خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

104 تغريدة 67 قراءة Dec 23, 2020
1-سنعود اليوم لكتاب(السعادة الأبدية بين الدين والعلم والفلسفة)وسنستعرض موقفا من أهم المواقف الفلسفية، إلا وهو موقف الوجوديين. الوجودية في غاية الأهمية لأنها هي من أوقفت الإنسان على قدميه، وأعطته الحرية التي سيواجه بها مصيره، وجعلته مسئولا عن سعادته وتعاسته معاً. لا لوم ولا عتاب.
2-ستجد لمحات من الموقف الوجودي عند سقراط، وعند القديس أوغسطين، وعند باسكال، وعند غيرهم. لكن ملامح الوجودية لم تتحدد بشكل واضح إلا مع الفيلسوف الدينماركي سورين كيركغور الذي عاش ما بين ( 1813 -1855).
3-نشأت وجودية القرن 19 (وجودية كيركغور) كردة فعل على فلسفة هيغل الشمولية. هيغل حوّل الإنسان الفرد إلى مجرد ترس في آلة في مصنع، ليس له دور يذكر في حتمية صارمة ونظام لا يخترقه شيء. ولذلك يمكن أن نقول إن الوجودية قد نشأت كصرخة إنسانية ضد الجبرية الحتمية كما نراها عند هيغل وسبينوزا.
4-الوجودية هي قضية القضايا فيما يتعلق بالسعادة ولذلك سنطيل الوقوف عندها.
5-أفضل طريقة يمكن أن تدرس فيها الفلسفة الوجودية، هي أن ندرس كل رمز من رموزها على حدة، فنقول وجودية سورين كيركغور، وجودية مارتن هايدغر، وجودية جان بول سارتر، امتداداً إلى نهاية القائمة. إذ كل واحد منهم يختلف كثيراً عن الآخر ويسير في طريق مختلف تماماً.
6-إلا أن هذا الاختلاف لا يعني أنه لا توجد خطوط عريضة وفكرة عامة تجمع هؤلاء المفكرين، أو أنه لا يمكن دراستهم مجتمعين.
7-برغم التباين الشاسع في أفكار الوجوديين وأنها كانت ثوباً فضفاضاً جمع ألواناً متنافرة، إلا إنهم كلهم يعتبرون كيركغور أبا الوجودية الحديثة.تلك الأبوية أعترف بها المؤرخون، بناء على النتائج التي خلص إليها من خلال كتابيه "الشذرات الفلسفية " و "حاشية ختامية غير علمية " وأعماله الأخرى.
8-عرف قرّاء الفلسفة صحة هذا الامتداد في عام 1919 عندما نشر كارل ياسبرز كتابه "سيكولوجية النظرة الكلية للعالم" وهو الكتاب الذي قدم الوجودية للعالم الغربي كله على أساس من فلسفة كيركغور. وفي عام 1927 نشر مارتن هايدغر "الوجود والزمن"، و فيه وصَف كيركغور بأنه مؤسس الوجودية.
9-كيركغور بالنسبة للوجودية مثل باومغارتن بالنسبة لفلسفة الجمال، فبرغم وجود شذرات عن علم الجمال في فلسفة أفلاطون وأرسطو، إلا أن باومجارتن هو من أفرده كعلم مستقل.
10-وصف كيركغور سقراط بأنه أول وجودي في التاريخ، لمقولته: "اعرف نفسك بنفسك". يمكن أن نعتبر هذا صحيحاً على أساس أن سقراط قد حول تفكير الناس صوب الوجود الإنساني، إلا أن كيركغور هو رائد الوجودية فعلا لأنه أول من أخرجها للعالم كفكر مستقل متميز ومحدد، وان لم يكن هو أول من سك المصطلح.
11-فيما بعد، اشتغل هايدغر على توسيع النظرة الوجودية إلى مجال الانطولوجيا الوجودية وهو شأن لم يهتم به كيركغور كثيراَ، ويعني به هايدغر ذلك الفرع من الميتافيزيقيا الذي يدرس الوجود في أكثر صوره تجريداً، أي ما معنى أن يكون الشيء موجوداً، وما طبيعة الوجود بما هو موجود؟
12-ثم سارتر بكتاب"الوجود و العدم"و من خلال مسرحياته، فأعاد الإنسان الوجودي الكيركغوري مرة أخرى. كيف يمكن أن يستطيع الفيلسوف الملحد أن يبعث فكر فيلسوف مؤمن؟ الجواب هو أن سارتر قد أعاد الحديث إلى الفرد وهمومه اليومية وكسر هيبة الحتمية المثالية، وسيأتي توضيح هذا بمزيد من التفصيل.
13-هناك أسماء أخرى مهمة مثل ميرلو بونتي، جابرييل مارسيل ، كارل ياسبرز ، لويس لافيل، نيكولاي برداييف، وألبير كامو، إلا أن الثلاثة كيركغور وهايدغر وسارتر هم أركان الوجودية. كيركغور هو الرائد الأول، و هايدغر هو المؤسس الثاني ومن ناحية القيمة الفلسفية هو أهم الثلاثة، عندي.
14-وسارتر هو أشهرهم بحضوره ونشاطه ضد الحروب، ومسرحياته شديدة التأثير، حيث انتشرت في العالم وجعلت الوجودية موضة عالمية يسمع بها رجل الشارع العادي، فأخرجها من عالم الأوساط الفلسفية و الدوائر المغلقة وادخلها في معركة الحياة والمشهد السياسي، بفضل التزامه بما يدعو إليه.
15-حاول المرحوم د. عبد الرحمن بدوي أن يقلل من أهمية سارتر حيث وضعه في ذيل قائمة يوجد بها أدباء وجوديون مثل ألبير كامو، إلا إن التاريخ يشهد بأنه لولا سارتر لما اشتهرت الوجودية. بدوي متطرف في حبه وكرهه، إذا كره أحداً خسف به الأرض. وما ينسبه لنفسه من وجودية هي نفسها آراء هايدغر.
16-أثقلهم وزنا هو مارتن هايدغر، فهو الأعظم تأثيراً في فلاسفة القرن وهو الذي أقام بنيان الوجودية، وبحث في موضوع الفلسفة الأولى ولم يكتف بتحليل المواقف الوجودية، بل حاول محاولة غير كاملة، أن يؤسس من ذلك نظرية في الوجود، وانتقل من العناية بالموجود الفرد إلى الوجود عامة بصفته الكلية.
17-معظم فلاسفة القرن 20 يدينون بفضل كبير لهايدغر (ديريدا وفوكو وسارتر ورورتي وغيرهم) كلهم اعترف في مناسبة أو أكثر بدين هايدغر. ولولا نازيته التي لم يتراجع عنها أبدا لكان الاعتراف به أكبر. كل التهم التي اتهم بها هايدغر هي تهم صحيحة وهو مدان تماماً، ومع ذلك هو أعظم فلاسفة القرن.
18-"الوجود يسبق الماهية" هذه الفكرة هي أهم ما في الوجودية، وهي صلب موضوعها وعمودها الفقري. هي عبارة سارتر ولم يستخدمها هايدغر، إلا إن مذهب هايدغر يتضمنها بالتأكيد. لكن، ما معنى هذه الجملة التقريرية الغامضة؟ وما هو الوجود وما هي الماهية؟
19-منذ أفلاطون إلى ما قبل كيركغور، قررت النظرة التقليدية أن هناك طبيعة بشرية أساسية تتمثل في كل إنسان، و تحدد ما يمكن أن يحققه من فضائل كما تحدد أدنى ما يمكن أن ينحدر إليه من رذائل. هذه هي ماهية الإنسان التي لا يمكن أن تتغير إلا قليلاً، مهما كانت بيئته أو اختياراته الشخصية.
20- الإنسان أسير ماهيته أبداً، ماهيته شيء غريزي يولد معه و يتجلى كاملا خلال حياته.
21-لقد أغلق الوجوديون هذا الطريق وأخذوا هذه الفكرة ورموا بها في البحر، و قرروا أن الإنسان ليس له ماهية ثابتة. (استبدل كلمة "الماهية" بكلمة "الجوهر" وستتضح أكثر). الوجوديون لا يؤمنون أن للإنسان جوهر جاهز، بل هو من يصنع هذا الجوهر بأفعاله التي يقوم بها في حياته، ويكتمل بموته.
22-بمعنى أن لا شيء يسبق وجود الإنسان الفعلي الفردي. بل الإنسان يصنع جوهره الخاص بصفة فردية، وبدون أن يشترك معه طرف آخر في ذلك. هذه الصناعة تمتد طوال حياة الإنسان، بمعنى أن العمر كله هو زمن لها. ثم بعد ذلك جوهري ليس جزءاً من جوهر الجنس البشري، بل هي جوهري أنا فقط.
23-قد يعترض أحد بقوله إننا نعرف أن الطفل الذي ولد ذكراً أو أنثى، لم يختر جوهره التي سبق وجوده، و أن المرأة العجوز الأمية لا يمكنها أن تختار فجأة أن تصبح فيلسوفة، و أن نتشه المريض ما كان ليكون من أبطال ملاكمة.
24-هذا الاعتراض لا يفسد الفكرة، فالمقصود أن الإنسان يصنع وجوده بحسب واقعه وطبقته. وعند لافيل ، اختيار الإنسان للماهية التي تناسبه، قضية تسمو على كل قضية، حتى على قضية الحرية الإنسانية
25-فالوجود عند "لويس لافيل" ليس له قيمة، لأن الماهية التي سيختارها الإنسان هي التي ستمنح القيمة لوجوده، فالأصالة عنده للماهية لا للوجود، مخالفاً بذلك أكثرية الفلاسفة القدماء.
26-كانت الخطة إلا يجلس مايكل بعد عودته من الحمام،بل كان عليه أن يبادر بإطلاق النار فورا.لكننا نراه هنا يجلس محتارا تائها. هذا هو المأزق الوجودي كما قرره فلاسفته،يجب أن تختار وأن تتحمل مسئولية قرارك وتركك لخيارات أخرى.وإن لم تفعل، فعليك أيضا تحمل المسئولية.
youtube.com
27-استفادت الوجودية الحديثة من أستاذ هايدغر، الفيلسوف الألماني المثالي مؤسس المدرسة الظواهرية ( الفينومنولوجية ) إدموند هوسّيرل فائدة لم تأخذها من فيلسوف آخر، بل إن نظريته القائلة بأن الانفعالات الشخصية للفرد هي معيار الحقيقة، تعتبر الأساس لكل الفكرة الوجودية الحديثة.
28-من هنا انطلقت الوجودية، وسجلت اعتراضاً كبيراً على النظرة العقلانية التي قسمت العالم إلى مجالين: ذاتي و موضوعي، واعتبرت الإنسان موضوعاً.
29-على هذا اعترضت الوجودية وقررت الوحدة بين الذات والموضوع، وذلك بتقمص الواقع بحيث يصبح الإنسان "وعياً بذاته باعتباره وجوداً " وأن عليه أن يجد ذاته في "موقف هوية". أو قل هي أن تحيا الوجود عن طريق الوجدان، لا أن تكتفي بالتفكير في الوجود و تأمله، كما يفعل العقل. هذا يشبه التصوف.
30-الوجوديون ثلاثة، إنسان جمال و إنسان أخلاق و إنسان دين.
31-يعيش الإنسان الجمالي في اللحظة الحاضرة المنعزلة.لا عبرة عنده إلا بالمتعة والإسراف في اللذات. لا يرتبط بشيء،وأبغض شيء له التكرار وبقاء الشيء على حاله. ولذلك لا يؤمن بالصداقة ولا بالزواج وبالعائلة، ولا بالتملك في حالة الحب، إذ لحظات الزمان منعزلة ولكل منها استقلالها وقيمتها.
32-يمكن أن نضرب مثالا من الفلاسفة أنفسهم على هذا النوع من الوجودية بأرسطبوس، فقد كان داعية لانتزاع اللذة من اللحظة التي تمر بنا دون بحث عنها.
33-النوع 2 من الوجوديين هو الأخلاقي الذي يحيا في الزمان ويرى الوجود في العيش تحت لواء الواجب والمسئولية. مسئولياته تبدأ من العائلة التي يُعيلها، إلى الدولة التي يعيش في كنفها، و قد تمتد إلى الشعور بالواجب تجاه الإنسانية جمعاء. هي حالة متوسطة بين الفردانية المطلقة و التأله المطلق.
34-ربما أن إيمانويل كنْت هو الأقرب لتمثيل هذه الحالة.
35-الوجودي 3 هو الإنسان الديني الذي يحيا في السرمدية ولا يحيا في الزمان لأنه قد أشاح بوجهه عن الدنيا وولى وجهه قبل الدار الآخرة في عالم فوق الزمان وكل معاييره في الحياة تصدر عن تلك الحياة الأبدية التي يحياها في حضن الألوهية.
36-ويرى كيركغور أن النوع الأخير هو أعلى أنواع الوجود الإنساني، لأن الوجود أصبح مركبا من المتناهي واللامتناهي. لا شك أن كيركغور كان فيلسوفا وصوفيا في الوقت نفسه، لكن كتاباته مليئة بروح الخطيئة الأولى، ووصف لأنواع الشك وكان يبشر باليأس الكامل والخوف وكراهية الناس.
37-المراتب ال 3 مستقلة عن بعضها ولا يمكن الانتقال بينها منطقيا. لكن قد يحدث تحول لا عقلاني حاسم ومفاجئ يسببه الملل و تحول المزاج الشخصي. بناء على ذلك يمكننا القول إن سبيل الحياة يمكن أن يكون متصل الحلقات، يبدأ من الحساسية والجمال ويمر بالأخلاق ثم ينتهي بالقداسة، كما حدث لأوغسطين.
38-بالمناسبة، "اعترافات القديس أوغسطين" من أجمل النصوص الوجودية، وقد كان في أطوار حياته جمالياً وأخلاقياً ومتألهاً.
39-رفض سارتر الحرية التي ترد كمصطلح ممسوخ عند سبينوزا وهيغل، إذ هما يقصدان من الحرية، حرية صورية لا تعني إلا التناغم مع مسار الضرورة، فهي جبرية لا حرية. ثم تحولت قضية الحرية في الفكر الوجودي إلى قضية أخلاقية محضة، إذ يعتبرون الحرية غاية قصوى، ويقصدون بها حرية الفرد في مجتمعه.
40-الهيغيلية لها أثر عميق على الوجودية. لكنه أثر سلبي. فقد شن كيركغور حرباً على هيغل وحذر من كتبه، ولم تمت الحرب بعد موت هيغل.
41-فالوجودية لم تهاجم أحداً بقدر ما هاجمت المذهب الذي يفترض في الكون تدبيراً شاملا أو موضوعياً يلغي دور الإنسان، فهي، بمؤمنيها وملحديها، تؤمن أن الإنسان مسئول وحده عن مصيره، و أنه ليس هناك مهرب من هذه المسئولية، و ليس من المقبول بتاتاً أن نحاول إلقاء تلك المسئولية على أي طرف آخر.
42-في فيلم الروسي أوندريه كونشالوفسكي "القطار الهارب" لا "قطار الهرب" يختار البطل أن يكون هو من يقود قطاره بنفسه صوب الجحيم، محتفظا بعدوه إلى جواره، طاردا الأبرياء إلى الخارج. الدلالة الرمزية للقطار الهارب هنا لا تحتاج لشرح.
43-كل الاختيارات هي اختياراتنا، هي اختياراتنا وحدنا، اختياراتنا المستلهمة من شعورنا بحريتنا، حريتنا الجبرية التي لا يمكن التنازل عنها أو الانفكاك منها.
44-ههنا نقطة من أكبر نقاط الخلاف بين هيغل وسبينوزا من جهة(حين يقرران أن حرية الإنسان وهم) والوجوديين من جهة أخرى(حين يقررون إن حرية الإنسان حتم) شيء لا ينفك الإنسان عنه، حتى وإن تخيل أنه مجبور.
45-الموقف الوجودي لا ينحصر في الأمور المستقبلية فقط، بل يستلحق الماضي و يتعاطى معه، إذ لا بد أن يسجل الوجودي موقفاً من ماضيه، ولو كان ذا ماضٍ سيء فلا بد أن يسجل من ذلك موقفاً وإلا فقد وجوده.
46-ليس شرطا أن يتحرر من آثار التجارب الماضية عندما تكون سيئة، المهم فقط هو أن يسجل موقفاً و يختار. ولكي تتحقق الحرية، لا بد أن يكون له موقفاً، موقف من ماضيه وحاضره، من تجاربه الحسنة و السيئة، ومن حقه أن يحتفظ بتلك الآثار السيئة إن شاء واختار، فالوجودية هي الحرية الكاملة المطلقة .
47-الوجودية هي الحرية التي تكمن نزعتها الإرادية في عزل الاختيار عن ظروفه، أي عزل الفرد عن أي قانون أو ضرورة موضوعية.
48-الحرية التي تعتقد أن الإنسان لا يكون إنساناً أصيلاً حقيقياً، إلا عندما يشعر بكل النتائج المترتبة على هذه المسئولية الكاملة ويتحمل نتائجها. إنها " المسئولية المخيفة" على حد تعبير هنتر ميد .
49-سيمر بنا فيما سيأتي شيئا يشبه قصائد الهجاء فيما كتبه الوجوديون في ذم الوجود الزائف، الذي يمنع الإنسان من تحقيق وجوده الحقيقي، يقصدون الوجود مع الآخرين. ف (الآخرون هم الجحيم). هذه قضية اتفقوا عليها.
50-للوجودية مزايا عظيمة فهي تعزل الفرد عن التفكير الإيديولوجي الجماعي، وتجعله سيد نفسه، لكن المؤسف أن رموز الوجودية الكبار كانوا ينزعون باستمرار إلى التشاؤم الشديد، رغم حملهم لمشاعل الحرية. لماذا هذا التشاؤم؟ ولماذا هذا الحزن؟
51-لربما أن السبب هو أن الوجودية حمّلت الإنسان من أطنان الحرية، مقداراً أكبر مما يطيق. الحرية في كثير من الأحوال تكون مخيفة بحيث لا يدري الإنسان ما سيصنع بها. أو ربما أنها مخيفة لأنها ستجعله يتحمل مسئولية قراراته التي قد يكتشف أنها خاطئة، وكذا قراراته التي لم يتخذها. هذا حصار.
52-في قصة "الغثيان" لسارتر نص يقول : "كل موجود يولد بلا سبب ، ويطول به العمر إلى الضعف، ويموت بمحض الصدفة".
53-هذا النص يلخص الإجابة ويمكن أن نشرحها بجملة هي :
أن الذات الوجودية مهمومة بذاتها في كل ثانية، مهمومة بهذا الكائن التي قُذف به إلى هذا العالم، بحسب عبارة هايدغر. إنه همّ لا ينقطع إلا بالموت، همّ لا ينتهي ولا يوقف الحرب ولا يتصالح، همّ لا يتوقف حتى يتوقف العقل ويخمد نبض القلب.
54-هذا جواب مختصر،ويمكن أن نتمدد فنقول إن القلق هو الحالة الوجودية في أسمى مقاماتها. عرفوه بأنه قوة خارجية تسيطر على الإنسان فلا يستطيع الفرار منها. للتوضيح سنلجأ إلى تفريق هايدغر بين القلق والخوف،فالخوف أمره بسيط، يكون من موجود معين، خوف من، أو خوف من أجل،لكنه يزول بزوال المسبب.
55-أما القلق فشيء مقيم أبدا، لا يبرح. إنه لا يرتبط بأحد ولا شيء معين، ولذا فإن موضوعه العدم، وما ليس بموجود في أي مكان. ما يقلقنا في القلق هو إمكانية تحققه في الوجود، فما عليه القلق، هو الوجود الحقيقي بمعناه الأسمى الصادر عن الوجود الماهوي.
56-ولذلك يقول هايدغر :
"إن القلق يكشف عن العدم".
57-إذ هو يشعرنا بفرار الوجود منا وانزلاقه من بين أصابعنا وانزلاقنا معه، فالعدم ليس موضوعا قائما بجانب الموجود، وليس فكرة من بنات أفكارنا ولا شيء يجذبنا إليه، ولا شيء يوصلنا إلى نهاية القلق إلا عندما يلتقي القلق بالطمأنينة، يحدث هذا فقط عند لحظة الموت.
only at the moment of dying
58-من هنا نفهم خيار كيركغور المسيحي المؤمن الذي يتخلص من الهمّ المتصل في نقطة التلاقي بين المتناهي واللا متناهي، بين الزمني و السرمدي، بين ذاته والله المطلق. هذا ينطبق على كل الوجوديين المؤمنين من أوغطسين إلى باسكال.
59-وكأن هذا البؤس لا يكفي، فيضيف الوجودي إلى فكرة القلق فكرة اليأس، فالحرية المطلقة في الاختيار تنطوي على المخاطرة و نبذ الممكنات، بمعنى أنك سوف ترفض خيارات يمكن أن تكون صائبة وأن يكون ما اخترته هو الخطأ، لكنك لا محالة ستختار وستصبح المسئول الوحيد عن هذا الخيار .
60-الخيار سيؤدي بك إلى الشعور بالخطيئة لأن اختيارك فيه إعلان لنقصانك، نقصان ثبت بحقك بمجرد اختيارك، لأنك لا تستطيع أن تحقق كل الممكنات.
61-هذه المخاطرة الواعية هنا بمصيرها تستدعي اليأس لا محالة، واليأس من العناصر الانفعالية الأساسية في تكوين الوجود، ولا سبيل ولا معنى للخلاص منه، لأن الخلاص من اليأس هو والعدم سواء. فاليأس مصدر الشعور والتفكير والتعالي الدائم، فمن لا يشعر باليأس لا يرغب في شيء.
62-هكذا كان كل الوجوديين الذين نعرفهم، ومن ضمنهم وجودي العرب د. عبد الرحمن بدوي الذي كان بوابة مهمة لنا نحن قراء الفلسفة، فبرغم نفيه الشديد لأن تكون الوجودية متشائمة، إلا أن التشاؤم و القلق يصبغان سطوره ويختبئان بين ثنايا كلماته، ويُعدّان صفتان لا تخطئهما العين في كل حياته.
63-هذا التشاؤم واليأس ليس خاصاً بالوجوديين غير المؤمنين، بل إن المؤمنين الوجوديين يعيشون ذلك أيضاً، وكارل ياسبرز الذي يعتبر أقرب الوجوديين قاطبة إلى خط الرائد كيركغور، يرى أن الإخفاق هو القانون الكلي الوحيد في عالم العقل وفي الواقع الحي.
64-ربما أن فيما ما ذكرت ما يجلّي عمق الرابطة الوثيقة بين القلق و الحرية والعدم في الفكر الوجودي، وربما أننا اقتربنا من تصور الأسباب التي تفسر لنا، لمَ الوجودية متشائمة.
65-الوجودية تبدأ من الإنسان لا من الطبيعة، فهي فلسفة عن الذات أكثر من كونها عن الموضوع. هذا سبب كافٍ لكي يعتبرها الماركسيون فلسفة مثالية مضللة.
سبق أن قلت أن تقسيم الفلسفة إلى قسم مثالي وآخر مادي، هو المضلل.
66-لكن الوجودية لا تبدأ من الذات المفكرة فقط بل من الذات المبادرة بالفعل، بحيث تكون مركزاً للشعور و الوجدان، الفيلسوف الوجودي هو الموجود في نطاق تواجده الكامل.
67-فيلم(cloud atlas)وجودي بامتياز. يعرض 6 قصص مختلفة لأشخاص يعيشون في أزمنة متباعدة وظروف متمايزة لكن القصص مرتبطة تماما، لأن الإنسان لا ينفك عن الارتباط بالآخرين، والبشر يصنعون مستقبلهم من خلال العيش في العالم، وهذا العيش هو عود أبدي تتكرر فيه نفس القصص.
imdb.com
68-الوجودية لا تدعو للعزلة ولا لأن يقفل المرء على نفسه باب داره، فهذا الانغلاق هو العدم. إذن على الإنسان أن يتصل بالعالم الخارجي، سيما من اتصف بالوعي و التفكير، والوعي بالنسبة لهم لا بد أن يتجه إلى الخارج.
69-والكائنات الواعية المفكرة هي التي تحرك فينا القدرة على الوعي بذواتنا وفهم حقيقتنا، ولذلك لا بد أن نكون معها باستمرار، فالإدراك الدائم الذي سيأتي بعده الاختيار الدائم يحتاج إلى العلاقة الدائمة بالعالم الخارجي الذي هو الواسطة الضرورية للوصول للوعي بأنفسنا في أعماقها.
70-الوجودية تميز في العلاقة مع الآخر بين وجودين : وجود أصيل و وجود زائف، فالوجود الأصيل هو الذي يعمل على تأكيد الوجود البشري بحيث يبرز كل ما هو بشري عن طريق الحرية، أما الوجود الزائف فهو الذي يطمس الشخصية الأصيلة ويؤدي لضياع الجانب الإنساني.
71-فالوجود مع زوجة تطالب زوجها بأن يُخلص لها هو وجود زائف طامس للشخصية، فالوجودية ترفض التجانس والتواضع، إذاً بناء على هذه التصور، وجود الآخر لا غاية له سوى تحديد الذات وتمييزها. هنا نتذكر مقولة سارتر عن علاقة الحب وأن معناها "شخص آخر يريد أن يحدّ من حريتك ".
72-قد نظن أن الوجودية ترفض رابطة المحبة، إلا إن هذا غير صحيح، فالوجودية تؤمن بالحب مبدئياً، إلا أنها تسير بنا معه بحيث تجعله مشروعاً جديداً للقلق، فهي تراه : إفناء للغير في الذات، و تفسر الكراهية بأنها شعور من الذات عند رفض الآخر لعملية إفناءه في ذواتنا.
73-ربما أننا لا نبالغ حين نقول إن الوجودية تبحث في المستقبل، دائماً، عن مشاريع قلق جديدة.
74-في مسرحية " جلسة سرية " يلخص سارتر الحب الذي طال ليل العاشقين في الحديث عنه ودبّجوا القصائد في وصف لوعته بأنه : "سعى لامتلاك حرية الآخر". ليس الهدف جسده، بل الآخر نفسه. الحب هو شعور ذات تسعى إلى الولوج في غيرها من الذوات، ربما لتجعلها امتداداً لها، فتصطدم بالممانعة.
75-لأن الهدف غير ممكن، إلا إذا تحولت ذات الآخر إلى موضوع، وموجود لذاته، في آن واحد. بطبيعة الحال هذه غاية مستحيلة لأن امتلاك الحرية باعتبارها حرية غير ممكن. وبالتالي كل هذا الحديث عن التوحد بين اثنين والمشاركة الوجدانية، ليس سوى أوهام، والوجود في عالم فيه آخرون ليس سوى الجحيم.
76-هناك نقد كثير وجه للوجودية. "ماركوزه" مثلا، انتقد كتاب "الوجود و العدم" ووصفه بأنه أسقط العدمية و القلق على الوجود نفسه، وأن وجودية سارتر انتقدت المثالية ثم لم تخرج من عباءتها.
77-وبرأي جون ماكوري: الوجودية مذهب هلامي وليست بفلسفة واضحة المعالم، إذ ليس لهم نسق ولا معتقدات رئيسية تجمعهم و تخرجهم من دائرة المثاليين أو منهج محدد كذلك الذي يجمع التجريبيين،ولا يوجد حقيقة موضوعية في كل المجالات الوجودية، وبالتالي ليست بفلسفة إنما هي تفلسف أو أسلوب في التفلسف.
78-أما برتراند راسل فكتب يقول عن الوجودية : "احتجاج انفعالي قائم على أسس نفسية منها الشعور بالاضطهاد والفلسفة الوجودية داخل القارة الأوربية هي في جوانب معينة أمر محير، بل إنه من الصعب أحياناً أن يرى المرء فيها شيء يمكن التعرف عليه بوصفه فلسفة بالمعنى التقليدي" .
79-الوجوديون أنفسهم لا يعترضون على هذه الأوصاف، بل كثير منهم اعترض على كل محاولة لوضع نظريتهم أو مجموع نظرياتهم في قالب فلسفي دقيق، أو حتى تنسيق أفكارهم ووضعها في أبواب و فصول. ولعل هذا من أهم أسباب هجوم كيركغور على الهيغيلية، إذ هو يعتقد أنه ليس بالإمكان أن يوجد أي نظام فلسفي.
80-يستثنى من ذلك هايدغر وسارتر، أعنى في مسألة "بناء المذهب" لكن حتى في حال هذين الرجلين، نجد أن المذهبية هنا لها صورة خاصة جداً، ففي رأي مارتن هايدغر أن مهمة الفيلسوف، و إن كانت هي إيضاح معنى الوجود، إلا أن المنهج الذي يتبعه في ذلك هو "الإشارة".
81- لأن الوجود لا يقبل المنطق البرهاني للتدليل عليه، بل الإيضاح و الكشف، فالوجوديون يرون أن الوجود حرية مطلقة لا يصح تحديدها، فالتحديد يخالف طبيعتها، وبالتالي فالفلسفات الوجودية هي بنفس عدد الفلاسفة الوجوديين لو رضينا بتسميتها فلسفة.
82-مع عيوب الوجودية، لا يمكن أن يتجاوز قارئ منصف ما لها من أهمية كبرى في المسيرة الفكرية الإنسانية، إذ هي تمثل الإنسان الذي تعب من البحث عن طريقه في الخارج، أو تصور أن لا طريق في الخارج، فعاد إلى أعماقه هو، يبحث عن تلك الطريق، يبحث عن خلاصه بنفسه، في نفسه.
82-ههنا ما يذكر بعبارة للفيلسوف هيغل عندما قال : "الفلسفة هي عصرها ملخصاً في الفكر" فالوجودية بحق هي الفكرة المعبرة عن روح القرن العشرين، بأجواء الحربين العالميتين اللتين تحيطان بسنين ازدهار الوجودية كفكر.
83-ثم استمر هذا القلق بعد الحرب الثانية بسبب الفزع الشديد من الحرية التي نالها الإنسان بعد قرون من النضال في سبيلها، وبسبب موقفهم المشمئز من العلم والاكتشافات العلمية، والتقدم التكنولوجي الذي يرى الوجوديون أنه كان سبباً في اغتصاب الآلة لجزء كبير من دائرة الاهتمام بالإنسان.
84-الوجودية ردة فعل للضغط الرهيب الذي أوجده التنظيم في الحياة الحديثة، مما أدي لنشوء هذا الخط الفكري اللاعقلاني الذي أصبح صورة فوتوغرافية واضحة المعالم للقرن العشرين بخوفه وقلقه و تشاؤمه.
85-، إنها الأسئلة المزعجة التي تفرضها الممارسة التاريخية الاجتماعية المعاصرة ومشاعر اليأس وفقدان الأمل الكامنة داخل أفراد المجتمع، وأولاً وأخيراً هي ردة فعل لا عقلانية وحالة تمرد ضد عقلانية عصور التنوير.
86-الفلسفة الوجودية جديرة بأن توصف بأنها "روح القرن العشرين". هذا هو اللقب الذي اخترته لها.
87-هنا تتجلى مرة أخرى، قضية أن لا فلسفة كاملة بشكل مطلق. كل فلسفة تملك جزءً من الحقيقة، وتحل مشكلة معينة وتأتي بأخرى، ومنها تجمع أنت حقيقتك. وحقيقتك بدورها ليست مطلقة. ولو أنك أصبحت فيلسوفا يحسب القادمون حساب كلماته، فستصبح ممن يملكون جزءً من تلك الحقيقة، التي تتغير نسبة لكل فرد.
88-مع خلافهم مع هيغل، إلا أنهم وافقوه على رفض مبدأ عدم التناقض الذي يقوم عليه المنطق الآرسطي، لأنه لا يصدق على الوجود الواقعي.الوجود قائم على التناقض والتمزق و جمع الأضداد، فقرروا أن مبدأ عدم التناقض قد أخفق في كل شيء يدخله عامل الزمن، باستثناء علم الرياضيات لأن الزمن لا يدخلها.
89-يرى الوجوديون أن وجود الإنسان العيني "لا وجود الجنس البشري" هو السابق على كل شيء، و بالتالي فإن مشكلة المعرفة لا تنشأ إلا بعد ذلك فتكون تابعة.
العيني مصطلح فلسفي يعني الشيء المحسوس الملموس، نقيض المجرد.
90-علم الوجود سابق على الفيزياء وكل، فألغوا بذلك ما كان سائدا لقرون فيما يتعلق بنظرية المعرفة و القول بالقدرة على الوصول إلى المعرفة الموضوعية. كما أنهم ضد النزعة العقلية، إذ هم مخلوقات عاطفية بامتياز، تهتم بالوجدان والاندفاع وراء العواطف، ولو كان ذلك على حساب العلم و المعرفة.
91-في عالمنا العربي اتهم الوجوديون بأنهم ملاحدة. لكن هذا غير صحيح. كتب سارتر في(الوجودية مذهب إنساني):"هناك الوجوديون المسيحيون وعلى رأسهم جابرييل مارسيل و ياسبرز وهما كاثوليكيان مخلصان لكاثوليكيتهما وهناك الملاحدة وعلى رأسهم مارتن هايدغر و أنا".
سأعود لوصفه لهايدغر بالإلحاد.
92-مارسيل ميّز الفلسفة عن العلم الذي درس عالم الأشياءوعجز عن فهم التجربة الوجودية، حياة الفرد الروحية. وقرر بكل وضوح أن الوجودية غير عقلانية في جوهرها، وأنها تحتوي على أسرار تدمج الفرد فيها، وأنها تصلح كموضوع للإيمان، وإن الإنسان يمكن أن يأوي إلى الله عن طريق التجربة الوجودية.
93-طبيب الأمراض العقلية كارل ياسبرز كان يرى أن الظواهر المرَضية لا تعنى شيئا سوى بحث الإنسان عن فردانيته. هذا البحث المرضي هو لب التفلسف الحقيقي. أما التصورات العقلية عن العالم، فكلها لم تصل إلى أن تعتبر معرفة. هي مجرد شفرة للوجود، وتحتاج إلى تفسير متواصل.
94-ومهمة الفلسفةهي استيعاب اللاعقلاني الذي يحكم العالم. ويرى ياسبرز أن المعنى الحقيقي للوجود يتضح في فترات أعمق الصدمات، فهنا تسقط الشفرة ويصبح الفرد حراً من كل هموم،الوجود في العالم. هذا هو ما يعنيه ياسبرز بمذهب"الموقف الحدّي".
95-الروسي نيكولاي برديائيف كان من دعاة الماركسية ثم تحول ناقدا لها، ثم تصوّف. وانتقل من التحرير على طريقة ماركس العنيفة إلى التحرير الباطني الروحي للإنسان الفرد عن طريق الرؤية الصوفية للدين، وكان يدعو المثقفين للسير في خطه، طريق الوجودية المؤمنة.
96-من المحسوبين على الوجودية(فيودور دوستو-يفسكي).بعد نجاته من الإعدام ثم من السجن المؤبد، جيّر نزعته الإنسانية إلى التحرر الروحي الذي أراده للجميع. وليس صحيحا ما ادعاه برديائيف من أنه مجرد متصوف صاحب نزعة شخصية. الصحيح أنه كان مشغولا بمعاناة البشر وأكبر راصد لقسوة الحياة في بلده.
97-كاتب وجودي آخر، ألبير كامو، الفائز بجائزة نوبل، مؤلف "أسطورة سيزيف"و"الطاعون"و"الإنسان المتمرد".المشكلة الفلسفية الوحيدة التي تكلم عنها هي مشكلة الانتحار. أفكاره كئيبة متشائمة، والإنسان عنده دائما في حالة عبث وقدره أن يقوم بأعمال لا معنى لها ولا هدف. فردية لا عقلانية متطرفة.
98-في 28 درسا فلسفيا، يشرح الفيلسوف هيوبرت دريفوس فلسفة هايدغر بالكامل ويقارن بين هايدغر الأول والمتأخر ومدى التغير الذي وقع في أفكاره. ويخصص المحاضرة الأولى لبيان أثر هايدغر على معظم فلاسفة القرن 20 ويتتبع اعترافاتهم الصريحة والضمنية بفضله عليهم.
youtube.com
99-هيوبرت دريفوس فيلسوف وجودي ظاهرياتي عظيم. هناك مستويان لوصف الفيلسوف. فمن انشغل بالفلسفة يدرسها ويدررسها طوال عمره فيلسوف ولا يمكن أن نصف الأكاديمي الذي يعرف دقائق كل مذهب، إلا بأنه فيلسوف.
وهناك الفيلسوف العظيم أي من تجاوز المستوى الأول وأتى بمشروع جديد أو حل مشكلة كبيرة.
100-يكاد يجمع الوجوديون على النفور من فرويد والتحليل النفسي. السبب في ذلك هو أن فرويد يرى أن الإنسان ليس حراً، وإنما هو دمية في يد اللاوعي. بينما تتصف كلمة "حرية" عندهم بحساسية بالغة.
101-الوجوديون هم الذين فهموا الفلسفة على أنها اعتناء بالنفس. وقد أصاب منهم من اعتبر سقراط الفيلسوف الأول الذي انتزع الإنسان من دراسة الأفلاك ليوجهه إلى أن يعتني بنفسه على الصعيدين الجسدي والروح.ولذلك حذر سقراط المحكمة من إنها لو أعدمته، فإن الناس سيخسرون من علمهم العناية بأنفسهم.
101-ليس كل الوجوديين يمدح سقراط. كيركغور يمدحه، أما نتشه فلطالما تحدث عنه بنقد قاس، لأن لديه موقف من العقلانية كموقف فكري يخالف خط نتشه الغريزي، ولأن الحياةليست مجرد التدفق المتواصل للحجج المنطقية،وأن على الإنسان أن
يخاطر بتجاوز حدود المعقول لكي يعيش الحياة، كما هي، بكل معانيها.
102-يُتهم الوجوديون بأنهم لاعقلانيون. هناك من فهم من ذلك أنهم يُنكرون صلاحية الجدال المنطقي والتفكير العلمي، لكن هذا غير صحيح. هم ببساطة يشككون في قدرة مثل هذا التفكير على التغلغل إلى المعتقدات الشخصية الراسخة التي توجِّه حياة البشر.

جاري تحميل الاقتراحات...