مختار جامل
مختار جامل

@almukhtar24

8 تغريدة 19 قراءة Feb 20, 2021
#تأمل
*الطفل الذي يقود الدراجة!*
منذ أيام خلت عزمتُ أن أدرب ولدي عمر على قيادة الدراجة النارية، وكنتُ كلما وجدتُ فراغًا في الوقت، وخفةً في الطريق من المارة والمركبات علمتُه قليلًا.
ووجدتُ اليوم بعد صلاة الفجر فرصةً لتدريبه؛ فاصطحبته معي، وشغلت الدراجة، وبدأت أُسَيرها، وطلبت
منه أن يضع يده وقدمه حيث ينبغي.
كنت أُمسك بمقود الدراجة، وأتحكم بالسرعة، وبتوازن الدراجة، ونمشي في طول الشارع بسرعة أقرب للبطئ منها إلى التوسط.
حاولت لمح وجه ابني من المرآة المثبتة على المقود؛ فكنت أرى السرور والفخر، والشعور بالإنجاز يملأ وجهه، كانت تقاسيم وجهه تشع بالثقة،
والشعور بالقوة والقدرة على القيادة.
وكنتُ أقول حينها في نفسي: ما أشبهنا معشر البشر بطفولة هذا الفتى الصغير!
أنا من يمسك بالمقود، وأنا من يحافظ على توازن الدراجة، وأنا من يحدد سرعتها، وأنا من أتدخل في تسييرها، وهو ممتلئ بشعور غريب، وهو أنه يقود هذه المركبة،
ولو تركت المقود لحظةً لكانت ربما نهايته!
نحن كذلك في هذه الحياة، نظن أننا من يمسك بمقود العالم، ونحن من يسير شؤونه، ونحن ونحن ونحن ، ولا وجود لـ *"هو"*، فقط لأنه وضع أيدينا على مقود الأرض، فبمجرد أن لامسناه نسينا المدبر الحقيقي!
حينما كنا على الدرجة، وظهرت فجأة شاحنة كبيرة،
امتقع لون ولدي، واتسعت أحداقه؛ فأشعرته بأنني من أسوق، وسبقت الشاحنة، فشعر بالأمان، ووجود السند الذي يعتمد عليه.
مع أنه منذ البداية لم يعمل شيئًا، سواء قبل ظهور الشاحنة، أوبعد ظهورها.
قبل ظهور المشاكل في حياتنا وبعد ظهورها، عندما ننصدم بما يفجئنا في الحياة، وحينما نمضي في
الحال الاعتيادي، هو وحده من يسير الكون، ويدير أدق تفاصيل حياتنا من نبضات قلوبنا وتردد الأنفاس فينا، إلى دورة الأفلاك في المجرات الضخمة!
*إن الطفولة حالة، أكثر من كونها مرحلة عمرية،* فنحن حينما نستشعر استقلالنا، وننسى من يدير مركبتنا، نعيش طفولة فكرية وروحية.
لذا فمعيار النضج الحقيقي شهود الحقِّ تعالى في هذا الوجود، وملاحظة تصرفه في هذا الكون، ومعرفة قدرنا الحقيقي فيه.
تذكرت حينها قول فيلسوف التاريخ البريطاني أرنولد توينبي: "قوانين الطبيعة يمكن فهمها إذا ما صُورت كأنها عجلات ركبها الرب في مركبته الخاصة".
اللهم أشهدنا إياك في وجودك، وأكرم بصائرنا بملاحظة تصرفك، وارفع الحجاب عن سرائرنا؛ حتى نفقه قبضتك للكون، ورقنا في الشهود إلى المحل الذي تحبه منا، وترضاه للكمل، مع كمال اللطف والعافية ورغد العيش.
كتبه/ مختار بن هاشم جامل
٥/جمادى الأولى/١٤٤٢هـ

جاري تحميل الاقتراحات...