عبد العزيز بن داخل المطيري
عبد العزيز بن داخل المطيري

@aibndakhil

11 تغريدة 73 قراءة Dec 24, 2020
#مسائل_التفسير
قال الله تعالى: {والله خلقكم أطواراً}
في تفسير الأطوار ثلاثة أوجه صحيحة:
1: خلقاً من بعد خلق، أي: نطفة ثم علقة ثمّ مضغة.
2: أصنافاً في ألسنتكم وألوانكم وأخلاقكم وأعمالكم.
3: أي على أحوال مختلفة متعاقبة، من الشدة والرخاء، والسرور والحزن، والهم والانشراح، وغيرها.
(2) والقرآن يدلّ على صحة هذه المعاني الثلاثة:
- أما المعنى الأول فقد تكرر ذكره في آيات كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً}
وبه فسّر الآية مجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم.
(3) وأما المعنى الثاني فيدلّ عليه قول الله تعالى: {وخلقناكم أزواجا} أي أصنافاً على أحد الوجهين في التفسير.
وقوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} أي أمثالهم وأشباههم وضُرباءهم؛ فكل صنف من الظالمين زوجٌ.
وقوله تعالى: {وإذا النفوس زوّجت} أي ألحق النظير بنظيره من أهل كل عمل.
(4) ومن هذا الوجه قول العرب: (الناس أطوار) أي أصناف، وقد قيل:
لا تحسب الناسَ سواءً متى ... ما اشتبهوا فالناس أطوار
وروي أن معاوية قال لصعصعة بن صوحان: صف لي الناس
فقال: (خلق الله الناس أطواراً؛ فطائفة للسياسة وطائفة للعلم..إلخ)
وهذا الوجه ذكره بمعناه ابن قتيبة ومكي بن أبي طالب.
(5) وأما المعنى الثالث فقد ورد في مواضع من القرآن منها قوله تعالى: {لتركبنّ طبقاً عن طبق} أي حالاً بعد حال، على أحد الأوجه في تفسيرها.
قال الأقرع بن حابس:
إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره ... وساقني طبق منها إلى طبق
وقال آخر:
كذلك المرء إن ينسأ له أجل ... يركب على طبق من بعده طبق
(6) واستعمال الأطوار في معنى التحول من حال إلى حال كثير شائع في كلام العرب
ومن شواهد الخليل بن أحمد:
ما سمي القلبُ إلا من تقلّبه ... والرأي يُصرف والإنسان أطوار
وقال عروة بن أذينة:
نعالج العيش أطواراً تقلبه ... فيه أفانين تطوى عن أفانين
وقالت الخنساء: والدهر في صرفه حَول وأطوار
(7) ومما روي أن معاوية كان يكثر إنشاده:
قد عشت في الناس أطواراً على طرق . شتى وقاسيت فيها اللين والفظعا
كلا بلوت فلا النعماء تبطرني . ولا تخشعت من لأوائها جزعاً
لا يملا الهول صدري قبل موقعه . ولا أضيق به ذرعاً إذا وقعا
ما سُدّ لي مطلعٌ ضاقت ثنيّته . إِلَّا وجدتُ وراء الضيق متّسعا
(8) وقال النابغة الذبياني:
لولا حبائل من نُعْمٍ علقت بها ... لأقصر القلبُ عنها أيّ إقصار
فإن أفاق لقد طالت عمايتُه ... والمرء يُخلق طوراً بعد أطوار
أي ُتصرّف مقاديره من طور إلى طور.
وقال آخر:
فطورا تراه ضاحكا فى ابتسامة ... وطورا تراه قد علاه قطوب
وشواهد هذا المعنى كثيرة
الذي قاد إلى الكلام في تفسير هذه الآية إرادة التنبيه على خطأ لغوي شائع في الاستعمال المعاصر وهو قصر معنى التطوير على ما فيه تقدّم وتحسين.
فتطوير الشيء إخراجه من طور إلى طورٍ، وتطوّره انتقاله من طور إلى طور.
ولا تقتضي اللغة أن يكون الطور التالي أحسن من السابق.
#تنبيهات_لغوية
(10) وانظروا إلى كلمة {أطواراً} كيف أدّت هذه المعاني كلّها، ودلّت عليها بإيجاز بديع، لو قلّبتم لسان العرب كلّه كلمة كلمة لم تجدوا مفردة أحسن من هذه المفردة ولا أجمع للمعاني المرادة منها؛ فسبحان اللطيف الخبير الذي بهر العقولَ حُسنُ بيانه.
تمت
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
* تصويب {وقد خلقكم أطواراً}

جاري تحميل الاقتراحات...