قصة خطرت على بالي مضى عليها أكثر من ثلاثون عام قصها علي أخ و زميل عمل في التسعينات من القرن الماضي :
قبل السنبك
عندما كان الجواز السوداني له احترامه و تقديره، قرر زميلي و إثنان من بني عمومته السفر إلى بلد أوروبي للعمل هناك و كان جل حلمهم أن يجمعوا مبلغا من المال يمكن كل واحد
قبل السنبك
عندما كان الجواز السوداني له احترامه و تقديره، قرر زميلي و إثنان من بني عمومته السفر إلى بلد أوروبي للعمل هناك و كان جل حلمهم أن يجمعوا مبلغا من المال يمكن كل واحد
منهم شراء بص سفري زي باصات السفينة، فعلا تحصلوا على تأشيرة ذلك البلد من سفرتها بالخرطوم و سافروا إلى حيث وجهتهم، و لما كان صديقي هذا و أبناء عمومته من الميكانيكية المهرة فقرروا البحث عن العمل في ورش تصليح السيارات، القدر جمعهم برجل من أهل البلد يمتلك ورشة و يبحث عن
ميكانيكية مهرة والمصادفة الأحرى أن الرجل كان امضى بضع سنوات في السودان و يعرف أهل السودان جيدا، بل و لغته العربية باللهجة السودانية سهلت التواصل بينه و بين صديقي و أبناء عمومته (أقول صديقي و ليس زميلي للصداقة التي عمرت بينتا)، كان الرجل يمتلك ورشة ملحق بها سكن بالطابق
العلوي، بذا توفر لهم العمل و السكن و قام الرجل باستخراج تصاريح عمل لهم الثلاثة، قال لي صديقي كنا نعمل طول اليوم و نأوي إلى السكن بالليل و كان صاحب الورشة يؤمن لهم الأكل و الشراب يوميا، و لا يخرجون إلا في العطلات الأسبوعية و أحيانا لا يخرجون يبقون في السكن او يعملون
وقت إضافي، لقد كان عندهم هدف واضح و محدد، حتى تلك اللحظة لم يكن هناك شئ غريب، فقد كانوا يعملون بسلام و يتقاضون أجرهم و يوفرونه فلم تكن لديهم مصاريف تذكر، في يوم أثناء عطلة أسبوعية خرجوا ليروحوا عن أنفسهم التقوا بشاب سوداني (جلابي) حسب تعبير صديقي و خشى عند قوله جلابي أن يكون فيها
إشارة غير محببة لأنه هو من دارفور و أنا من الشمال الوسط ما تسمى الأن بنهر النيل، لم تكن تلك إشارة لاعباء بها لو لا اعتذاره فقلت له يا عزيزي كلنا لآدم و آدم من تراب، ارتاح لذلك و مضى يحكي عن ذلك (الجلابي)، تعرفنا عليه و علمنا أنه تاجر يأتي كل شهرين يشتري بضاعته و يشحنها
إلى السودان و اثناء وجوده بتلك البلاد كان يقيم في فندق صغير، قال صديقي متابعا، بأريحية السودانيين قلنا له إذا اتيت المرة القادمة تعال و اقم معنا بدلا من الإقامة في الفندق، رحب بذلك و فرح جدا، فعلا أتى مرتين و أقام معنا و كان نعم الضيف فكان يأتينا بالهدايا من السودان
ما تيسر و في المرة الثانية عندما أتى و كنا نتبادل الحديث عن السودان و الحال و الحاصل، قال لي صديقي قلنا له عن حلمنا و خططنا، قال لنا لا تشتروها من هنا هناك بلد مجاور فيه نوعية جيدة من الباصات و بأسعار جيدة جدا يمكنني أن اوصي أحد الاخوة هناك يجهز لنا أربع باصات
نشحنها بالبحر و نركب معها في ذات الباخرة إلى بورتسودان، قال صديقي طابت لنا الفكرة و لكن تخوفنا بعض الشئ لأننا لا نعرف الشاب حق معرفة حتى نأمنه هكذا، يبدو أنه استنبط ذلك من نبرة اصواتنا التي بدت مترددة فقال على فوره نذهب معا إلى المصنع و ان اختاروا ما يعجبكم و ادفعوا هناك
للمصنع شاملا الشحن إلى بورتسودان، قال صديقي أطمئنت قلوبنا لذلك، و لما أتي في الموعد المحدد أخبرنا صاحب الورشة بأننا عائدون للسودان و سنعبر إلى البلد المجاورة و اخبرناه بخطتنا، تأسف كثيرا الرجل لأنه لم يكن يريد ان نتركه و كان دائما يقول لنا السودانيين أنتم الوحيدون
الذين أستطيع أن أطمئن لهم و لامانتهم، لكن ليس لدي خيار و لكن مرحبا بكم في اي وقت شئتم العودة هنا، بدأنا الرحلة و وصلنا إلى البلد المجاور و كل شئ سار حسب ما قال الشاب (الجلابي)، اخترنا الباصات و دفعنا قيمتها و قيمة الشحن و في اليوم المحدد ذهبنا إلى الميناء و فعلا وجدنا الباصات
تشحن بالباخرة و استلمنا نسختنا من بوليصة الشحن باسمائنا نحن الثلاثة و كذلك الشاب الذي اشترى هو أيضا معنا باص رابع، كانت الرحلة من ميناء ذلك البلد إلى بورتسودان تمر فيه الباخرة على ميناء بلد عربي حيث تمكث ثلاث ليالي ثم تنطلق حتى قناة السويس ثم البحر الأحمر إلى بورتسودان
انطلقت الباخرة و بعد عدة أيام قليلة وصلنا إلى ميناء البلد العربي، و كان يسمح لنا أن نقضي الثلاثة أيام في احد فنادق الميناء إذا شئنا، فعلا قررنا أن ننزل عن الباخرة و نقضي يومين في الفندق و نعود لنقضي اليوم الثالث، فوجئنا عند نزولنا أن تم القبض علينا نحن الثلاثة و معنا الجلابي،
كلما يقول صديقي كلمة (جلابي) يعتريه حالة من الفضب، و انا حينها صبري يكاد ينفد لاني أريد أن أعرف ماذا فعل ذلك (الجلابي)، لأنه غضبه كان واضحا عندما تأتي سيرته سيما كلما تقدمت القصة، فكنت أقول في نفسي (هل احتال عليهم مع عصابة اوهمتهم بأن الباصات باسمهم فعلا؟) ام (هل
أنه متفق مع أفراد في بورتسودان للاستيلاء على باصاتهم؟) يا ترى ماذا فعل ذلك (الجلابي)، كان صديقي يحكي لي بهدوء عدا تلك النوبات من الغضب التي تبدو على قسمات وجهه دون أن يغير نبرة صوته الهادئة البطيئة المختلطة المخارج بين تأنيث و تذكير، و لكن كانت عيناه تحمران عنذاك
حتى تخاله سيبكي، ما دعى لسرد القصة، أني كنت قد ابديت ملاحظتي على عمله بصفتي المهندس المسؤول عنه فقد كان ماهرا جدا لم أرى أحد في مهارته بل كان يعمل و كأنه يتتبع إرشادات كتيب الصيانة حرفا حرفا، و كان منظم جدا كأنه طبيب جراح يجري عملية دقيقة جدا، فقلت له ذاك اليوم يا صديقي
أنت امهر من ان تكون هنا لو كنت في اوربا او أمريكا لكنت تكسب ذهبا من يدك الماهرة هذه، نظر إلى بابتسامة مشحونة بكثير من ذكريات و شجون و عرفان ربما لأني لاحظت ذلك، فبدء في سرد قصته كما بدأتها هنا، فقلت لما تم القبض عليكم قال لي حتى تلك اللحظة لا ندري لما تم القبض علينا
اودعنا السجن لمدة سبع أيام و بكل تأكيد أن الباخرة في طريق عودتها من السودان الأن، بعد سبعة أيام اخذونا للتحقيق كلا على حدى، و الملاحظ أن(الجلابي) ام يكن معنا طيلة السبع أيام الماضية، بفراغ صبر قلت له هل هرب منكم، تبسم و قال لي انتظر باقي القصة، في التحقيق سألوني من اين أتيت
بالمال الذي اشتريت به الباص، و أين كنت قبل ان تشتري الباص، و ما هي طبيعة عملك، و أسئلة كثيرة، و المدهش أنهم كانوا يعرفون عنا حتى من اي قرية نحن و أسماء امهاتنا و اخواتنا و نساءنا و أولادنا، استمر التحقيق لوقت طويل في غرفة ضيقة و انارة تحرق الوجه موجهة مباشرة نحو الوجه
ثم اعادونا إلى الزنزانة هناك وجدنا الجلابي قي حالة يرثى لها فقد عذب و ضرب ضربا واضحا عليه، فلما رانا بكى و راح يعتذر قال الذنب ذنبي أنا السبب فيما انتم فيه، قبل أن يكمل دخل علينا ضابط برتبة كبيرة و معه عدد من الضباط الصغار قراء علينا من ورقة كانت بيده قال
حكم عليكم انتم الثلاثة بالسجن مجة سنة و مصادرة الباصات، عندها علمنا انهم انزلوا الباصات بتلك الميناء، و أما انت أشار الضابط إلى الجلابي حكم عليك بالسجن لمدة ثلاثون عاما مع مصادرة لتهريب المخدرات في مقعد السائق بكل باص و لما كان الثلاثة الأخرون حسب ما بينته التحقيقات
لا علم لهم بوجودها و بما شهد به هذا مشيرا إلى الجلابي، فقد جاء الحكم مخففا، قضينا السنة في السجن لم تكن هناك محكمة و لم يكن يحق لنا ان نعترض، بمجرد خروجنا من السجن سافرنا إلى بلد عربي مجاور عملنا به حتى اكتمل لدينا قيمة تذاكر السفر إلى السودان، و بمجرد أن خرجنا من مطار الخرطوم
اقسمنا أننا لن نغادر السودان أبدأ و مزقنا جوازاتنا قبل أن نصل الى بيوتنا، و هأنذا يا صديقي بدون حلم و لا أماني و لا امنيات، أهون علي مليون مرة أموت هنا من الغربة مرة اخرى، عبثا أحاول إقناعه أن الأمر ليس كله سوء يجب ان تعود إلى صاحبكم الخواجة ، فكان يرفض رفضا قاطعا
لم أسمع عنه مرة أخرى بعد أن هاجرت انا أحذر و احاذر مغبات الغربة و اناسي الغربة.
و دمتم
و دمتم
جاري تحميل الاقتراحات...