Yasser Ad-Dab'bagh ياسر الدباغ
Yasser Ad-Dab'bagh ياسر الدباغ

@yasseraddabbagh

18 تغريدة 16 قراءة Dec 17, 2020
هل تفكيرنا منطقي؟
ليس لدى كثير منا أو لدى الفرد منا في كثير من الأحيان
مثلا: ممن يمانع التطعيم ضد كوڤيد١٩ خوفاً من "محتوياته المجهولة" أو من آثاره المستقبلية" أو من "المؤامرة" من يدخن السجائر أو الڤيپ، ومن يأكل أطعمة مصنعة دونما نظرٍ في محتوياتها أو يلبس ما خاطه كاره لبلادنا... _
سأتبع هذه التغريدة بسلسلة لتوضيح مقصدي وتوسيع الفكرة، فانتظروها...
💐
قد يظن بعضكم أني أردت تقريع من يرفض التطعيم. ولكني حقيقةً أردت أن تسليط الضوء على أمرٍ أعمق.
الوضع الطبيعي هو عدم استخدام المنطق في تفكيرنا! فليس من طبيعة البشر الاعتماد على المنطق كلياً في التفكير والقرار. فلننظر للمؤثرات على المحتوى المَوْعيّ من أفكارنا والمؤثر على قراراتنا: _
توجد انحيازات ذهنية ذات أصنافٍ شتّى تنتقي لنا مسارات فكرنا، وهي كثيرة يصعب حصرها هنا. وهنالك آثار عجيبة تُقحمها ذاكرتنا على اختياراتنا مثل عاملَي الحداثة والسبق (ما بدأ سلسلة معلومات وما انتهت به السلسلة أعظم حظاً في ذاكرتنا)... _
ومن العوامل الذهنية معتقداتنا الراسخة وبخاصة تلك التي تتداخل مع مكونات هويتنا. فلتلك المعتقدات قدرة هائلة على محو أو تقليل شأن بعض المعلومات والمؤثرات الحسية وتوجيه التركيز لبعضها أو تضخيم شأنها. بل يمكن للمعتقدات المسبقة أن تختلق من الخيال ما تضيفه للذاكرة وكأنما كان واقعاً... _
وتوجد انحيازات عاطفية مُوَجِهة لتأثير الذاكرة، فما ارتبط تشابهاً بخبراتٍ أو معلومات سابقة كانت قد أثارت مشاعر قوية، فسيكون للذاكرة العاطفية هنا أثراً عظيماً على تفكيرنا وقراراتنا بخصوصه... _
وتوجد عوامل لامَوْعيّة ذات أثر عظيم ربما رجح ما سبق ذكره... _
فقراراتنا مدفوعة، أي أن خلفها دوافع نَعِي منها قليل ولا نعي منها كثير. وكما للمعتقدات المَوْعيّة المتشابكة مع الهوية أثرٌ عظيم، فللمحتوى اللامَوْعي لتركيبة هويتنا أثر أعظم. وقد لا نعلم ذهنياً سبباً لقدرة أمرٍ ما على إثارة مشاعرنا بشكلٍ ما، وقد لا نذكر خبرات متشابهة معه... _
وقد يُوازن عقلنا بين مخاوف يرفض وصولها لوعينا ومخاوف يعيها فترجح الأولى، وقد يكون في تفكيرنا أثرٌ لرغبة لامَوْعيّة لتحقيق أمنية لا نعيها، دونما حساب لمدى واقعيتها أو ضرر تحقيقها... _
بل يؤثر في قراراتنا وأفكارنا ما استدخلناه من علاقاتنا المحورية خلال نشأتنا... _
فقد يختبئ في ثنايا التفكير المؤدي للقرار شعور لا نعيه برقابة أبينا أو أُمّنا لعمليات التفكير والقرار، ونحسب لانفعالاتهما المستدمجة في ضميرنا حساباً، فنخشى رأي الأب الذي في داخلنا أو نسعى لرضى الأم التي تعيش في طيات دماغنا أو حكم المعلم الذي طالما اقتدينا به وسعينا لفخره بنا... _
ثم تتداخل كل تلك العوامل، ما ظهر لوعينا منها وما اختبأ، مع حالاتنا الوجدانية وحاجاتنا الآنية من جهة ومع طبيعة ما ننفعل له في بيئتنا وخبرتنا في تلك اللحظة من جهة أخرى. فمن كان يعيش إحباطاً شديداً أو حاجة ملحة أو يواجه خطراً محدقاً ليس كمن يرغد بسعادة أو من استغنى وشعر بالأمان... _
ومما له الأثر كذلك علاقاتنا الحالية... تتغير أفكارنا وقراراتنا بمجرد وجود شخص آخر حولنا، وإن كانت له معنا علاقة مهمة، يزداد الأثر، سلباً كان أم إيجاباً. ليس قرار الأم مثل قرار من لا طفل لديها، وتختلف قرارات الأعزب عن المتزوج، ومن يرعى شيخاً أو عجوزاً عن من يعيش وحده... _
كل تلك العوامل مؤثرة على كلٍ منا. ولكن بعضنا يعاني من اضطرابات نفسية أو نمائية أو ضمورية مؤثرةٍ على التفكير والقرارات. فقد يكون الاندفاع في القرار لدى 8% منا متأثراً باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وقد يكون التفكير والقرار لدى نسبة قريبة من تلك متأثراً بالاكتئاب... _
وقد يندم من مر بنوبة من الهوس على قرارات أو أفعال متهورة بعد فوات الأوان، وقد يمنع اضطراب القلق المُعَمّم صاحبه من قرار يفيده لمخاوف غير واقعية، وقد يتجمد ذو اضطراب كرب ما بعد الصدمة رعباً مما لا يُرعِب غيره، وقد يمتنع ذو طيف التوحد عن أمر لمجرد كونه تغييراً في روتينه... _
وهناك من يرعى ذوي الاضطرابات المؤثرة على الأسرة. فليس من تعاني أمه من الألزهايمر كمن يعتني بطفل ذو إعاقة ذهنية شديدة في قراراتهم.
عندما طرحت السؤال عن منطقية تفكيرنا، كنت أعلم علم اليقين بأنه ليس منطقياً في كثيرٍ من أحوالنا. وليس ذلك غريباً البتة... _
لكن فرع الفلسفة المُسمّى بالمنطق قد ترك أثراً عظيماً على مسار الحضارة الإنسانية. فهو جزء لا يتجزأ من كل ما يتعلق بالرياضيات، والتي يرى كثير من العلماء أنها "لغة الكون"، وبسببه نشأ المنهج العلميّ، وظهرت علوم مثل علم النفس الذهني وعلوم الحاسب الآلي وعلم اللغويات وغيرها... _
والمنطق قدرة ذهنية. فللتفكير المنطقيّ أهمية كبرى وضرورة عظيمة في حياتنا. ففي مهاراته ما يعيننا على الموضوعية ويُمكننا من العدل ويجعل من الممكن تعميم أمر ما على المجموعة بعيداً عما يُؤثر على الفرد. لولا التفكير المنطقيّ ما استطعنا تمييز الغث من السمين في مخرجات البحوث العلمية... _
بل بسببه نستطيع استنتاج وجود أهواءٍ شخصية ودوافع فردية ومؤثرات خاصة لدى غيرنا عندما نحاول فهم قراراتهم وأفكارهم. هذا الفهم قد يكون عاملاً هاماً في تعزيز المواجدة العاطفية مع الآخر والتراحم معه... فقد يكون في امتناع أحدهم عن التطعيم عندي سبباً لاكتشاف معاناته ودعمه... _
وقد يستطيع تحفيزه على ترجيح التفكير المنطقي أن يؤثر في قراره، ولكني أُرجّح احتمال حدوث ذلك بعد فهم لآليات قراره مَوْعية كانت أو لاموعية على احتمال حدوثه بعد إلقاء محاضرة عن كل ما يُثبت له عدم صواب قراره.
فلننظر للآخر بعين حانية متقبلة قبل إصدار الأحكام أو المواعظ.
.

جاري تحميل الاقتراحات...