Moneem A Daikah
Moneem A Daikah

@m20_el

12 تغريدة 14 قراءة Dec 17, 2020
لا أعلم متى تنقشعُ ضبابة القداسة عن العقل الميتافلسفي العربي والذي يؤمن بنيتشه أكثر من إيمانه بنفسه وبقدرته على تغيير تركيبة الفكر الفلسفي برمته؟ لماذا تقتصر مهمة الفلسفة على نيتشه فقط، كأن الفلسفة لم تعرف يوماً إلا فردريك وقصة حبه، بل حتى جنونه أصبح في صلب الدراسات السيكولوجية!
الفلسفة التي أؤمن بها لا تدع مجالاً للقداسة، ومنذ أن بدأت في رحابها جالساً، عقدت العزم على تشريح مقولات الفلسفة، ولقد تعرضت لفلاسفة كبار بالنقد، ولم أخش أحداً بقدر خشيتي على خيانة أمانة عقلي وهي: النقد. ابن سينا، والغزالي، وهيدجر، وسبينوزا، وكانط، ومالبرانش وغيرهم.
مشكلة الجيل الحالي أنه يعاني من عقدة القداسة التي ألبسها لبوس الفلسفة، وأصلح كل من هو أمامي يتمطق ويتمنطقُ بنيتشه وهيدغر، وكأن تفكيرهم وكتاباتهم هي الأسّ في الفلسفة، حتى لا تجدُ ذكراً لسقراط في كتاباتهم، على اعتبار أن الكاهن نيتشه يحقّر قيمة سقراط، وكذلك فعل عديد الكهنة.
المشكلة الحقيقية أن الفلسفة انحرفت عن مسارها عبر نيتشه وهيدغر وغيرهم. لن تجد ذكرا لسقراط؛ لأن سقراط نزع هالة القداسة عن الإنسان في نساءلته لشباب أثينا، لم يرضخ لمطالب اللاهوتيين، لم يؤمن إلا بالفلسفة وثنائيتها: العقل والسؤال. أما نيتشه فلم يهتم إلا بالتحقير منه والنيل من الفلسفة.
أنصار نيتشه اليوم مطالبون بتبيين زيف هذا الكاتب، أقول الكاتب فقط؛ لأنه مارس الكتابة ولا شيء غيرها، أما الفلسفة فهي بعيدة جدّا عن نيتشه، هل وجدتم في كتبه ما يدعوا للتساؤل وللنقد؟ هناك من يقول: نيتشه انتقد الأديان، وقال: الله قد مات! مع أن هناك شيئين يجب أن يلفتا الانتباه لنا.
الأول، أن هذه المقولة استغقرت تأويلاً لا حصر له من قبل ملفقي كتابات نيتشه، حتى الصوفيون دخلوا لهذا المضمار وتباروا مع جميع المريدين، من أحل بيان أن نيتشه لن يقصد إلا بناء إيمان جديد بإله جديد، حيث الإله الحالي مات، ولم يسعنا الإيمان به، أي تقوم على فكرة إيمان جديد وحديث.
الثاني، نيتشه كان يؤكد على الإسلام دين عظيم ومحارب وقوي فيه نجد الروح الديونيزوسية، فهو كما يقول: دين يشتمل على غرائز رجولية، تنتصر للحياة. بماذا يمكن أن نصف كاتب هذه الكلمات والآراء سوى كاتب فقط أدلى بدلوه في الأديان، أما الفيلسوف فسيجد نفسه مضطرا للتساؤل وللبحث العقلاني فقط.
تلامذة ومقدسو نيتشه مطالبون اليوم بتوضيح مقولات نيتشه على حقيقتها، لا عبر التواءات الهيرمينوطيقا والتي أعتبرها محاولة فاشلة لإنقاذ نصوص ميتة. هم بحاجة للتساؤل الجادّ والفكر الحر العقلاني مع أطروحات هذيانية، أقرب للعمل الأدبي منه للفلسفي. واجهوا كلّ نص، بالسّؤال والنّقد، تفلحوا!
أما ادعاء أنّك تفهم الفلسفة والميتافيزيقا وتقتني كتب نيتشه وتضع أمامي صوره ومقولاته الأدبية، وترى في نفسك مشبع بالفلسفة، فأنت في حقيقة الأمر أوهم ممن يعتقدُ في خرافات الجنّ وأساطير القرون الوسطى. ضع نصب عينيك السؤال، وسط كل نصّ، وحملة وقرؤها، ستجد نفسك في لبّ الفلسفة الحقيقية.
أما إنك تسخرُ من الأديان وأتباعها عبر مقولات نيتشه فهذا محضُ وهم وفراغ بيّن كشمس الصيف. أنت لا تعلمُ حقيقة ما تقرأ، أو أنك تقرأ بعاطفتك، فأنت هنا معذور لجهلك، وعليك ألا تقول بأنك قد قرأت الفلسفة الألمانية عبر الفيلسوف نيتشه. لا تعكّروا مزاج الفلسفة بالقداسة اللاهوتية.
من يقرأ الفلسفة يتفلسف، بالسؤال والنّقد ويكون مفرطاً عقلانيّا مع نصوص نيتشه وهيدغر وغيره. يجد نفسه يمارس التفلسف على أدعياء الفلسفة، يستعمل عقله دون أي خوف أو رهبة من أحد. أنا على يقين بأنّ الفلسفة سيقبرها أدعياؤها، أما اللاهوت فهو مستمتع بهذه اللحظة، لحظة إرغام أنفها في القداسة.
هذه شذرات بسيطة عن نيتشه، أما هيدغر، فالمجال طويل للكتابة عنه ولممارسة حق النقد على نصوصه الكتابية. الفلسفة تواجه حصاراً من مريدي نيتشه وهيدغر وحسن حنفي، إنها تموت، وتترنّح، وهناك من يسدي مهمة الموت والدفن للاهوت ويتهمه بها، وهذا كذب وافتراء على اللاهوت. عموما، استخدم عقلك بجرأة.

جاري تحميل الاقتراحات...