراكمة تركت انطباعًا راسخًا أن هذا الإنسان لن يستطيع اسعادك.
هل هذا يعني أنه لو كان الاثنان على مقدار من الوعي لا يقدران على إعادة العلاقة، بالنسبة إلي يقدران إذا تفهما مكمن الخلل. لكن المشاعر أقوى، عندما تنطفئ في أحدكما ولم يعد يرغب بالعلاقة فحتى الطرف المتقد في عواطفه يبدأ يرفض عودة العلاقة لأنه فقد الأمان وكل هذا حدث بسبب العوامل أعلاه.
والحياة لُعْبة سياقات احترافية، التوقيت يفرق، الوعي يفرق، وتفاصيل صغيرة تدفع علاقة للاكتمال أو الانهيار؛لذلك أحببت الكلمة التي رددتها دكتورة رنا في الحلقة أعلاه:"لازم الاثنين يشتغلون على العلاقة".العلاقة تحتاج إلى عمل وبذل ليس من ناحية الاهتمام،بل لحمايتها من لعبة السياقات أيضًا.
بعد انتهائنا من مسألة إمكانية الفراق لعدم توافق السياق وما بعدها من مراحل، دون أن يتحمل أحدكما الذنب، يجب أن نركّز قليلًا على مسألة "يشتغلون على العلاقة". هنا ضروري تحمي نفسك من تغريدات تويتر العمومية وتنتبه لاختلاف المجتمعات فكثير من المغردين يتحدثون بطريقة لا تتفق مع مجتمعنا.
تغريدات تويتر العمومية من ناحية العلاقات السامة، وتخلّص من العلاقات التي لا تشعرك براحة، مشكلة هذه التغريدات تتلاعب بعقلك تؤكد لك أن علاقتك تنتمي لهذا الصنف من العلاقات وتدفعك إلى حماية ذاتك رغم أنها قيلت في سياق محدد بظروف مختلفة قد لا تتفق نهائيًا مع ظرفك الخاص.
لأنها تشعرك أنك تستحق أفضل -رغم أنك قد تمتلك حاليًا الأفضل- الشعور ليس نابعًا من العلاقة بل من مشكلة طارئة على العلاقة يمكن معالجتها بـ "الاشتغال على العلاقة"، فكون لديك شريك واع يألفه قلبك، يفترض أن يكون لديك أمل دائم بمعالجة الإشكاليات معه، العلاقة عملية بناء ليس توافقًا عبثيًا
فلا تدع تغريدات تويتر ومقاطع العلاقات سواء إيجابية/سلبية أن تأخذك يمنى ويسرى بما فيهم هذه التغريدات. وأحذرك خاصة من الأحكام العامة التي تستطيع أن تطلقها على أي شيء، فحتى الماء رغم أنه يروي، فقد يغص به أحدهم ويموت. بالنهاية أصبح أداة قتل بدلًا من إرواء.
أما اختلاف الثقافات فهو أمر خطير جدًا، خاصة أن أغلب أحكام النفس مأخوذة من العالم الغربي ومع تزايد الابتعاث فتجد المعالجين النفسيين والأطباء قد تأثروا بشكل أو بآخر بالثقافة الغربية دون وعي بالحاجة الحقيقية لمرضاهم/مراجعينهم العربيين في الثقافة العربية التي لها أحكامها.
أنت كمعالج نفسي تغرّد بتغريدة عمومية تدعوني فيها بالتخلّص من العلاقات السامّة وتدغدغني بتغريدة أخرى تخبرني فيها عن وفّرة البشر الملائمين في هذا العالم. وتدفعني -وأنا شخص غير واع كفاية- إلى التخلّص من شريك رائع لكن سوء الفهم أرهقنا، في مجتمعنا من أين سأجد البديل يا صديقي؟!
تغريداتك العمومية صالحة لحالات معيّنة أتفق معك، لكنك تنشرها للعامة هنا فيسقطوها على علاقاتهم، اعذرني عزيزي المعالج أنت تدمّرهم. لأعود شريكي -المفترض- الذي تركته بسبب تغريداتك العمومية، أفترض أن هذا الشخص تألفه روحي،وهو يألفني، وكلانا يتصف بالصدق، الأمانة، الوقوف مع الآخر، والنبل=
في مجتمعنا يعتبر الحصول على شريك كهذا بمثابة كنز، عندما توهمني بالوفرة وبأنني أستحق أفضل دون أن تعرف تفاصيلي أنت تدمرني؛لأن الوفرة وإن كانت موجودة -كأرقام- في مجتمعنا لكن ما هي طريقة الوصول إلى شريك يشابهه أو يفوقه؟في مجتمع منفصل جنسيه عن بعضهما، وبخاصة المرأة لا تختار من يأتيها.
وهنا تأتي مشكلة اختلاف السياقات بطريقة مختلفة، أنا أفكّر بسياق غربي في مجتمع عربي، كيف سأصل إلى الخيار الأفضل بالنسبة لي؟ وإلى الخطوات الصحيّة التي يفترض أن أخطوها. اختلاف السياق بين الفكر و الظروف المتاحة تجعلني أفرّط بأشياء أرى أنا أساسية مثلًا شريك يلبي الحاجة العاطفية و واعٍ.
عندما يكون الحل في تراكمات علاقة كهذه أن أهدمها بدلًا من أن أبنيها، ما الذي يحدث؟ سأبحث عن الوفرة التي توهمتها بالفكر الفرداني/الغربي تحديدًا، وبالتغريدات العموميّة التي أوهمتني أن علاقتي بذلك الشريك الجيّد سامّة. سأنزل إلى المجتمع سأبحث عن فرص للبحث عن فرد واحد يغطي مكان شريكي.
قد أجد وقد لا أجد؛ لأن الطريق غير معبّد. أين سأجدها؟ في الواقع المنفصل؟ أم في التواصل الاجتماعي المليء بالأشخاص الذين لا نعلم عنهم أي شيء؟! حتى لو كان شريكي الذي تخليت عنه أتى صدفة فليس شرطًا أن أجد صدفة جديدة تجمعني بغيره أو أفضل منه. الأمر ليس سهلًا في مجتمع غير مختلط!!
فكّوا عنكم المثالية؛التغريدات العمومية،الفهم الخاطئ للعلاقات، ووصف العلاقات بالسُميّة. إذا رزقك الله بشريك نبيل واع يحترمك، فكل الاختلافات، كل الانزعاجات، التي أوهموك أنها السُم عقبات كبرت أو قلّت إلا أنها تستحق "الجهد المبذول" مقابل أن تحافظ على هذا الشريك وتقيم معه علاقة جميلة.
عن نفسي عندما أجد شريكة نبيلة تقدّرني، فأشياء كثيرة قابلة للتنازل، مقابل الميزات التي سأحصل عليها عندما تنضج علاقتنا مهما أقنعتني بوجود شريكة أكثر جهوزية منها تنتظرني في مكان ما في هذا العالم، لست مجنونًا أفرّط في شريكة تنقنصي بعض الأمور معها من أجل شريك تقول لي أنه موجود.
يُسَمّى هذا "tradeoffs": التنازل عن ميزة من أجل ميزة أخرى، فأنا سأبذل جهدًا وأستغني عن كذا وكذا من أجل الحفاظ على علاقة ورفعها إلى مستوى النضج. طبعًا أنا لا أتحدث عن علاقات حدث فيها غدر وخيانة وخداع، وهنا ما يزعجني أن العلاقات المسمومة أصبحت تشمل كل علاقة تشعر فيها بانزعاج لفترة!
عندما تُجْبر على ترك علاقة بسبب الطرف الآخر، هنا أقول سيعوضك الله بما هو أفضل وإن كان مميزًا، لا يمكنك أن تنهي حياتك عند امرأة أو رجل، لكن لا تكن أنت المبادر في قطع علاقتك بشخص مميز تحت وهم الفردانية والسُميّة والوفرة، اشتغل على السياق، المواجدة ولا تقلب الصفحات على شريكك النبيل.
بناء على تجربتي الشخصيّة كرجل، مجتمعنا لا يدعم فكرة الحصول على شريك مناسب بسهولة، لا أعلم إن كان النساء يحصلن على شركائهن المناسبين بطريقة أكثر سهولة. في الطالع والنازل لا ترى إلا بني جنسك إلا في حالات مؤخرًا أصبح فيها العمل مختلطًا وهذا نطاق محصور لا تضمن أن تجد فيه الملائم.
لذلك عندما أجدها لن أكون "غبيًا" وأصدق التغريدات العموميّة، وأسميّها سُمًّا لأن سياقاتنا لم تتفق، أو لأنها مرضت وتكدرت حياتنا. هذه فردانية تؤدي بالفرد إلى التهلكة تحدثت عنها بإسهاب تحت هذه التغريدة.
وعندما تخطئ، لا مانع عندي أن أعتذر أنا، وعندما تقرر الرحيل لا مانع عندي أن أحاول إبقاءها. لأنني أراهن عليها أكثر من وجود بديل، لكنها عندما تصد وتجزم بالرحيل فأهلًا وسهلًا، لا يمكنك إجبار أحدًا بالبقاء.
نستطيع عندما تقبل البقاء أن نتناقش ونبني علاقتنا سويًا من أجلنا ..
إذا استثنينا حالات الغدر والخيانة، فاللحظة الأخرى التي تستحق أن تتخلى فيها عن شريك متميز عندما يصبح يتحدث عن نفسه فقط بدلًا من الحديث عن نفسه وعني و عنّا جميعًا. متى فقدنا (نا) الفاعلين، نحن سويًا، معًا، حياتنا، مستقبلنا، احتياجنا. هنا فقط سيصعب أن تعمل على بناء العلاقة.
حدّث نفسك أولًا عن الميزات التي تقبل التنازل عنها، ماذا لو فرطت في شريك جيّد للحصول على شريك أفضل ولم تجد. هل عدم الحصول على شريك أفضل من الشريك الجيّد؟ حدد احتياجاتك، وقتها فقط تستطيع أن تتخذ قرارات منطقية أكثر وتحمي نفسك من سُميّة الأفكار الهدامة العامة المنتشرة أخيرًا.
ختامًا، لا تتردد بالعودة إلى شريك تحن إليه وإن تركته بنفسك شرط أنك تستطيع المراهنة على وعيك و وعيه لبناء العلاقة، دعك من التفاهات نحن في مجتمعه تحكمه أمور عدة في العلاقات. الشريك النبيل ذهب، احتفظ به واستثمر. العلاقات العظيمة استثمار، العلاقات من أجل المستقبل واللحظة ..
في حالة واحدة فقط احتفظ بأفكارك عن السُميّة التي تصبغ بها شريكك الجيّد، إن ارتأيت أن بقاءك طيلة العمر بمفردك أفضل من البقاء معه. مجتمعنا فيه وفرة، لكن الطريق إلى الوفرة مسدود. هناك نساء كثر، ورجال كثر، كيف تصل إلى الشخص الملائم؟ لا تعلم أبدًا، كل شيء هنا صدفة.
فاحفظ ما لديك.
جاءتني رسالة على الخاص من فتاة انفصلت عن خطيبها بعد علاقة حُب، وكان السبب الرئيس اختلاف السياق وعدم قدرتهما على المقاربة، تقول: أنه نشأ في بيئة مثالية وأنا في بيئة مليئة بالألم والفقد ولم يكن يقدّر بعض مخاوفي وقلقي و يقلل منها. تقريبًا هذه نتيجة لكل ما تحدثنا عنه في هذه السلسلة.

جاري تحميل الاقتراحات...