إن المنطق الحديث لا يؤمن بالعدل المطلق كما أنه لا يؤمن بالحق المطلق. فليس هناك في نظر هذا المنطق عدل يمكن أن يشمل الناس جميعاً. وكل من يدعو إلى الحق المطلق إنما هو يريد، من حيث يشعر أو لا يشعر، أن يخدع الناس أو أن يجذبهم لجانبه وجانب جماعته.
فالحياة في الواقع هي نزاع بين المصالح المختلفة. وكل إنسان، حتى القاتل وقاطع الطريق، يرى الحق من خلال منظاره الخاص، ولذا كان العدل هو في أن تنحاز إلى جانب العدد الأكبر ضد العدد الأصغر.
وبعبارة أخرى: إن الظلم ضروري أحياناً، وذلك حين يتصادم حقان ويكون أحدهما عائداً لفئة صغيرة تريد أن تتنعم على حساب الفئة الكبيرة. إن الحق يدعوك عند ذاك إلى أن تكون ظالماً حتى تمحق ذلك الحق الضعيف وتنسفه من الوجود نسفاً.
للقارىء أن يتأمل، على سبيل المثال، في نظام التجنيد الإجباري المطبق على رؤوس المساكين من أبناء العراق، فإنه سيرى من غير ريب كيف يتحكم الإطار الفكري في عقول فئة صغيرة فيحملهم على ظلم الناس من حيث لا يشعرون.
لا مراء في أن سواد الشعب العراقي يكره التجنيد الإجباري كرهاً شديداً ولا يكاد أحد أبناء الشعب يعلم بأنه قد بلغ سن التجنيد حتى يتملكه الفزع وتسود الدنيا في عينيه. إنه يختلق شتى الأعذار ويحاول مختلف المحاولات، وتراه يبكي ويشكو ويكذب ويماري، في سبيل أن يتخلص من هذا النظام الخبيث.
وهذا ولكن أصحابنا الذين أرادوه لم ينظروا في الأمر مثل هذه النظرة الواقعية. فأنت لا تتحدث إلى أحدهم عن التجنيد حتى تراه قد أخذ منه الحماس كل مأخذ وامتلأ قلبه بشعور الوطنية الفياض.
إنهم يسمون التجنيد بخدمة العلم. وما ندري ماذا يقصدون بالعلم وبخدمته. إنها أقاويل سلطانية قد لقنوا بها منذ أيام طفولتهم الأولى، فهم يتشدقون بها ويعتقدون أنهم قد وصلوا بها إلى الحق الذي لا ريب فيه.
إن الشعب العراقي في حاجة إلى التعليم الإجباري أو المعالجة الإجبارية أو غير ذلك من ضرورات الحياة وترى أصحابنا ينسون هذا كله ويفرضون عليه التجنيد الإجباري.
فإذا اعترضت عليهم في ذلك إتهموك بالخيانة ثم هتفوا بأعلى أصواتهم: ليحيى الوطن! وأنت مضطر في مثل هذه الحالة إلى أن تطلق ساقيك للريح...
إنهم في الواقع غير ملومين فيما يفكرون به وما يعملون. فهم قد ينطبق عليهم قول مدام (شتايل) الآنف الذكر. ذلك أنهم مسوقون في هذا بعقليتهم الخاصة التي نشأوا عليها. وهم ينظرون في الأمور إذن من خلال الإطار الذي اعتادوا عليه وتمازجت مصلحتهم الخاصة به.
إنهم يجدون في التجنيد الإجباري خيراً ولا يبالون بعد ذلك ماذا يجري على الشعب من جرائه من مصائب ونكبات.
حدثتي صديق، وكان من أولئك العراقيين البؤساء الذين كانوا يساقون في العهد العثماني إلى مجازر الحرب كالأغنام، فقال: إنه جىء به وبمن معه من المجندين جبراً إبّان الحرب العالمية الأولى إلى ساحة (القشلة) في بغداد.
فخرج عليهم المفتي وبدأ يخطب فيهم خطاباً حماسياً. وكان مما قاله لهم ذلك الرجل الديني الكبير أنه أخذ يذكرهم بواجبهم في الدفاع عن الدين والدولة وبضرورة التضحية بالنفس والنفيس في سبيل حماية القرآن... ثم اغرورقت عينا الخطيب بالدموع من شدة الحماس والتأثر.
لا ريب أن ما قاله الخطيب حق، ولكنه حق بفئة قليلة - هي فئة المستفيدين من الدين والدولة. أما سواد الشعب، الذي كان يرزح تحت عبء ذلك الحكم اللئيم ويقاسي من ظلمه وتفسخه ما يقاسي، فلم يكن يفهم من ذلك الخطاب الرنان شيئاً.
لقد كان المفتي منعماً بنعمة الدين والدولة، وكان هو وأبناؤه وأنسباؤه وأصهاره معفوّين -طبعاً- من التجنيد الإجباري. فإذا جنّد أحدهم بفلتة من فلتات القدر نهض الوسطاء وقد افعوعمت قلوبهم رحمة وحناناً.
فجاهدوا في سبيل تخليص هذا المحظوظ من ويلات الحرب وتشغيله في بعض المهام التي لا خطر فيها، حيث يجعلونه يخدم الدين والدولة وهو آمن مطمئن ترعاه العناية الربانية من كل جانب.
الغريب في أمر هؤلاء أنهم حين ينتفعون من شيء يظنون أن الناس كلهم قد إنتفعوا به، وتراهم لذلك يفرضون أهواءهم وشهواتهم على الناس ثم يريدون منهم الطاعة والرضوخ... والتقديس أيضاً.
#علي_الوردي
#خوارق_اللاشعور
#علي_الوردي
#خوارق_اللاشعور
جاري تحميل الاقتراحات...