سليمان الناصر
سليمان الناصر

@salnasser

17 تغريدة 42 قراءة Dec 09, 2020
ذكرت أكاديمية أمريكية- في مقالة لها-أن تكلفة(غياب مبدأ النزاهة)في قطاع الأعمال تصل إلى ٣،٧ تريليون دولار، رغم أننا نشاهد في السنوات الأخيرة أن "مبدأ النزاهة" صار قيمةً لها حضورها المركزي في منظومات القيم لدى المؤسسات وعالم الإدارة والأعمال وأنظمة الحوكمة.
=
وهذه محاولة قصيرة لفهم "قيمة النزاهة " من خلال مقاربة لغوية وأخلاقية.
التنزّه في لسان العرب هو التباعد، وأرض نزهة أي بعيدة، فأصل التنزة يدور على البعد والتنحِّي والترفّع،
وتنزيه الرب سبحانه هو تقديسه، وبعده عن النقائص، وتسبيحه هو تنزيهة عن الأنداد والشركاء،
=
وتنزّه الكريم هو بُعده عن اللؤم، ويقال: تنزّه الإنسانُ، أي عن القاذورات والنجاسات، وتأتي بمعنى ابتعد عن الشبهات، فهذا محصّل ما قالوه في معنى اللفظ: التنزّه هو الترفّع عن مقارفة أمر ما والتباعد عنه، حسًا كان أو معنى.
ولا تخفى المناسبةُ بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي،
=
فالنزاهة تستعمل بقصد رفض الفساد والتباعد عنه والترفع عن الوقوع به وعن السكوت عنه.
ولو ذهبنا لمعرفة المكونات الأخلاقية لمبدأ النزاهة لوجدنا أكثر من تحليل، من أبرزها تحليل ابن حزم، فهو يرى أن "النزاهة" مكونة من أربعة قيم أخلاقية أخرى وهي :
١- قيمة النجدة ٢- قيمة الجود٣-قيمة العدل=
٤- قيمة الفهم.
ولا يرسل أبو محمد بن حزم هذا التحليل إرسالًا بل يورد تعليله لهذا التحليل المتميز، يقول (إن "النجدة" تورث صاحبها عزّة نفسه فتنزّه) أي أنه بسبب أخلاق النجدة ترفّع عمّا يخرق اعتزازه بنفسه،
(وأن "الجود"سخاوة نفسه فلا يهتم لما فاته) فالسخاء الذي هو روح الجود والعطاء=
يحرس صاحبه من الطمع والهمِّ بما فاته؛ فيتنزّه عن الرغبة بما لا يحق له، ( وأن "العدل" حبب إليه القناعةَ وقلّةَ الطمع) و("الفهم" جعله يدرك أن النزاهة أكمل، وضدها نقص وقصور).
فهذه تعليلات ابن حزم على تحليله لمفهوم النزاهة،
ولا يصعب ملاحظة أن كل واحدةٍ من هذه القيم يمكن تحليلها إلى=
قيمٍ أخرى أخلاقيةٍ أيضا، فمفهوم (النجدة) مثلًا، وهو من المفاهيم الأخلاقية التي لا تلاقي درسًا ولا حضورًا كبير في الخطابات الأخلاقية المعاصرة داخل المجال الاسلامي(لا أدري إن كان لأخلاق"النجدة" مقابل أجنبي لها)، فالنجدة تفيد لغويًا الارتفاع والعلو، ولهذا يقال للمكان العالي (نجد)،
=
والنجدان الطريقان الواضحان، حتى قيل في ( وهديناه النجدين) أي: ألم نعرّفه طريق الخير والشر بينين بيان الطريقين الواضحين، و"النجدة" خُلُقٌ رفيع يتضمّن معاني الترفّع عن النواقص والسوافل والانشداد إلى المعالي، مثل نجدة الملهوف ومساعدة المحتاج والمدافعة عن المظلوم،
=
فـ"النجدة" خلقٌ يشدّ صاحبَه الى نجدة الأخرين ويُشعره بالقصور في حال تقصيره عن نجدتهم أو سكوته وهو يرى الاعتداء على اجسادهم أو أموالهم أو أعراضهم.
ولا يخفاك أن أبا محمد بن حزم جعل "النجدةَ" مكونًا للنزاهة لأن صاحبَ النجدة ليس فقط يترفّع عن أن يأخذ ماليس له بل أيضا يترفع عن ظلم
=
غيره فلا يعتدي على حقه، بل ولا يرضى أن يُظلم غيرُه فيُؤخذ حقه أو يتعرض للإهانة والإعتداء بل يمنع هذا الاعتداء ما استطاع، فيمكن القول أن "النجدة" روحٌ تورث صاحبَها النزاهة، وهكذا يمكن الذهاب أكثر لتحليل العناصر الأخلاقية الثلاثة الباقية المكونة لمفهوم النزاهة، =
ثم إن ابن حزم لا يكتفي بتحليل مفهوم النزاهة ومكوناته لمعرفته، بل يذهب إلى مدخل إخر للتعرّف على قيمة النزاهة وهو معرفة ضده، فضد النزاهة الطمع، حيث لا يسقط الانسان ويخرق مبدأ النزاهة إلا لغلبة الطمع عليه، ( ولولا الطمع ما ذلّ أحدٌ لأحد)، وأيضا يحاول ابن حزم تحليل مكونات الطمع،=
ولن يفاجئنا أن تكون مكوناته هي عكس مكونات النزاهة، فالطمع يتكون من ١-الجبن ضد النجدة، و٢-الشحّ ضد الجود، و٣-الجور ضد العدل، و٤- الجهل ضد الفهم، فمن يجرّه الطمعُ للوقوع في الفساد سيكون غالبًا خاليًا من قيمة النجدة، شحيحًا لا يترفع عن ظلم غيره، جاهلًا بمعاني الأخلاق والقيم وأثرها=
على حياته وعلى علاقته بغيره، ولولا الطمع ما أعتدى أحدٌ على حق أحد،
هل نكتفي بتحليل أبي محمد بن حزم؟ليس بالضرورة، لكنه فتح لنا بابًا ذكيا في تحليل المفاهيم الأخلاقية، حيث تتكون الأخلاق بعضها من بعض، فلو ذهبنا لتأمل الأخلاق الذميمة التي يتكون منها الطمع سنجد الوقاحة وضدها الحياء=
والرغبة ضدها الاستغناء، والخيانة وضدها الأمانة، والكذب وضده الصدق، والغدر وضده الوفاء...، ثم لو حللنا كل واحد من هذه القيم لوجدناها تحيل على أخلاقيات أخرى، فالأمانة تواثق ومسؤلية وصدقٌ وفاء وعدل، والعفة صبر وعدل وجود، مالعفة؟ (أن تغض بصرك وجميع جوارحك عن الأجسام التي لا تحل لك)،=
هذا الاندفاع في تحليل الأخلاق غرضه بيان هذا التعالق اللافت بين مكارم الأخلاق، فكل خلقٍ حسن يلزم من وجودِه وجودُ خلقٍ آخر، وينتج من وجودِه خلقٌ آخر، فتتناسل الأخلاق الحسنة، ويحيل بعضُها على بعض، وكذلك الرذائل تتوالد وتتناسل بعضها من بعض، حيث تنكشف الطبيعة العملية للأخلاق،=
بل تتبين قيمة العمل نفسه مقارنة بالنظر المجرد.
وكل هذا يبين لنا انه مهما كانت مكافحة الفساد الخارجية -عبر أنظمة الرقابة والحوكمة والعقوبات- مهمة جدًا وضرورية جدًا ألا أنها لا تغني أبدًا عن إصلاح الإنسان نفسه وتخليقه وتزكيته، =
تَجددُ تزكية الانسان وإصلاح باطنه وقلبه ضمانةٌ كبيرة لتحجيم منافذ الفساد وبالتالي تقليل خسائره وتكاليفه المادية والمعنوية،
إصلاح الانسان يعني الاصلاح المستمر للخطاب التعليمي والثقافي والإعلامي والديني والتربوي، والتكامل بينها، فالمواطن الصالح هو إنسان صالح الظاهر والباطن.

جاري تحميل الاقتراحات...