zainab alknani
zainab alknani

@zainabalknani

28 تغريدة 639 قراءة Dec 21, 2020
طقوس استنزال المطر والرقص في بلاد الرافدين
يعد سكان وادي الرافدين من الاوائل الذين استعملوا الادوات الموسيقية الايقاعية لضبط نبض حركة الاشياء فيما حولهم، وعدوا الأنغام والموسيقية، ما هي الا صدى وانعكاس ارضي لهارموني وانسجام حركة الكون المعقدة، بما يحويه من كواكب ونجوم واقمار.
ففي العشرات من الرسوم، والمنحوتات، ونقوش الاختام الاسطوانية، وأواني النذور التي تعود الى الفترة السومرية، والفترات التي تلتها، يظهر فيها رجال الى جانب العساكر المدججين بالسلاح، وهم يحملون الآلات الموسيقية، ويعزفون عليها لشحذ الهمم، وبعضهاتظهر رعاة وهم يعزفون على ناي
وكلها تستعمل على حالها الذي ظهرت به في الرسوم والى يومنا هذا.
فالآلة الموسيقية عند قدماء العراقيين لعلاقتها بنبض وايقاع الكون والفلك، كانت مقدسة ومعظمة، لا تدخل المعبد، الا بعد ان تطهر بتلاوة التعاويذ الطويلة الخاصة بهذه الآلة،
وكانت ترافق عملية صنع الالة الموسيقية التي يعتقد ان الآلهة صنعتها لأول مرة، سلسلة من الطقوس الدينية، تؤدى بصرامة، حتى تكون الآلة جديرة بأن تصبح من مقتنيات المعبد، وكان يخصص للعزف على هذه الآلات في الاحتفالات الدينية، كهنة من الطبقة العليا .
وكذلك الرقص الذي يمارس الى يومنا هذا
فانه مرتبط جميع تلك الرقصات بأصولها الدينية، والمثولوجيات الرافدينية القديمة، وترمز بالأساس للحركة، والحياة، والخلق، والخصب، وطرد الارواح الشريرة، تذكرنا بأحداث قصة الخليقة، وانتصار ألإله مردوخ على العمى والظلام، والآلهة (تيامت).
جميع الرقصات الشعبية الرافدينية ما هي الا محاكاة رمزية للحركة الاولى التي كانت في بداية خلق الكون، والدبكة ذات الحركة الدائرية بأنواعها، شديدة الارتباط بالمثولوجيات الدينية التي تقوم على اساس الدوران حول المكان المقدس، لاستدرار البركة،
وهذه الحركة نلاحظها اليوم عند المسلمين وهم يؤدون مراسم الحج السنوي في مكة المكرمة، أو عند زيارتهم لأضرحة الاولياء والاماكن الدينية، وهي محاكاة لحركة الكواكب والنجوم، وقد تكون تعني التخلص من السحر،
ورسم منطقة دائرية مقدسة تعطي الحماية، قد تكون رمزا لحدود ارض الله الخالية من الشيطان والشر، او نقلا لدائرة الفلك السماوية على الارض .
فالدبكة التي يؤديها البدو الرحل تعتمد على هز الاكتاف قليلا، والتمايل بخيلاء عند تحريك الرجلين، وعدم رفعها الا قليلا عن الأرض،
والسرحان في الرقص على مساحة واسعة من الخلاء، ويحرك الرجلين الى الامام والى الخلف كأنه يسرح ويطوف مع الماشية، أي أنه تعبير عن عادة التنقل الرعوية .
اما الدبكة التي يؤديها الجبليون، او الفلاحون، فتختلف في حركاتها عن رقصة البدوي، بالقفز المنتظم والعنيف على الأرض،
كأنه يربت عليها لاستدرار عطفها في استنبات البذور ونمو الزرع، وضرب الارض بالأقدام بقوة، يهدف الى ابعاد الارواح الشريرة منها.
ان جميع هذه التفسيرات لحركات رقصة الدبكة، والاحتفالات الشعبية بأنواعها،
والتفسيرات الكثيرة الاخرى حولها، لا تخرج من نطاق اعتبار أصلها المطلق الاول مقدس، وطقس حي مستمر من زمن سحيق.
استنزال المطر (الاستسقاء):
    كشفت لنا الثقافة النيوليتية الشمالية وخصوصاً في سامراء في حدود الألف الخامس قبل الميلاد عن مجموعة من الآثار الدالة على ظهور طقس استنزال المطر (الاستسقاء).
لعلّ أهمها ذلك الطبق الخزفي الذي تظهر عليه أربع نساء متقابلات تتطاير شعورهن من اليسار إلى اليمين (باتجاه عقرب الساعة) وهنّ في مظهر عار يؤدين رقصة واضحة أساسها نثر الشعور باتجاه الشرق ويشكل مظهر النسوة وشعورهن ما يشبه الصليب المعقوف
أو رمز السواستيكا الذي هو رمز الخصب الأنثوي الذي تمثله المرأة في نهاية عصر النيوليت ويجسد هنا علاقة المرأة بالخصب توسلاً بالمطر الذي هو أساس الزراعة في منطقة مثل منطقة سامراء التي تقع جنوب الخط المطري في وادي الرافدين.
وقد انتشر هذا الرمز انتشاراً واسعاً في العالم القديم انطلاقاً من وادي الرافدين حيث نجده وقد ترسخ في الحضارات الآرية ليدل على الخصب حتى جاءت النازية فاعتبرته رمز التفوق الآري وصار مع ممارساتها العنصري رمزاً للخراب والدمار.
إن النساء العاريات الأربع محاطات بثمان عقارب تسير وراء بعضها من اليسار إلى اليمين. وهذا ما يعزز علاقة المرأة بالإلهة الأم التي كان بعض رموزها العقرب والأفعى، فقد كانت الأفعى نموذجاً للتكامل الأنثوي عندما تضع ذيلها في فمها وتشكل الأوربورس الأول الذي خرج منه الكون
أما العقرب فقد كانت طريقة تفقيس البيوض التي في جسدها عن طريق شق العقارب الصغيرة لظهرها، نموذجاً فريداً للإلهة الأم التي كان أبناؤها يفترسونها بعد الولادة مضحية بحياتها. وكذلك رمزَ الإنسان الرافديني للإلهة الأم بالسمكة التي تظهر في الأواني الخزفية بدلاً من العقرب.
وربما شكلت الجداء رمز السواستيكا بقرونها.
    إن هذه الآثار تدل على أن ترميزة الاستسقاء هي السواستيكا أو الصليب المعقوف التي كانت منتشرة في ثقافة سامراءوذلك لأن إنسان الحجري الحديث عندما هبط قليلاً جنوب مواقعه الأولى في (ملفعات) و(جرمو) و(الصوان) اكتشف أن الماء يعوزه في الزراعة
وكان المطر هو المصدر الأول للمياه لأنه لم يكن قد عرف بعد السيطرة على مياه الأنهار والاستفادة منها في الزراعة.
    ولكن سامراء كانت جنوب خط الأمطار ولذلك تتذبذب فيها موجات المطر دون نظام معين ومن الأفضل القيام بطقوس سحرية لإسقاط هذه الأمطار،
وتكاد رقصة نثر الشعور هذه أن تكون مثالاً جيداً لتطبيق قانون السحر الأول الذي هو القانون التشابهي حيث العلل المتشابهة تعطي نتائج متشابهة، فالنساء الأربع اللائي ينثرن شعورهن يقمن بتحريك الهواء والغبار في هذا الجزء من العالم مما يؤدي وفق القانون السحري إلى تحريك هواء العالم كله.
وهو ما يجلب الغيوم ويجعلها تمطر خصوصاً أن المرأة هي التي تؤدي هذا، والغيوم والأمطار والمرأة كلها عناصر خصب.
    إن طقس الاستسقاء السحري هذا هو طقس درامي في جوهره لأنه يقوم على صراع  الخصوبة (المرأة وشعرها) مع الجفاف وتذبذب نزول المطر، ثم أن فيه عمقاً دينياً واضحاً،
ولا شك أنه كان يجري تحت رعاية الكهنة (أو الكاهنات) والناس الذين يشكلون النظارة والذين يترقبون الطقس ويعيشون فيه.
    إن ما يؤكد هذه الحقيقة العثور على قطعتين خزفيتين أخريتين من سامراء أيضاً تشمل كل واحدة أربع راقصات متشابكات الأيدي يؤدين رقصة تكاد تشبه الدبكة العربية المعروفة،
رجّح أغلب الباحثين أنها رقصة استسقاء أيضاً.
    ويذهب الدكتور (فوزي رشيد) إلى أن طقس الاستسقاء هذا هو جذر أعياد الأكيتو السومرية والبابلية ويدلل على ذلك من خلال العلامات المسمارية التي كُتبت بها كلمة (أكيتو) والتي تدل على تفسيرها على الاستسقاء
حيث "أن أقدم صيغة لكلمة أكيتو جاءتنا بحدود 2400 ق.م على شكل (آ- كي- تي)، العلامة (آ) تعني الماء ومجازاً المطر و(كي) تعني الأرض و(تي) فعل بمعنى يقرّب، فيكون بذلك معنى الكلمة كاملاً (تقريب الماء إلى الأرض أي الاستسقاء
إن طقس الاستسقاء الذي عرفنا أصله لم يبق على حاله في العصور اللاحقة وبعد أن أصبح الري في جنوب العراق عماد الزراعة، فهو لوحده أصبح ممارسة فنية تقليدية فقدت جذورها السحرية والدينية في حين ظهر طقس الأكيتو بشكل مركّب ومختلف تماماً، وهكذا ظل من بقايا ذكرى الاستسقاء النيوليتي
ذلك الرقص الذي تمارسه النسوة أو الرجال ونلاحظ اليوم أن رقصات النساء ناثرات الشعور في فنون الريف العراقي ورقصات النساء والرجال المتلازمين الأيدي في فنون الريف والبادية العراقية هي بقايا ذلك الطقس السحري والديني القديم
المصادر/
_  رشيد فوزي: من هم السومريون. 
_فيزرسيرجيمس: الغصن الذهبي (دراسة في السحر والدين) ج1 ترجمة د.أحمد أبو زيد
_خزعل الماجدي: بذور الدراما الرافدينية في عصور ما قبل التاريخ

جاري تحميل الاقتراحات...