كلما كان الإنسان فردانيًا ازداد بؤسًا، العالم سيغرق في بؤسه مع نبرة الفردانية. الكل يريد أن ينقذ نفسه وحسب. السعادة مبنية على المشاركة وتقبل الآخر، إذا اعتبرنا كل عبء يطالنا من الآخر أذيّة واتكلنا على أنفسنا سنكتشف أخيرًا أن العالم غير محتمل، وأننا بالغنا في حماية أنفسنا.
العالم الغربي سبقنا في فردانيته وبعض مجتمعنا مبهور بذلك النموذج، نموذج الاستبدال، التخلي، الهروب، التنصل من كل شيء وحماية الذات. لا أريد أي شيء يؤذيني، حتى شوكة، أريد صديقًا مثاليًا، أو أبقى وحيدًا، لا أريد صديقًا مبتئسًا سأبحث عمن يسعدني، وعندما نبتئس سأبحث عمن يسمعني ولا أجد.
أنا آخر إنسان ممكن يقول لك احرق نفسك من أجل الناس، لكن أول إنسان يقول لك الحياة تتطلب إنك تعطي وتتغافل وتعين وتعاون، لأنك في وقت ما ستحتاج أن تسدى إليك هذه الخدمة. النقطة الثانية والأكثر أهمية هو هامش الأمان، الشخص الفرداني لا يثق إلا في نفسه وهذه كارثة، هذه بداية البؤس رسميًا.
لذلك أقوم بكل ما أستطيع لحفظ العلاقات؛ لأن كل علاقة تُفْقَد يعني تخفيض مقدار الثقة في الآخرين، لا شيء يستحق إنهاء علاقات متينة في وجهة نظري إلا لخيانة، غدر، خداع، إهانات متعمدة ويتعارض معي كثيرون مما لفردانيته أو لشخصيته، لكنني هنا أنقل فكرتي وفلسفتي في هذه العالم.
للأسف سيعيق الفكر الفرداني بدوره تكوين العلاقات أيضًا فضلًا عن أن يكون سببًا في فضّها.فقد غرق الفكر الفرداني بحماية الفرد في مستقبله، الإنجازات،الحرية المحضة، وبات يحارب كل ما قد يسلب منه لو مقدار أنملة، رغم أن طبيعة كل ارتباط يسلب منك شيئًا.لكن الفكر الفرداني لا يفرق بين الأشياء
ويتناسى الفكر الفرداني حاجة الإنسان للأمان، ويظن جاهلًا أن الإنسان يستطيع تأمين نفسه في عزلته، في غشائه، بعلاقات سطحية فقط، يطارد أحلامه المادية. ينسى تماما الفردانيون حاجة الإنسان أن يجد من يبتئس أمامه بحريّة، من يغضب أمامه بحريّة، من يمرض أمامه دون أن يخاف أن يُتْرَك ..
عندما أرتبط بـ إنسانة، فبمجرد القرار أنا أبذل جزءًا مني، لها أوجاعها، لها أهدافها، لها رغباتها، مهما كان توافقنا سنبقى مختلفين وسأجبر في أحيان أن أتنازل،وأن أبذل وأن أعطي. سأتأذى أحيانًا منها -كما يحب الفردانيون تسميّة كل عبء يطالنا ممن حولنا- حتى لو كان آثار مرض، عجز، فشل، وغيره
هل يعني ذلك أن بقائي بمفردي أفضل؟ لا على الإطلاق،هذا المنح لزوجتي يعطيني الأمان في هذا العالم،صحيح أنني من يمارس هذا الفعل،لكن بشكل غير واع يعطيني ثقة في أن هذا الفعل سيعود لي بطريقة ما، منها أو من غيرها.وإن كنت فرطت ببعض الأشياء التي كنت أطمح للقيام بها لولا وجودها في هذا الوضع.
لكن المسألة تقاس بقيمة هذه الأشياء مقابل قيمة الأمان المكتسب من هذه الفلسفة وهذه العلاقة، إن كانت أشياء يخسر فيها الإنسان نفسه فلا شك أنها أولى من هذا الأمان المكتسب. لكن للأسف تغريدات الفردانيون العمومية ستجعل شبابنا وفتياتنا لا يفرقون ما بين هذه الأشياء خاصة أن الفكر الفردي =
خاصة أن الفكر الفردي يعد بكفاية الأمان الذاتي عن أمان المحيط، وألا تعتمدوا إطلاقًا على الآخر في أمانكم.هذه نظرة تسفّه بشكل تافه جدًا قيمة التراحم الاجتماعي، وتساوي بين حُضن زوجتك/صديقك/أخيك و حضنك لنفسك/ وربما تقول لك احضن الجدار لا بأس. نظرة لا تفهم ما معنى أن يقف بجوارك إنسان.
لذلك لا يأبه كثير منا هذه الأيام بالتخلي عن علاقة (صداقة/أخوة/زواج) من أجل زلّة، أو بعدم الاقدام على علاقة بسبب تضمّنها تنازلات أقل أهمية؛ لأن المعالجين النفسيين يدفعونه نحو الالتفات لنفسه -بشكل كامل- ويوهمونه باستطاعته مجابهة العالم وحده بكل مخاوفه، بكل مفاجآته، بكل الاحتمالات.
وفي هذه الدنيا لا يوجد عطاء بعطاء؛ لأن طبيعة الأقدار لا تسمح لنا دائمًا أن نسدد الديون، قد يقدّر الله على شريكك مرضًا عضالًا وتقف معه لسنوات طويلة، لكن لا يتكرر هذا الموقف معك فلا يكون لشريكك فرصة أن يسدد دينك بشكل مساو -رقميًا/ماديًا- هل هذا يعني أنك أضعت وقتك وصحتك؟فردانيًا نعم
الفردانية ستدفعك إلى إلقاء شريكك في القمامة، الفردانية لا تجعلك تبدّل بعض خططك من أجل مرض شريكك/أخيك، وغيره؛ لأنها هي نفسها التي تريد أن تحميك من كلمة غير مقصودة قالها صديقك.تهمس في اذنك: تخلّص من العلاقات السامة!فردانيتك ستجعلك لا تفرّق بين كلمة وخيانة، ولا تفرّق بين أشكال الأذى
من يدرك بؤس العالم وحقيقته، لا يراهن على الفردانية، ويعذر ويصفح ويتمسك؛ لأنه يريد الجيوش أن تكون معه في مواجهة بؤس العالم الحقيقي. شريكته/صديق طفولته، وقبل ذلك أسرته المترابطة. إن كان هناك ما يجب أن يشغل الفردانيون أنفسهم فيه لتقويته هو الوعي بالبؤس وتقويّة دواخلهم.
متى ما أدركنا المصائب التي قد تواجهنا يومًا، سنعلم أننا نحتاج كل علاقة نفرّط فيها لأسباب أقل حجمًا من الحروب التي سنحتاج لاحقًا من تخلينا عنهم فيها. هذا الوعي يجعلك تدرك تفاهة الزلل، الأخطاء، وبقيّة التنازلات التي قدم تمنحها لشريك/ـة حياتك مقابل بقائها لجوارك أبد العمر.
في غضون الأشهر الماضية القريبة حدثت لي مواقف خسرت فيها علاقات متينة، حرصت تمامًا على الاعتذار بشدة لإبقائها لأنني أدرك أهميّة هؤلاء الأشخاص ليس لغد أجمل، بل لحاضر أجمل فخسارة المقربين تهز الأمان وتقلل الثقة في العالم. في إحداهن اعتذرت رغم قناعتي أن الآخر لا يستحق الاعتذار لكن =
إذا كان ثمن الأمان في هذا العالم أن أعتذر لك عن شيء لم أفعله، لا مانع سأفعل وسأرضي غضبك، ربما حدث سوء تفاهم، لبس، ربما جرحتك دون أن أدرك. خلفنا يا صديقنا عالم بائس جدًا، ما يحدث بيننا الآن أقل أهميّة بكثير مما سيواجهنا. عمومًا اعتذرت لمدة ساعة، وأنهى هو المكالمة بشكل سيء ..
ورغم كل ما حدث، إن علمت في يوم أنه في لحظة انكسار، سأكون معه قبل أن يأتون من حوله الآن، سأذهب إليه قبل أن يرتد إليه طرفه، هل لأنني عديم الكرامة؟ لا، كل ما في الأمر أنني رأيت في هذا العالم من البؤس ما لم يعرفه ولم يشهد عليه. وأعلم أننا نخطئ التقدير أحيانًا، وأعلم أنه بحاجة شخص ما.
العلاقات التي فقدت لأسباب -أراها- تافهة جدًا مقابل ما قدمت أنا والطرف الآخر إلى هذه العلاقات، بل لا تذكر إطلاقًا، هزّت عندي الأمان، وبدأت أفكّر هل حان وقت الفردانية؟ خفّض عطاءك، خفّض مستوى علاقاتك بالبشر، حتى زوجتك، أخوك، صديقك، احم نفسك تمامًا من هذا الوحل البشري، الجأ إلى نفسك.
لا .. لن أنقذ نفسي من الوحل، لن أفقد الثقة في الآخرين، لكنني سأخبر نفسي ألا أنتظر شيئًا مقابل عطائي. أما الفردانية فأنا عدو لها، إن عاد الراحلون سأعود، سنتماسك لمجابهة عالم أسوأ. وإن لم يعودوا سأكون مع غيرهم، سأعطي العطاء نفسه، بالمبادئ نفسها، وإن رحلوا، سأعطي من يأتي بعدهم ..
كيف يحدث ذلك؟ دون أن تخسر نفسك؟ باختصار اترك لنفسك ما يمكنك من اكمال المسيرة إن تركك شريكك مثلًا، لا تقبل بعدم وجود رصيد مالي في حسابك أو وظيفة تدر دخلًا، أو تعليم مستمر. هذه أمور بالغة الأهمية لتشعر بالأمان، لكن لا تجعل المبالغة في الامان الفردي تُخسرك الأمان الاجتماعي ..
في الارتباط تحديدًا، سيمنح الرجل والمرأة لبعضهما جزءًا منهما، لا تبالغ ولا تبالغين في الخوف من هذا الجزء الممنوح، إذا كان الشخص المناسب، فأنتِ تمنحين لتأخذين شيئًا آخر بالمقابل. الاحتياج العاطفي، السند، أشياء تستحق أن نبذل بعضًا منّا لنحصل عليها.
غرق الفردانيون في زخرفة الإنجازات المادية وحماية الذات للفرد وأنها في كل الأحوال أهم من وجود شريك. وهنا من وجهة نظري وتجربتي وبعد أن حققت أشياء كثيرة في عمر صغير، الماديات وحماية الذات مهمة لكن مبالغ في تقديرها، على الأقل الشريك لا يقل عن أهميتها.
خطر الفكر الفرداني يزداد على من لم يذق المعاناة في حياته، صاحبي الذي فارقني من أجل كلمة، قال لي كلمات أسوأ وأقبح في مواقف متفرقة لم أذكّره بواحدة منها لا وقتها ولا حتى عندما لامني على الكلمة التي فارقني بسببها. لأنني ذقت في هذا العالم ما هو أسوأ بكثير من كلمة عابرة من صديق عزيز.
عندما كانت كلماته الجارحة تقفز إلى أذني،كنت قد تجرعت مرارة ثقيلة جدًا على مراهق في السابعة عشرة من عمره،كنت في يوم من الأيام أضحك الصباح، وفي المساء مات أبي،ودخلت أمي المشفى.في اللحظة التي لم يكن يعلم صديقي معنى أن تمسك بيد أبيك مغمض العينين قبل موته بدقائق. لا يعلم أبدًا.
لا يعلم معنى أن تتحمل ألم فراق وحمل أسرة في غضون دقائق ولا يعلم معنى أن تشتاق لأبيك فتذهب لسريرك لتبكي، وتكفكف دموعك لتبتسم في وجه الأسرة.ما زال لا يعلم أن الكلمات العابرة لا شيء أمام ما قد يخبئه العالم من سوء،من جروح وآلام أحق بأن نستشعرها. لذلك أنا تخطيت زلته ولم يتخط زلتي.
لماذا تخطيت؟ باختصار لأن لا أحد يملك حصريّة الحزن، أنا أتفّه قيمة الكلمة لأنني تحملت أعظم منها، لكنه جُرح منها لأنها أقسى ما مر عليه في حياته. فأنا آسف أنني جعلته يشعر بأعظم ألم مر عليه. وأنا هنا إن عاد لأنني متعاطف معه إن مر بما هو أسوأ منها حسب تجربتي.
ولماذا أعود معتذرًا حتى ممن أرى أنني لم أخطئ بحقهم؟ لأنني أتفهم أن تجاربنا مع الألم مختلفة، فلا أريد أن أقسو على نفسي، أعود إلى نفسي وإلى من أعرف حبه لي، صديقي وأخي وشريكي. لأن وجودنا معًا أنفع وأجدى في مواجهة هذا العالم البائس.
وأنا أكتب ظهر اليوم حرصت على إعادة صياغة الوصف قبل أن أذكر المعاناة التي مررت بها كان الوصف: "أقسى ما قد يمر"، فعدلته إلى "تجرعت مرارة ثقيلة جدًا"، رغم أن هذه المرارة كانت على شكل أب مسجى في غرفة عناية مسدودة عينيه بقماش. لكن لا يحق لي أن أصفها أقسى ..
فهناك من فقد أسرته كلها، وهناك طفل ناج من حرب، وهناك من أنهكه الاكتئاب حتى خرج إلى الحياة شخصًا آخر، هناك من نخره الفقر حتى أصبح يأكل من الأرض، هناك من تعرض إلى خيانة من أقرب الناس إليه، هناك من يستيقظ على عنف يوميًا، وهنا الرهان على الوعي، ألا تكون آلامك هي مرجعية الآلام.
ما حدث معي هو ما ذكرته المغردة البديعة هنا عن فن الصداقة، عندما يطالك من الآلام ما هو عظيم تشعر بالآخرين، وتعذرهم، وتغفر لهم أخطاءهم، وإن عاد لك من هجرك تفتح له ذراعيك، ليس لأنك ضعيف، بل لأنك تدرك أن من هجرك ليس شخصًا سيئًا بالضرورة، لكنه عاش ظروف مغايرة.
لم يعرف من الألم إلا شوكة، فلا توجد المساحة لتقنعه عن آلام الغدر، الخيانة، المرض، موت قريب. فلذلك تعتذر منه إن جرحه شيء منك "وإن كنت تراه تافهًا" فأنت تعلم "أنه أقسى ما تعرض إليه" وإن لم يقبل فأنت تعذر "لأنك تفهم أن الألم نسبي" وإن عاد تستقبل "لأنك تعلم أنه ليس بالضرورة ناكر.
أين تكمن المشكلة؟ بالعادة، لا يواجه المشكلات الكبرى كالفقد إلا بعد أن يكبر وحينها يكون الوقت تأخر جدًا على إعادة العلاقات التي خسرها من أجل آلام أقل تفاهة مما تعرض له لاحقًا، ومن أجل مصالح أوهمته الفردانية أنها أهم من الحصول على شريك مناسب، أو الحفاظ على صديق عظيم ...
ورغم أن ثقتي تزعزعت في تقدير الآخر للعطايا الكبرى وغفرانه لصغير الزلل إلا أنني ماضٍ في فلسفتي،العطاء والتشبث بالعلاقات.ليس لأني ضعيف فقد تكون جبلًا لكنك لا تقف فردًا؛لأن الجبال ترغب بمن يواسيها إذا أنهكتها الحياة وستبدو الحياة أقل ثقلًا عندما تمسك بيد من تثق أنه سيكون هنا كل حين.
ختامًا إلى الجيل الجديد،لا تنزلقوا في الفردانية -إلا طبعًا في حالة كان من حولكم يسلبون حياتكم-فرّقوا بين حماية الذات والفردانية،امنحوا من حولكم بخاصة شركائكم لتأخذوا أنتم بطريقة أخرى. الفردانية هي الأنانية،الفردانية هي السبب خلف التخلي والخيانة.فأنت نفسك إذا ارتضيت إنسان لن تأمنه
لأنها هذه مدرستك، مدرسة الأنا، الهروب التنصل التخلي، والاحتماء بالذات، عندما تمرض غدًا، عندما تسقط، ستشك في كل من حولك، ستكون قابلًا للاستبدال، قابلًا للتعويض، لا قيمة لك في أعينهم، هكذا تتخيّل. الفردانية هي الطريق المباشر نحو البؤس. حدثني عن جمال الحياة حينها، هذه غابة يا صديقي.
هذا مثال جيّد على حماية الذات لا الفردانية:
أفضل طريقة لحماية ذاتك هي الإجابة على ماذا لو انتهت العلاقة ماذا سينقصك من أمور أساسية تحديدًا؟ بقدر الإجابة يجب أن تصحح وضعك. عدا ذلك من تنازلات تعتبر تنازل بمقابل مجزٍ.
أفضل طريقة لحماية ذاتك هي الإجابة على ماذا لو انتهت العلاقة ماذا سينقصك من أمور أساسية تحديدًا؟ بقدر الإجابة يجب أن تصحح وضعك. عدا ذلك من تنازلات تعتبر تنازل بمقابل مجزٍ.
جاري تحميل الاقتراحات...