من أخطر مآسي المُبدع ما تفعله به حياته الغارقة في الإبداع من خروج عن سرب الحياة المعيارية، قد يحقق مبدعون نجاحا بارعا في مجالهم لكنهم على الجانب الآخر ينسربون تدريجيا من حياتهم الاجتماعية والأسرية ويتحولون لرهبان عزلة مشحونة بالخوف، أو الحنق، أو الأنا العالية، أو الحسرة والقلق.
يبدأ المبدع حياته بحثا عن التفرد، وخشيته الثقيلة على قلبه أن يكون نسخة كربونة من كثيرين تدفعه إلى خسارات/ تضحيات. ما أن يصنع/يكتشف المبدع هويته الفردية حتى ينطلق في الحياة فيها، مبتعدا عن المحيط المعياري للحياة، ينسجم مع النخبة، أو يكوّن نخبته الخاصة، وهذا يحدث لبعض الوقت حتى ..
يعبئ المبدع نفسه بأوهام صحية وغير صحيّة؛ وهو بالمجمل نتيجة تفاعلها وانتصار أحدها عليه، شعوره بالتفوق مهم لكنه لا يكفي، ما يكونه من شعور من نقص في العالم، في محيطه أو مجتمعه شعور آخر يجب أن يعززه ليستمر، ويجب ألا ينتصر أحد هذين الشعورين لكي لا يفرز ظاهرة ناشزة إبداعية.
وهذا التوازن بين حدّين جارحين يحكي حياة مبدعين كثر، بعضهم تنتصر عليه نرجسيته فيشعر أنه نبي ومخلص ورسول للإنسانية، وبعضهم ينتصر حقده فيشعر أن هذا العالم لا يستحقه، وهكذا دواليك هذه الدائرة التي صنعت التفرد قد تتزن وتصنع مبدعا خارقا، وقد تختلف وتعيده لخانة الإنسان النمطي [العادي]
وهُنا تأتي الخيارات التي تواجه المبدع بعد استقراره الإبداعي، معرفته لخط سيره ودربه الفنّي، عندما يخرج من كهفه الإبداعي كحال الذي خرج من السجن بعد سنوات طويلة، يحتاج إلى إعادة تأهيل ليعيش أبسط الأدوار الاجتماعية، ويستبد به القلق لأن مهارته التي دفع لأجلها الكثير أفقدته مهارات أخرى
ولا يمانع المتلقي بأنانيته وبحماسته أن يمارس الضغط العاطفي على المبدع ليستمر في فعل ما يفعله، لأنه ــ ببساطة ــ يجيده وأنفق سنوات على تلك المهارة، أما المبدع فتبدأ تتساقط الجدران حوله، ومنابع العاطفة والحب التي تغذيه تجف وتشح، وتحيط به عزلته ويخاف من الذبول، فيدخل أزمة وجودية.
ومع هذه الأزمات الوجودية،يحدث ما نراه من تعاكس مُفارِق، المعياري الذي كان يفعل المستحيل لكي لا يكون [عاديا] أصبح يفعل المستحيل ليعود إلى سرب المعياري، ويحقق لنفسه أبرز اشتراطات هذه الحياة، يعلم فرديته الجامحة دروسا جديدة لكي لا يصبح سجينا لذاته وعزلته ونرجسيته التي أورثته الحسرة.
وكما حدث لجورج فورمان، ولمايك تايسون، دارت دائرة الزمن ومكنت المتلقي من الوصول إلى خلاصة عن هذه الدائرة الحتمية. دائرة الاختيارات بين البرج العاجي، والبرج العادي، بين الذات الفارقة، والذات النمطية، وتجاذب الإنسان وتنافره مع ذاته في سبيل تحقيق أحدهما.
انتهى
انتهى
جاري تحميل الاقتراحات...