من ألطف نعمه تعالى، وأحسن مواهبه، وأجزل عطاياه، وأفضل نِحله وهباته؛ الصديق الصالح، والخليط الناصح، الذي لا يشاريك ولا يماريك، ولا ينقلب لخطبٍ يعتريك، ولا يَقف فضله دونك.
ومن رزقه الله وِدًا صحيحا، وصديقًا نصيحا، وأخاً صالحًا ذو مروءة ظاهرة، وأخلاق طاهرة، وكان بينهما على ذلك ممازجة نفسيّة، ومصادقة عقليّة، ومساعدة طبيعيّة، ومواتاة خلقيّة؛ فقد أحسن له الاختيار.
ولمّا كان الانسان مدنيًا بطبعه، يأنس بالاجتماع ويستوحش للوحدة، غير قانع بالصمت، ولا محتملًا للجفاء، كان اتخاد الاخوان واجبًا، واجتلابهم لازمًا، تخفيفًا لوعثاء الحياة، وعونًا على مشقّة السفر، وذخرًا لما قد يُلم من الأمر
ولمّا كان لكل شيء مؤونة، ولكل سعي كُلفة، كان لا بد أن نقول في أدب الصداقة وحُسن الخُلطة.
من ذلك حمل الهم عنه، والحزن لمصابه، والبكى لما يشجيه، والحزن على ما يعتريه، والسعي الحثيث لحاجته، وعدم العود عليه بالعذل والتأنيب.
قال ابن عباس: إن الذباب ليقع على صديقي فيشق عليّ!
قال ابن عباس: إن الذباب ليقع على صديقي فيشق عليّ!
ومنه ومن كلِّ أدب: حفظ السر والوفى بالعهد. فما خان عهدٌ قطُّ إلا لئيم الطباع، سيئ الأخلاق، خسيس التركيب، متفرق الأهواء. وكان من قول بعض الكرام:
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم
على سر بعض غير أني جماعها
يظلون شتى في البلاد وسرهم
إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها!
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم
على سر بعض غير أني جماعها
يظلون شتى في البلاد وسرهم
إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها!
ومنه بذل الطارف والتليد والتضحية بكل شيء وإن كان بالعِلق الكريم؛ ولهذيل مثلٌ وهو: "هذا التصافي، لا تصافي المحلب" والمحلب الشراب، وأصل المثل أن هذيلًا أصابت دمًا في بعض العرب، فأسر أصحاب الدم رجلين من بني هذيل متصادقين، فقالوا لهما: أيكم أشرف فنقتله بصاحبنا؟ =
فقال كل واحد منهما: أنا ابن فلان الحسيب النسيب، ذو الثأر المنيم، فاقتلوني دون صاحبي، فكلٌ بذل نفسه للقتل دون صاحبه، فعيوا بأمرهما لمّا رأوا تأبيهما فقالوا: هذا التصافي، لا تصافي المحلب، وصفحوا عنهما"
فكان الوفاء سببًا لفكاكهما.
فكان الوفاء سببًا لفكاكهما.
هذا كله منه وهو باب جليل طويل، يصعب تقصّيه والوقوف على منتهاه، ولكن حسبك ما أحاط بالعنق من القلادة، وما ذكرنا لدلالة على قدر الصداقة. ونسأله تعالى أن يبعد عنا الأشرار، ويرزقنا صحبة الأخيار، ويُورثنا جميل الأخبار، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
جاري تحميل الاقتراحات...