Renad | رِناد
Renad | رِناد

@RenadTWO

20 تغريدة 43 قراءة Nov 29, 2020
ماذا لَو كُنتَ رجُل اعمال ذا نُفوذ تريد التأثير على فئة من المجتمع بما يخدم مصلحة أعمالك؟
أو كُنتَ رجل دولة تسعى لإكتساب الرأي العام؟
أو حتى صاحب فِكر مثير للاهتمام تُحاول التأثير به على الناس لتُحدث تغيراً في بقعة ما من العالم؟
مهما كانت طبيعة مجالك (كقائد او مؤثر) ستكون دائما مشغول بفكرة التأثير والسيطرة على جماهير الناس. فحسب التاريخ "إنَّ الجماهير كانت وما تزال الوسيلة الأقوى في تنفيذ خطط القادة بإختلاف مجالاتهم وإختلاف نطاق قيادَتهم". فكيف تؤثر بالجماهير البشرية وتتحكم بها؟
بدايةً، الجماهير المقصودة هنا هي حشود الناس التي اجتمعت وتوحدت على فكرة او قضية او مُعتقد مهما كانت خلفيته. فأبناء العرق الواحد هم جمهور، وأبناء البلد الواحد جمهور، والحشود بالمظاهرات جمهور، و تَوَحُّد الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً هو جمهور.
فالجمهور المقصود هنا قد اتَّحد تحت فكرة محددة، وليس مُجرد تجمُّع للأفراد بطريقة عشوائية. لذلك إذا كنت حقاً تُريد أن تقود وتسيطر على هذه الجماهير المُنظّمة بما يخدم قضيتك، عليك أن تدرُسَها وتَفهَمَها جيداً.
ولعل أشهر من دَرَس الجماهير وحلّلها هو عالم النفس والإجتماع "غوستاف لوبون"، مؤسس علم نفس الجماهير، الذي أثار كتابه الشهير "سيكولوجية الجماهير" الكثير من الجدل حوله، واتّخَذَه عدد كبير من قادة العالم دليل شخصي لفهم عقلية الجماهير ثم قيادتها.
فيرى لوبون في كتابه أنك إذا انخرطت في حشد لدعم فكرة ما، ستبدأ بالتفكير والتصرف بطريقة مختلفة جداً عن لو كنت لوحدك. ويحدُث هذا التغيير لأنه عند انضمامك الى هذا الحشد يتوقف "عقلك الواعي" عن العمل ويبدأ "عقلك اللاواعي" بالسيطرة على تفكيرك وتصرفاتك.
أي أنّ "الوعي"المتمثل بالإدراك والفهم والمنطق والذي يمثل شخصيتك ومعتقداتك يتلاشى، ليقوم "اللاوعي"المسؤول عن غرائزك البدائية ورغباتك الهمجية وعواطفك بالسيطرة عليك وعلى جميع افراد هذا الجمهور أيضاً. وكأنكم كأفراد تتخلون عن شخصيّاتكم الفردية العاقلة لتذوب في شخصية الجمهور الغير عاقل
فمثلاً قد تجد أنَّ هناك فرق سحيق في مستوى الفكر والذكاء بين عالِم رياضيات شهير و شخص أمّي، أي أنَّ "الوعي والإدراك" لكل منهما مختلف تماما عن الآخر، ولكن من ناحية "اللاواعي" المتمثل بالغرائز والانفعالات والعواطف وكل ما يُمثل بِدائية العقل فإنك لن تجد اختلاف.
فإذا انضمّا الى جمهور ما سيكون "وعي" كل منهما غائباً، أمّا "اللاوعي" سيكون هو المسيطر الوحيد عليهما وعلى جميع أفراد الجمهور أيضاً.
هذا يعني حسب لوبون وبإختصار "أنَّ الجماهير مهما كانت طبيعة أفرادها فهي لاواعية غير مُدركة وغير مُفكِّرة، تقودها غرائزها البدائية وعواطفها الإندفاعية، وأبسط ما يُقال عنها أنها مجنونة". إذاً كيف يتحكم القائد بهذه الجماهير المجنونة ويؤثر عليها بأفكاره؟
بما أنّ الجماهير تتصف باللاوعي بشكل أساسي فإنها لن تكون قادرة على استيعاب الأفكار التي توحى اليها من قِبَل قادتها، إلّا بشرط أن تتخذ هذه الأفكار هيئة بسيطة جداً، وأن تتجسد لها على شكل صور في مخيلتها. فعندما تكون أفكار قادتها الفلسفية والعلمية مُعقدة يُلاحَظ كمية التبسيط والتغيير+
الكبير الذي يحصل لها من قبل هؤلاء القادة حتى تصل مستوى الجمهور، فتصبح مُعرّاة من كل ما صَنَع جوهرها وعظمتها. ورغم هذا التبسيط السطحي لهذه الأفكار، فإنَّ لها دور ضخم وتأثير طويلة المَدى على سلوك الأنظمة والدُول، تماماً مثل أفكار العدالة والحرية والديموقراطية.
وعندما يُريد القادة -مهما اختلفت أساليبهم- إدخال هذه الأفكار المُبَسَّطة إلى الجمهور، فإنهم يلجأون بشكل أساسي إلى الوسائل الثلاثة (التأكيد والتّكرار والعدوى). ويكفي أن نفهم طريقة تأثير الإعلانات على الجماهير لنجد أنّها تتّبع الوسائل الثّلاث لتقوم بعملها في إستمالة الجمهور.
لكنّ هذه الثّلاثية وحدها ليست كافية لتحريك الجماهير، إذ أنّ أهمّ ميزة يجب أن يتحلّى بها القائد هي الهيبة الشّخصية، وهي ما تجعله يفرض نفسه دون أن يقول أيّ كلمة على الجمهور. "فالقادة يفرضون انفسهم فرضا ولا يُناقشون".
الآن وبعد استيعاب طبيعة الجماهير وكيفية السيطرة عليها حسب نظرية "غوستاف لوبون"، يجدر بك أيضاً أن تعرِف أنّ نظرية لوبون هذه ليست وحدها، فهناك نظريات ودراسات حديثة أُخرى "بعلم نفس الجمهور" تنفي تحوُّل الأفراد لحالة "اللاوعي" عند الإنضمام للجمهور+
وترفض وصف الجمهور "باللاعقلاني والبدائي والمندفع". وهي بنفس الوقت تعترف بتأثير الجماعة على الفرد، لكن ليس بالشكل المتطرف الذي طرحه لوبون.
في النهاية، من المهم أن تعرف أنَّك كفرد تُصنَّف أسفل عدد كبير من الجماهير والجماعات التي تمثلك، كالعِرق والبلد والتوجه السياسي والتوجه الفكري وغيرها. وبالتالي عليك أن تُدرك قوة تأثير الجماهير التي تنتمي لها وقوة تأثير قادَتها على أفكارك وتصرفاتك+
وعليك أن تكون حاضراً مُدركاً لجميع أفكار ومعتقدات هذه الجماهير وأن لا تتبناها إلّا بعد تفكير نقدي خالي من أي انحياز الى الجماعة او قائدها.
أمّا كقائد ومؤثر في هذه الجماهير فيجب عليك أن تعرف أنَّ جماهير اليوم تختلف عن جماهير الماضي، فهي مُدركة أكثر ومُفكِّرة أكثر. وعليك أن تُدرك أيضاً أنَّه لا يمكنك أن تتعامل مع جميع الجماهير بالمِثل، فقد تختلف كليا عن بعضها البعض. ولكل جمهور مفتاحه الخاص.

جاري تحميل الاقتراحات...