ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

23 تغريدة 119 قراءة Dec 25, 2020
في كل عام وفي نفس ذات الموعد تطل علينا هذه الشخصية ذات الرداء الأحمر، إنها بابا نويل أو سانت كلوز أو غير ذلك من أسماء كثيرة له، نعرفها جيدًا من اسمًا وشكلًا ربما، لكن هل من قصة تختبئ ورائه؟
حياكم تحت🌹
على ساحل البحر الأبيض المتوسط وفي اليونان القديم تحديدًا في قرية باترا، وخلال القرن الرابع الميلادي، انتشرت إحدى الأوبئة التي أتت على حياة كثيرين، من بينهم أسرة الشاب نقولا، لقد تسبب الوباء في موت إخوته وأبيه وأمه، وتركه الموت عاريًا عن كل أنس.
كانت تجربة مريرة ولّدت في ذاته معنى الانتقالية، وأن الحياة ليست إلا جسرًا مؤقتًا يحمله إلى عالم آخر ذا مصير نهائي، مصير لا ينفع فيه سوى الخير الذي يغرس في هذه الأرض، هنا تلاقى اعتقاده مع المسيحية في ثوبها البكر حينها، فآمن وصدق وأيقن،وأضحى مثالاً حيًا لما يمكن أن يكون عليه إنسان.
لم تكن أسرة نقولا فقيرة أو ذات حاجة، بل كانت الأكثر ثراء في قريته، لقد ترك له أباه رغدا يمكنه أن ينعم فيه بقية حياته دون نفاد، لكنه كرّس كل هذا لمساعدة الفقراء والأخذ بأيديهم إلى مساحات أخرى من الأمان والعوض، مساعدة لم تكن محل علن، بل اختار السر لها طريقًا بحيث ظل مجهولا فعله.
انتقل نقولا إلى مدينة ميرا القريبة الذي أصبح أسقفا لها، سطع نجمه كواحد من أصحاب الإيمان العميق بالمسيحية، لكن ترقيته هذه جاء في ذروة اضطهاد المسيحيين من قبل الإمبراطور الروماني دقلديانوس عام 303م، حيث أحرقت الأناجيل وأجبر الكهنة على نبذ المسيحية أو مواجهة الإعدام.
وقف القديس نقولا ضد التيار وتحدى مراسيم الإمبراطور وتمسكه بإيمانه، لكنه لم يكن سيء الحظ ليواجه عقوبة الإعدام، إذ تم الاكتفاء بنفيه وسجنه بعيدًا عن البلدة، وظل يرزح تحت وقع العقوبة عشر سنوات، قبل أن يُنهي الإمبراطور الروماني قسطنطين الاضطهاد المسيحي في 313 بمرسوم ميلانو.
في ظلال ذلك العهد الجديد، كان هناك أب فقير لديه ثلاث بنات، ولا يقدر على تزويجهن، إذ كانت العادة حينذاك أن يقدم الأب شيئا ذا قيمة على سبيل المهر كي يستطيع تزويج ابنته لرجل صالح، تغلقت الأبواب أمامه ليفكر ببيع أحدى الفتيات في سوق الرقيق للهروب من الفقر
في ثلاث مرات مختلفة وقبل أن يقدم الأب على بيع إحداهن لعدم مقدرته على تزويجها، يجد صرة من الذهب مُلقاة في وسط منزله، صرة تضمن له حل الموقف وتزويج فتاته، يتراجع عن البيع وتنفرج الأزمة، ظل هكذا لمرتين متفرقتين قبل أن يراقب بيته للمرة الثالث فإذا بنقولا هو من يلقي أكياس الذهب.
بعد هذه الحادثة ذاع صيته وعرفه الناس وأحبوه، وفسرت بناءً على قصته كثير من الألغاز الأخرى التي كانت تجري في البلدة، من مثل القطع الذهبية التي كان يجدها أطفال القرية في أحذيتهم قرب المدافئ، والتي لأجلها صار الأهالي يتركون نوافذهم مفتوحة ليلًا.
نُسِبت لنيقولا كذلك كثير من الخوارق التي تجاوزت حدود العقل والمنطق،من مثل إحياؤه لثلاث أطفال قتلهم أحد الجزارين وقطعهم إلى أجزاء، وكذا مساعدته للبحارة على سفينة كان يستقلها، حيث هدأت عاصفة مميتة بمجرد صلاته، كل هذا وأكثر من القص الواقعي والخيالي على السواء رسم القديس نيقولا كرمز.
في ذروة احتفاء الناس به ونسبته إلى المعجزات ووصفه براعي الأطفال وجالب الهدايا السحرية حانت لحظة رحيله، حيث توفي في 6 ديسمبر 343 م في ميرا ودفن في كنيسته، قبل أن تتفرق رفاته على عديد من مدن أوروبا نتيجة سرقة بعض البحارة الإيطاليين لأجزاء منها في القرن الحادي عشر الميلادي.
بعد وفاته وعلى مدى قرون عديدة تناقل الناس سيرته وتضخمت معها حكاياته وقصصه وأحاطوا ذكرى وفاته السنوية خصوصًا في أوروبا بكثير من الاحتفالات والصخب، حيث اعتاد الأطفال هناك ترك أحذيتهم ممتلئة بالجزر والتبن عسى أن يلتفت إليها حصان القديس ويترك لهم فيها هديتهم.
استمر الوضع هكذا قبل أن يخفت ذكر نقولا والقديسين جميعهم في القرن الخامس عشر الميلادي، وذلك نتيجة للإصلاحات البروتستانتية على المذهب الكاثوليكي المنتقدة لصكوك الغفران وتوجهات الكاثوليكية، حيث ظهر نقولا في ثوب شيطاني مخيف، بهدف تدريب الأطفال على تحمل مسؤولية أفعالهم.
رغم زحف الشكل الترهيبي لأيقونة نقولا في عموم أوروبا، لكن ظل الشكل الأصلي الذي يحتفل فيه الأطفال بمانح الهدايا وينتظرون عطاياه ماثلًا في وجدان بعض الهولنديين، والذين استغلوا مرحلة اكتشاف العالم الجديد وانتقالهم إلى مستعمرات في أميركا، كي يحيوا تلك الصورة الحالمة لاحتفالاتهم.
في بداية أمريكا ونشوء مجتمعها متعدد الأعراق، كان الاحتفال بعيد الميلاد لا يعدو انفجارًا اجتماعياً صاخبًا يخرج فيه الناس إلى الهواء الطلق، وسط أنواع شتى الكحول والسكر، لكن تغير الأمر بفضل جمع من الشعراء والفنانين الذين أرادوا لعيد الميلاد أن يكون عائليًا مرحًا ذا شجن.
أقدم القاص واشنطن إيرفينج في إحدى كتاباته المنشورة عام 1809 على تحرير القديس نقولا من ذاته المحافظة، إذ بث فيه روح الفكاهة ونصبه رمزًا احتفاليًا، حين صوره مدخنا للغليون مرتفعًا بعربته فوق أسطح المنازل، وناثرًا هداياه للفتيان والفتيات الجيدين متجاوزًا الأشرار.
بعد ذلك بإحدى عشر عامًا؛ ذهبت إحدى القصائد الشعرية المصورة مجهولة المؤلف لأبعد من ذلك في تشكيل سانتا الجديد، حيث صورته ناثرًا للفرحة والهدايا السحرية، وفي الوقت ذاته أمعنت في تجريده من أي سمات دينية، بل وأعطته شكلًا مغايرًا لما كان عليه نقولا، حيث أصبح جرمانيا أشعثًا.
صورته القصيدة كذلك ممتلئ الجسم يتقاسم المرح تفاصيل وجهه وملبسه، وفي ذات الوقت ممتطيًا لعربة يجرها حيوان الرنة قادمًا على ما يبدو من القطب الشمالي، مكدسًا عربته بكثير من الهدايا للأطفال، وفي نفس الوقت يحتفظ بعدد من العصي يقدمها للآباء الذين يعانون من نفور أبنائهن عن طريق الفضيلة.
حتى أواخر القرن التاسع عشر لم يكن ثمة صورة موحدة لسانتا الجديد، هنا جاء دور الرسام الأمريكي المبدع توماس ناست، الذي شكل صورة سانتا الجديد، حيث جاء كما في اللوحة بشعر ولحية شعثاء وفي ذات الوقت مرحًا ممتلئًا يدخن الغليون، وبالطبع مكدسًا بالهدايا.
من وقتها ترسخ ذكره وثبتت صورته وصار تيمة احتفالية عالمية، ويرمز في الوقت ذاته إلى فنانين حقيقيين أرادوا أن يخرجوا بمجتمعهم إلى حيز الفرح والسعادة، بعيدًا عن التقاليد الدينية المنغلقة ربما،لم يترسخ سانتا في المجتمع الأمريكي فحسب، بل عاد عكسيًا إلى أوروبا مع بعض التغييرات الطفيفة
من الطريف أن روسيا في فترة الاتحاد السوفيتي حاولت مقاومة هذا الرمز الأمريكي، واستبدلته بكثير من الشخصيات الاحتفالية البديلة مثل ديد موروز، بل وحاولت فرضه على كل البلاد الأوروبية التي سيطرت عليها، لكنه لم تستطع أن تجعله يلقى قبولا أو انتشارا
بعد الحرب العالمية الثانية اتخذته أمريكا سانت كلوز كرمز سياسي لها ودليل على تأثيرها الثقافي، حيث قامت القوات الأمريكية بنشره في سائر البلدان المدمرة كرمز للعطاء والكرم الأمريكي في إعادة تعمير المدن وطي صفحة الدمار.
لإضفاء بعض الخصوصية عليه منحته بعض الدول أسماء وصفات مختلفة، فهذه بريطانيا تسميه Father Christmas أما فرنسا فتسميه Père Noël، لكن لا تزال بعض الجماعات القومية ترفضه تمامًا في بعض الدول مثل التشيك وهولندا وأمريكا اللاتينية!
ختاما :
عيد مجيد لكل الأصدقاء المسيحيين 🌹

جاري تحميل الاقتراحات...