محمود
محمود

@_mah_moud

12 تغريدة 11 قراءة Jun 07, 2021
كفاكم لطفًا
إنْ أردت عالَمًا عادلًا فعليك أن تُقنع الظّلمة بحكمةٍ ولطفٍ بأن يستسلموا بإرادتهم، لا أن تُرهبهم. وإنْ أردت أن يكون الناس لطفاء فعليك أن تُظهر اللطف لأعدائك لا العُنف. كل ذلك يبدو رائعًا. غير أنّ المُشكلة الأكيدة هي أنّه لا يُجدي.
كان ميكافيلي مُفكرًا سياسيًا من فلورنسا في القرن الـ١٦، وكانت لديه نصيحةٌ فعّالةٌ للُطفاء الذين لا ينجزون الكثير. تتمحور فكرته حول رؤيةٍ مُربكةٍ مفادها أنّ النصر غالبًا ما يكون حليفَ الأشرار؛ وذلك لأنّهم يملكون ميّزةً يفتقر إليها الخيّرون.
إنهم على استعدادٍ لاستخدام كل الحيل لنصر قضاياهم، وهم غير محكومين بالمبادئ كغيرهم. هم على استعدادٍ تام للكذب وقلب الحقائق والتهديد والتصرّف بعنف. كما أنّهم -عندما تستدعي الحاجة- يعرفون كيف يخدعونك بسحرهم وكلامهم المعسول فيُبهرون ويُربكون؛ ويحكمون العالم بهذه الطريقة.
عندما نظر ميكافيلي إلى تاريخ فلورنسا وإيطاليا بوجهٍ عام، رأى أنّ اللطفاء من الأُمراء ورجال الدولة والتجار دائمًا ما يخفقون. ولهذا ألّف كتابه الذي يُعرف به اليوم (الأمير). كُتيب نصائح قصيرٌ ومُبهر لمن حسنت نيّتهم من الأمراء لئلّا ينتهوا إلى الخسارة؛ فالغاية النّبيلة وحدها لا تكفي.
والحلّ باختصارٍ يكمن في أن تبقى باللطف الذي تتمناه، ولكن أن لا تُفرط في التّصرف بلطف، وأن تعرف -عند الحاجة- كيف توظّف كلّ حيلةٍ استعملها أشدّ الناس شُؤمًا ودناءةً وقسوةً وشرًا على مرّ العصور.
لقد عرف ميكافيلي من أين بدأ هوسنا بالسلوك الودود؛ فقد نشأ الغرب على قصّة المسيح، الرّجل الطيب الذي عامل النّاس بلطفٍ، لقد أشار ميكافيلي إلى نُقطةٍ مُزعجةٍ في هذه القصّة المُؤثّرة، فمن منظورٍ عمليٍ عانت هذه الروح الرقيقة الذلّ والهوان، وقوبلت بالنّبذِ والسخرية، وحوكم في حياته.
(الأمير) ليس دليلك للطغيان كما يُعتقد غالبًا، بل دليلٌ لما يجب على الطيبين تعلّمه من الطّغاة؛ فهو يُخبرك كيف تكون مُؤثرًا، لا جيدًا فحسب، إنّه كتابٌ يعجّ بقصصِ فشل أولئك الأنقياء.
على السياسيّ الجيّد أن يتعلم من السيئ، كما أنّ على رجل الأعمال المُخلص التعلم من المُخادع؛ فما نحن إلا خُلاصة إنجازاتنا، لا نوايانا.
إذا لم نتصرّف إلا بحكمةٍ ولطف وخلقٍ حميد فإننا -كما يقول- لن نُحقق شيئًا، علينا أن نتعلم دروسًا من مصادر لا نتوقعها؛ من أولئك الذين نحتقرهم وبشدّة؛ ففي جعبتهم أهمّ ما علينا تعلمه لتحقيق الواقع الذي نتوق إليه، والذي يحاربونه بدورهم، إننا بحاجةٍ إلى أسلحةٍ من معدنٍ يُماثل ما لديهم.
طموحك الحسن لا يُغنيك، فالإنجاز هو المقياس الحقيقي. غايتنا تكمن في جعل العالم مكانًا أفضل، لا أن نستوطن الرخاء الكامنَ في حسن النوايا والقلوب الرحيمة.
لقد علم ميكافيلي بكل ذلك، وعكّر صفونا بالحقيقة لأنه يعلم أننا نقدم أنفسنا على كلّ شيءٍ عندما نخبرها بأنّ ما نتحلّى به من نقاءٍ وطيبةٍ ولطفٍ هو ما أعاقنا. يُعلمنا ميكافيلي وبحزمٍ بأننا عالقون لأنّ ضيق أُفقنا منعنا من أن نتعلم ممن حازوا المعرفة: الأعداء.

جاري تحميل الاقتراحات...