ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

23 تغريدة 127 قراءة Dec 18, 2020
الشيطان النافث، هكذا لقّب إنسان القرن التاسع عشر القطار، فهو آلة سحرية مخيفة تطوي الأرض طيًا وتثير خلال طيها دخانًا كثيفًا لا قبل لأحد به، آلة غيرت مجرى التاريخ وانتقل معها العالم إلى آفاق جديدة من النمو والتغيير على كل المستويات، من ابتكر القطار وكيف تطور وما القصة
حياكم تحت🌹
طفل فاسد بليد غير مطيع، كثير التغيب ولا يعر دروسه اهتمامًا كافيًا، هكذا وصفه أحد المعلمين، إنه الطفل ريتشارد تريفيثيك الذي ولد في 1771 في مقاطعة كورنوال غرب إنجلترا، لأب يعمل مشرف تعدين، أرسل الوالد ولده الوحيد إلى مدرسة كامبورن، لكن النتائج كما مر لم تكن مبشرة.
على الرغم من الفشل التي نُسب إليه في دراسته النظامية، إلا أن تريفيثيك على جهة أخرى كان ذا مهارية استثنائية في فهم الرياضيات وفك ألغازها، بالإضافة إلى ذلك كان شغوفًا بالتعدين وما يمت له بصلة، لذلك نجده في سن التاسعة من عمره يرافق أباه في مناجم القصدير ويظل يراقب الأجواء.
لم يزل الطفل يراقب الأجواء حتى انخرط فعليًا في العمل مع والده وعامًا بعد عام تمكن أكثر من أدواته وترسخت لديه المعرفة حول المحركات البخارية التي كانت تستخدم حينها في ضخ المياه من المناجم، ظل تريفيثيك يحلم بتطوير تلك المحركات لتشمل استخدامات أخرى حتى جاء العام 1797.
في ذلك الوقت ولفرط ذكائه وتمرسه ترقى تريفيثيك حتى أصبح مهندسًا في منجم دينغ دونغ، عمل تريفيثيك بجانب شريكه إدوارد بول في تطوير نماذج محركات عالية الضغط، وذلك عن طريق عكس عمل محركات المنجم، واستخدامها في توليد الطاقة الحركية عن طريق نار ومار وبخار.
صنع تريفيثيك آلة بمساعدة أفران صهر بها ماء يتولد عبره بخار كثيف، هذا البخار يحرك مكبسًا متصلًا بذراع مفصلي يحول الحركة إلى العجلات كي تسير، آلة لم يدرك أبدًا تريفيثيك وهو يبتكرها أنها ستغير وجه الحياة على الأرض وللأبد.
صمم تريفيثيك آلته التي بلغت سرعتها أكثر من 12 كم/ساعة، لتحل محل الأحصنة، لكن وجه التنافسية في الآلة أنه باستطاعتها جرعربات ذات أوزان أثقل بكثير مما هو مفترض بالأحصنة جره، لم يبتكر تريفيثيك شيئًا جديدًا كليا، بل وظف المتاح وجمع بينه واستخرج من بين أسطره آلته العبقرية.
مع التجارب الأولى لآلة تريفيثيك ومع ضعف التحكم في العجلات واتجاهها، اصطدمت المركبة بجدار وهو الأمر الذي حذا بالرجل للتفكير في حل ناجع متوفر من حوله، ألا وهي السكك الحديدية التي كانت تستخدم قبل ذلك بفترة طويلة باستخدام عربات تجرها الخيول.
بنى الرجل نموذجًا جديدا يتناسب وتلك السكك التي كانت تستخدم لنقل مستخرجات المناجم، وضع نموذجه الجديد ببساطة على مسار منجم الفحم الحديدي، ليسير بكل دقة وسهولة، ومن تلك اللحظة بدأ يعد لاستعراض نجاح آلته في جر عربات أكثر تحمل بضائع وبشر.
في أبريل 1804 حشد كبير من الناس ينتظر مشاهدة الشيطان النافث، هكذا أسمى تريفيثيك آلته وذلك بسبب غزارة الدخان المنبعث منها والذي يجعلها أشبه بتنيتن ينفث ناره، تكون القطار من خمس عربات حملت على متنها 70 شخصًا، وقطعت بنجاح 14 كيلو في 4 ساعات، وكانت هذه أول رحلة لقطار في التاريخ.
بالنسبة لذلك الوقت كان الأمر بمثابة وعد بمستقبل جيد ليس أكثر، وبناءً على التكاليف البدنية والعملية الباهظة بالإضافة إلى البطء الشديد للقطار، فضل الناس الاستمرار في استخدام الدواب، وتأجلت فرصة تعميم هذه الآلة أو استخدامها بشكل عملي.
تخبطت حظوظ تريفيثيك ولم يجد لذاته أو لابتكاره التقدير الذي يستحقه، ومن أجل استثمار فكرته وجني أرباح من ورائها، عمد إلى تطوير آلته أكثر وصنع عربة جديدة تسير ضمن مسار دائري مسيج وسط لندن، حيث كان الناس يستقلون عربته لبضع دقائق على سبيل المرح مقابل بنس واحد.
مع عدم الاكتراث لابتكار تريفيثيك وتحت ضغط المعيشة زهد الرجل فيما توصل إليه وقرر الذهاب إلى البيرو من أجل العمل في مجال التعدين، ابتسم له الحظ بداية وجمع ثروة طائلة، لكن قلب له الدهر ظهر المجن ثانية وواجه فقر مدقع، وقضى نهايات حياته بعيدًا عن الأنظار ودفن في مكان غير معروف.
رغم المآسي التي انتهت إليها حياة تريفيثيك إلا أنه قد قطع شوطًا لا يستهان به في التأسيس للقطار وما يعنيه حاليا في حياتنا من أبعاد تتجاوز كونه وسيلة نقل، لكن أكثر ما كان يعانيه ابتكار تريفيثيك هو كمية البخار المولدة للطاقة فهي قليلة جدا بقدر لا يساعد بزوغ نجم القطار واستخدامه عمليا
مرجل ثوري ذو أنابيب متعددة نشأ في فرنسا على يد مارك سيجان، يسمح بزيادة مساحة التفاعل بين الماء والنار، ما يعني زيادة في قدر البخار المنبعث وبالتالي قوة الحركة ومداها، تكامل مع هذا الإنجاز إنجازًا أكبر على المستوى الميكانيكي في إنجلترا على يد جورج ستيفنسون.
في عام 1929 قدم ستيفنسون نموذج قطار بخاري بعيد عن البدائية، قام بتطويره إلى ذلك الحد الذي أوصله إلى سرعة 59 كم/س، لكن حينما جاء لتنفيذ مشروعه على أرض الواقع واجهته اعتراضات حكومية تتعلق بسلامة الراكبين، تلك الاعتراضات انهارت أمام قوة الفكرة وحاجة الناس إليها.
إذا كان التحدي بالنسبة للقطار من نواحيه الهندسية قد علق لأجل، فإن إقامة طرق حديدية مناسبة للتنقل هو تحدٍ من نوع آخر، إذا كان ينتظر ستيفنسون والحكومة الإنجليزية كثير من العوائق الطبيعية، مثل تعبيد المستنقعات وإقامة الأنفاق والجسور لتمر من عليها القطارات.
كان إحدى التحديات التي واجهت ستيفنسون أثناء تشييد سكة حديدية من مانشستر باتجاه ليفربول، هي مسألة المستنقعات والأرض الرطبة وعدم ثبات التربة، حيث استلهم الحل من السكان المحليين من خلال ألواح خشبية توضع تحت القضبان فضلًا عن تدعيمات أخرى بما يضمن الثبات للقطار أثناء مروره.
في الخامس عشر من سبتمبر 1830 كان الافتتاح الكبير لأول محطة قطارات في إنجلترا، حشود كبيرة تنتظر تلك اللحظة التاريخية ورئيس الوزراء ويلزلي بنفسه على رأس الحضور، صعد مع جمع من رجالات الدولة إحدى العربات الخاصة المفردة، بينما سبع عربات أخرى حملت بقية الضيوف.
نحو 56 كيلو متر هي مسافة السكة الحديد المنشأة من ليفربول إلى مانشيستر، انطلق القطاران بشكل متوازٍ ودون حدوث أي مشكلات، وذلك قبل أن يقف القطار للتزود بالماء ومع لحظة الانطلاق مجددًا التهم القطار أول ضحية من ضحاياه وهو رجل الدولة والوزير السابق ويليام هوسكيسون.
كان رئيس الوزراء مقتنعًا بإلغاء الاحتفال والافتتاح والعودة مجددًا إلى ليفربول، لكن المقربون منه أقنعوه باستكمال الرحلة، حيث الجماهير العريضة تنتظر القطار لأول مرة في محطة مانشستر، تمت الرحلة ورشق ويلينجتون بالطماطم، لكن تم الافتتاح وانطلقت القطارات نحو الآفاق.
غيرت القطارات كثير من الأمور في حياة البشر، إذ استحالت مانشستر وغيرها من مجرد من بلدات صغيرة إلى مراكز تجارية كبرى، بينما أضحت البضائع والتجارة أسهل في الوصول، وغير الناس من عاداتهم وأصبحوا أكثر دقة في المواعيد، وضبطت حياتهم بناء على ساعات محطات القطار.
الآن بعد أكثر من مائتي عام، صارت القطار أكثر حداثة وأماناً، ولم تعد سرعتها كما السابق 12 ولا حتى 59 كم/س بل وصلت سرعة أقصى قطار يعمل حاليًا إلى 300 كم/س، ليس هذا فحسب بل إننا نغادر حاليًا من عصر القطار إلى عصر كبسولات الهايبرلوب التي ستصل سرعتها إلى 1200 كم/س.

جاري تحميل الاقتراحات...