سـعـد | Saad
سـعـد | Saad

@NeuroSaad

7 تغريدة 3 قراءة May 28, 2021
من الأمور التي يدرسها علماء الذاكرة بدقة؛ الفرق بين التذكر كعملية ذهنية، وبين الجانب الشخصي المصاحب للذكرى، فلا يكفيك وأنت تتذكر شيئًا من ماضيك أن لاسترجاعه فقط، فأنت بحاجة لاستشعار أن تلك الذكريات تخصك، فلو فقدت هذه الميزة لأصبحت ذكرياتك مثل السيرة الذاتية لشخص آخر.
هذه الخصيصة الذهنية تجعل من قدرة الذاكرة أكثر من مجرد تسجيل جاف للأحداث، فأنت بحاجة لتلك العلاقة الشخصية بالحدث، مما يجعل ذاكرتك حية، ومع ذلك فتلك الذاكرة ليست مثالية أبدًا، إنها مجرد إعادة بناء للحدث؛ ليست دقيقة ولا تطابق ذلك الزخم الحسي الذي تدفق إليك لحظة الحدث.
إحدى مناطق الدماغ التي يعتقد العلماء أنها تشارك بدور رئيس في إضفاء الطابع الشخصي للذكريات جزء يسمى "angular gyrus"، ويعتقَد -أيضًا- أن هذا الجزء يشارك في عملية دمج التفاصيل السمعية والبصرية للذاكرة، لكن لا ينشط بالضرورة في تذكر أحدهما بشكل مستقل، إذ يبدو أن هناك مناطق أخرى لذلك.
تخيل هذا العمل الدقيق للدماغ في التفريق بين تلك الخصائص السمعية والبصرية من جهة، ثم تلك الميزة الإضافية التي تختص بعملية دمج الخصائص، لذا ليس مستغربًا حجم التحوط الكبير الذي يخالج عالم الأعصاب وهو يحاول فهم التقاطعات المعقدة لوظيفة ذهنية اعتقدنا -عن قلة تصور- أننا أحطنا بفهمها!
بل وأبعد من ذلك، تخيل قيامك بأمور لم تحدث أبدًا، كيف ستفصل الآن بين الذاكرة المتخيلة والذاكرة الحقيقية إذا كانت الذاكرة في كلا الحالتين غير مطابقة للواقع، هنا ستقوم الذاكرة بعملها الدقيق للفصل بين الأمرين، في عملية ذهنية تعرَف بـreality monitoring.
هذه العملية الذهنية للفصل بين الذاكرة المتخيلة والحقيقية مرتبطة بمنطقة من مناطق الدماغ تسمى medial anterior prefrontal cortex في مقدمة الدماغ، وتظهر أهمية مثل هذه المعالجة في فهم مصادر الهلاوس الذهنية في حالات الفصام مثلًا، بل تظهر أهميتها في حياتنا اليومية بشكل واضح، مثل...؟
أن تغادر منزلك وتبدأ في تصور قيامك بإغلاق الباب في ذهنك، لكنك لم تقم بذلك في أرض الواقع، أو أن يناديك شخصٌ ما فتتخيل أنك أجبته، وأنت لم تقم بذلك، الفصل بين المتخيَّل والواقع إذن أمرٌ جوهري في حياتنا اليومية، فهل تصورت أن هناك عناية خاصة به في دماغك؟
"صنع الله الذي أتقن كل شيء"

جاري تحميل الاقتراحات...