ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

22 تغريدة 815 قراءة Dec 04, 2020
بينما محمد بن عباد ملك إشبيلية وقرطبة يسير مع صديقه ابن عمار في مرج أخضر، إذ اهتز لمشهد النهر المتلألأ، فارتجل قائلا "صنع الريح من الماءِ زَرَد" منتظرا من صديقه ابن عمار أن يكمل البيت، لكن صوتا ساحرا اخترق مساحتهما وأكمل قائلًا "أي درعٍ لقتال لو جمد"
لمن هذا الصوت..
حياكم تحت🌹
اخترق الصوت قلب بن عباد فالتفت صوب مصدره، فإذا بها فتاة بالغة الحسن تغسل بعض الملابس في النهر، فتنته وألقته في نارها، ليس بجمالها فحسب بل بموهبتها الشعرية المقدرة حينذاك، سأل عنها فإذا بها جارية لرميك بن حجاج، فما كان منه إلا أن ذهب لصاحبها واشتراها وعتقها ثم تزوجها لتصير أميرته.
إنها اعتماد الرميكية الشاعرة الأندلسية التي غيرت وجه حياة ابن عبّاد، لقد أحبها حد الزُّؤامُ، حتى نسب ذاته إليها فأسمى نفسه المعتمد بالله بعد أن كان المؤيد، لقد جعل منها أميرة مدللة لا يرفض لها طلبًا، فكل مستحيل يطوّع وكل عسير ييسر في سبيل أن يهنأ منها بابتسامة وفرحة.
في نادرة لا تتكرر في إشبيلية هطلت السماء ليست مطرًا وإنما بلورات ثلج ذات جمال، عنى ذلك المشهد في نفس اعتماد الكثير حتى أنها تمنت لو تكرر، فلم يكن من ابن عباد إلا أن زرع لها شجر اللوز ذا الزهور البيضاء على جبل قرطبة حتى إذ نوّر استحال الجبل كله زهرًا أبيضا شبيهًا بالثلج.
وفي يوم آخر مرت الرميكية على بنائين تغوص أقدامهم في الطين، فتمنت لو غاصت قدمها في الطين مثلهم، نظر المعتمد لطلبها باستغراب، لكنه حرص على تلبيته، لذلك أمر بالتراب إلى القصر فأحضر وتم سحقه وخلطه مع كثير من المسك والكافور وماء والورد لتغوص أقدام الرميكية وجواريها في الطين.
لقد جاء المعتمد بن عباد في ظل ظروف وتحولات خطيرة، فهو ابن القرن الخامس الهجري، وابن الأندلس التي كانت حينذاك تموج بالاضطراب، فهذا صديقه ابن عمار يصنع القلاقل وهذا ألفونسو ملك قشتالة يحاول فرض هيمنته على أشبيلية وهذا بن تاشفين ملك المغرب يحاول توسيع دائرة ملكه.
الصداقة الكائنة بين المعتمد وابن عمار منذ الطفولة مكنت الأخير أن يصير وزيرًا في بلاطه، حيث عهد إليه المعتمد بمهام السفارات والمراسلات وتنفيذ المشاريع المختلفة، ليس هذا فحسب، بل هو كذلك كاتم أسراره وصديقه الأوفى الذي لن يخُنه مهما حدث.
لكن الأيام تأتي على كل شيء، تغيرت نفس ابن عمار وصار متطلعًا إلى مكانة أشد سموًا مما هو عليه، فاستغل ثقة المعتمد وأخذ يدك المدن واحدة تلو أخرى ويضمها للملكة، وينسب هذه الانتصارات لذاته ويعلي من قدره، وعلى جانب آخر يوقع باسم الملك ما شاء من اتفاقيات دون الرجوع إليه.
منها اتفاقية تقضي أن تدفع مملكة ابن عباد 30 ألف قطعة ذهبية لملك برشلونة الكونت ريموند برانجيه مقابل مساعدتهم في العدوان على مرسية واحتلالها واقتلاع ملكها أبي عبد الرحمن بن طاهر من عرشها، لم يتم العدوان وتفاجأ المعتمد ودفع المبلغ نظيرالإفراج عن صاحبه ابن عمار وبعض مقربيه.
أخيرًا وبعد فترة استطاع جيش المعتمد غزو مرسية والقضاء على ملكها وضمها إلى المملكة، لكن ابن عمار أبى إلا أن يُفصِح عن مكنونه الحقيقي فانتهز الثقة الموكولة إليه واستقل بحكم مرسية، وتصرف فيها تصرف الملوك، وانهمك في الشراب، وكفر بفضل المعتمد عليه وهجاه ما استطاع إلى ذلك.
تقلبت الأيام سريعًا، وانقلب أحدهم على ابن عمار، وفر الأخير متنقلًا بين الممالك، إلى أن وقع في الأسر لدى حاكم حصن شقوره الذي سلمه بدوره للمعتمد، وبيده وبدون تردد قتل صديق عمره بفأس أجش، وأمر بتغسيله ودفنه، ثم انكب في زاوية من قصره يبكيه حد الألم.
بعد هذا الموقف استفاق المعتمد ابن عباد قويًا منافحًا ومتصديًا لقوة الإسبان وعبثهم في ممالك المسلمين بالقول والفعل ، وهو الأمر الذي جر عليه المشكلات، وألب عليه ملك قشتالة الذي تجهز لغزوه، وهو الأمر الذي وضعه في حيرة، فقوة مملكته أقل من أن تجابه قشتالة.
ملوك الطوائف الذين وقعوا في مثل موقفه لجأوا إلى بن تاشفين ملك دولة المرابطين، وكان مصيرهم النهائي هو دفع الإسبان وضياع مملكتهم بضمها إلى ملك بن تاشفين، لكن من رحم تلك الحيرة خرج المعتمد ليقول "إنَّ رعي الجمال عندي خيرٌ من رعي الخنازير".
لقد فضل الرجل أن يصبح راعيًا للإبل في صحراء مراكش لدى ابن تاشفين على أن يصبح راعيًا للخنازير عن ألفونسو، لذلك لجأ إلى ابن تاشفين لصد هجوم ألفونسو، وهو ما قد كان، حيث أوقع بن تاشفين ومعه جيوش الطوائف هزيمة منكرة بألفونسو في رجب عام 479 فيما يعرف بمعركة الزلاقة.
استفاق المعتمد من كابوسه على نصر مبين للمسلمين، وقرر الاحتفال بالنصر فدعا بن تاشفين إلى إشبيلة حيث احتفى به أيما احتفاء، لكن في نفس بن تاشفين كانت تجري خطة أخرى يضم فيها إشبيلية لحكمه، لذلك اتهم المعتمد بالبذخ والظلم ونهب قوت رعيته.
من بين الأشياء التي استغلها بن تاشفين في الإجهاز على مملكة إشبيلية وضمها إلى ملكه هي الروايات المتناقلة عن البذخ الشديد الذي يمارسه المعتمد في استرضاء زوجته اعتماد الرميكية، والتي منها أن الأخيرة تقوم بدهن جدران قصورها بالمسك والعنبر، فضلًا عن قصة مستنقع الطين الممزوج بالعنبر.
كل البذخ والترف الذي ربما عاش فيه المعتمد وزوجته الرميكية سنينًا طوال تحول بعد هذا اليوم إلى العكس تمامًا، قيد وذل صارم وممنهج، فقد قام بن تاشفين بنفي المعتمد بن عباد وأولاده وزوجته الرميكية إلى طنجة بالمغرب حيث بقى فيها فترة من الزمن قبل أن يتم نقلهم إلى قلعة أغمات شديدة القسوة.
عرف الأمير المعتمد ومعه زوجته اعتماد شظف العيش وقسوته، وتفجرت منهما ينابيع الشعر تصور وتجسد بكل صدق ما صارا إليه حالهما من ذل ومهانة، منها قول المعتمد (ترى بناتك في الأطمارِ جائعة.. يغزلْن للناس ما يملكْنَ قِطميرا) في تصوير حال بناته اللاتي صرن يخدمن الناس كي يحظين بكسرة خبز.
يشتد الوضع قتامة على الحبيبين، قتامة تصل بالرميكية إلى ذروة التعب والمحنة، لتصرخ في وجه المعتمد "والله ما رأيت معك خير أبدا"، فقال لها ولا يوم الطين، فاستحت و ورقرقت عيناها بالدموع من فرط ما جال أمامها من ترف وذكريات.
رغم كل هذه الأوجاع التي اعترت حياتهما إلا أن الرميكية بقيت على الوفاء لزوجها، ومثّل ترابهطها القوي في ظرفيهما القاسي صورة شديدة التأثير فيما يمكن أن يصنعه الحب من اصطبار وجلد على تحمل تقلبات الدهر، بقي الحب وبقيت معه روح اعتماد ضاحكة سائرة بقصتيهما إلى سعادة ولو في ظل الركام
لم يفترق الحبيبان حتى في الموت، ماتت اعتماد وودعت الحياة عام 488هـ وبعدها بأيام جزعا وكمدا عليها لحق بها وحبيبها المعتمد الذي شق يوما اسمه من اسمها، مات الحبيبان ولم يطو التاريخ سيرتهما، أقيم لهما مع ابنهما ضريحًا وأوصى المعتمد أن يكتب على شاهد قبره مرثية نظمها يوما يرثي بها نفسه
الحياة لا تبقى على حال، صعود وهبوط وتغير دائم، لكن حين يتغير الحال من شاطئ إلى آخر مغاير تمامًا، هنا تكون المفارقات وتتجلى العبر، وفي كل هذه الأحوال يبقى الحب الصادق زادًا يمُد حاملية قدرة على المقاومة والاستمرار، وجسرًا يعبر بهم إلى حيث يتمنون رغم الوجع.

جاري تحميل الاقتراحات...