Renad | رِناد
Renad | رِناد

@RenadTWO

21 تغريدة 15 قراءة Nov 29, 2020
هناك صنف استثنائي من الشخصيات التاريخية يذكرها التاريخ على انها السبب الرئيسي في جعل العالم على ما هو عليه الان، هذه الشخصيات لم تكتفي بكتابة التاريخ بل كتبت الحاضر والمستقبل مُستَغِلَّة افكارها الثورية ونفوذها الساحر العابر للأزمان. +
وبينما يظن الكثيرين أنّ هذه الشخصيات مقتصرة على حُكّام الدول والسياسيين ورجال الدين والعلماء فقط، يأتي ادوارد بيرنيز (الذي كان من أوائل "بائعي الأفكار" في القرن العشرين) ليكسر هذا القالب.
القصة بدأت بعد الثورة الصناعية الثانية، يعني بعد الفترة يلي قَلبت الدنيا رأساً على عقب وتغيَّرت ملامح العالم خلالها، طبعا ما رح نخوض بكل التغيرات يلي صارت في تلك الفترة لانها مش موضوعنا، لكن احتاج اذكُر إنّه بعد الثورة الصناعية زاد عدد سكان المدن الصناعية بشكل كبير +
وزادت بشكل كبير أيضاً عمليات الإنتاج والصناعة، وبالتالي صاروا أصحاب الأعمال يفكروا بجميع الطُرق الممكنة لبيع منتجاتهم ومنافسة غيرهم من أصحاب الأعمال بالأسواق، الأمر يلي شَكّل بداية التوجه لما يُعرف بـالدعاية الحديثة او ال(modern advertisement)،وهون بتبدأ قصتنا مع "إدوارد بيرنيز".
بيرنيز هو شخص نمساوي انولد بال1891 وعاش حياته باميركا، درس الزراعة بالجامعة، لكن مهاراته الدعائية واللغوية جعلته يريد العمل بمجال ترويج خدمات ومنتجات أصحاب الاعمال، فقام بعد الثورة الصناعية الثانية بفتح مكتب علاقات عامة حتى يساعد الاشخاص والمؤسسات +
بترويج (أعمالهم-أفكارهم-منتجاتهم-خدماتهم) وكل ما يتعلق بالدعاية والإعلان.
وكانت الإعلانات في ذلك الوقت عبارة عن حقائق صريحة وبسيطة جداً عن المنتج أو الخدمة، يعني ببساطة مجرد بيان دقيق عن مزايا امتلاك هالمنتج.
بيرنيز على الطرف الآخر ما كان مقتنع إطلاقاً بطُرُق الدعاية والاعلان التقليدية هذه، وكان له وجهة نظر اخرى. فكان يعتقد أنّ الإعلانات ممكن تكون فعّالة اكتر بكتير إذا استوعب المُعلِنون عقلية المستهلك، اي إذا استطاعوا فِهم عواطفه و رغباته اللاواعية إلّي هو نفسه قد لا يعلم بوُجودها +
عندها فقط يمكنهم تسويق المنتجات بنجاح وإرضاء المستهلكين إلى أبعد الحدود.
فمثلا أي شركة بيع سيارات في ذلك الوقت كانت تسوّق لسياراتها من خلال نشر حقائق حول مدى جودتها، بينما بيرنيز كان يعتقد أن التسويق يجب أن يتمحور حول الترويج لها كرمز للوضع الإجتماعي والثروة والسلطة، بحيث يُخاطب رغبات الناس الدفينة واللاواعية بالظهور بصورة اجتماعية رفيعة أمام المجتمع.
كان سلاح بيرنيز الأساسي في حملاته الاعلانية هو "البروباغاندا".وحسب تعريف بيرنيز لها بكُتبه "هي الآلية التي تنتشر فيها الأفكار على نطاق واسع، أي عبارة عن جُهد منظم لنشر مُعتقد او فكرة معينة". +
حيث يستخدم "البروباغانديون" الإعلام كالمجلات، الصحف، الإذاعات، الإنترنت، والفيديوهات للتلاعب بالجماهير لقبول أفكار معينة.
ومن الامثلة الشهيرة على منهجية بيرنيز بالترويج، هي عندما طلبت منه احدى شركات الدخان المدعوة ب "لاكي سترايكس" ان يساعدهم على رفع معدل مستهلكي سجائرهم من السيدات، فكانت حملته قائمة على إقناع السيدات ان التدخين يساعد على النحافة، لكن اولاً كان يجب الترويج +
للنحافة نفسها كفكرة لم تكن موجودة وقتها، فسخَّر المصورين والفنانين والمجلات والصُحف لترويج النحافة على انها الموضة الجديدة، ثم استعان بالعديد من ابناء الحقل الطبي ليصرّحوا للصحف والعامة أنّ التدخين هو خيار صحي بعكس تناول الحلوى، وبعدها حاول التروّيَج للأمر كحاجة إجتماعية لكل سيدة
نجحت الحملة وزادت مبيعات الشركة،لكن نسبة استهلاك النساء للدخان ما كانت كبيرة لأنهم كانوا يدخنوا بالخفية وبكميات قليلة، فالتدخين كان غير مسموح لهم في ذلك الوقت، مما منع وصول الكثير من الأرباح الإضافية التي كان من الممكن ان تحصل عليها الشركة لو كان للمرأة حرية التدخين كما كان للرجل
أراد بيرنيز أن يستغل هذه النقطة، فقام بالإستفادة من حَدَث مرور موكب عيد الفصح بنيويورك سنة ال1929، وتعاقَد مع العديد من المُراهقات الناشطات في حقوق المرأة حتى يشعلوا سجائر (لاكي-سترايك) علناً خلال العرض وبمواجهة الصحفيين المتعطشين لتغطية الحدث.
بيرنيز كان عارف إنّو هيك منظر رح يثير ضجة الصحافة ويخلي البلد ما عندها سيرة إلا هالموضوع. وهذا بالفعل ما حدث، مما اعطى فرصة للحديث عن الموضوع بين العوام وكسر المحظور للفتيات بالتدخين أمام العامة +
وبالتالي ازدادت مبيعات شركة دخان "لاكي سترايكس" كونها نجحت بالسيطرة على شريحة أوسع من المجتمع أخيراً.
وبعيداً عن حملة شركة الدخان هذه، بيرنيز خطط لحملات عديدة أخرى و بشتى المجالات، ابتداء من عمَلُه على إسقاط حكومة غواتيمالا المنتخبة ديمقراطيا ورئيسها معها، وانتهاء بكونه المسؤول عن الكثير من العادات الشرائية التي لم يتمكن الأمريكيين من الاستغناء عنها حتى يومنا هذا.
في النهاية قد تسأل "لماذا كان من المهم التعرف على بيرنيز وأفكاره بالاعلان والترويج؟"
والاجابة هي لأن منهجيته التي استخدمها وكانت عبارة عن تطبيق عملي لأفكار عمه "سيغموند فرويد" هي إلى يومنا هذا اساس عمل جميع المجالات التي تستهدف التأثير على قراراتنا وتصرفاتنا من غير وعي منا.
فأي فكرة مهما كانت خلفيتها (سياسية إجتماعية أو اقتصادية) يمكن تسويقها للجمهور باستخدام البروباغندا، وبالتالي من المهم جداً معرفة وفهم المصادر التي قد تؤثر علينا كأفراد معرضين لشتى انواع المؤثرات في المجتمع.

جاري تحميل الاقتراحات...