ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

22 تغريدة 88 قراءة Nov 27, 2020
ملهم، مثير للضجة، ممتع، مشين أحيانا، كان مثالًا حيا للتفرد والعبقرية الكروية، لكن لم يكن لاعب كرة فقط ، بل مثل الإنسان بكل تجلياته وتناقضاته.
مجده ..
ثورته..
رضوخه لنزواته ..
كان #ماردونا
حياكم تحت
من قلب الوحل والفقر والفاقة كثيرًا ما تنبت الزهور، وحين تنبت فإنها لا تكون كأي زهرة عادية، بل تعاكس بجمالها وألقها كل ما حولها من بؤس وظلام، وهذا بالفعل ما حدث مع دييغو مارادونا، الذي نشأ لأسرة يؤرقها العوز تحديدا في فيلا فيوريتو، أحد أحياء "بوينس آيرس"، بالأرجنتين.
في 30 أكتوبر من العام 1960 ولد دييغو لأب بسيط يعمل في الميناء كعامل، ولد بعد انتظار طويل من أسرته، لقد كان الفتى الأول بعد أربعة فتيات، فيما لحق به أخوين آخرين. ومع هذا العدد الكبير نسبيًا لتلك الأسرة، تفاقمت سوء الأوضاع المادية أكثر وأكثر.
تغير مسار الفتى الصغير كليًا في عيد ميلاده الثالث، حينما فاجأه ابن عمه زاراتي بكرة أو لنقل تميمة حظ فتحت أمامه بابا واسعًا من التألق، بابا لم يقفل إلا وهو من هو، تمسك الطفل بكرته الصغيرة ولم يعد يشاهده أحد سوى بها،
حيث ارتسمت شوارع حيه الفقير بركضه فيها ليل نهار.
لقد كانت أمه تأمل أن تصل به من خلال الدراسة أن يكون محاسبًا ماهرًا يعوضهم قليلًا عما يعانون، لكن وسط عناد دييغو وتمسكه بكرته وقضائه لمعظم وقته ممارسًا لها؛ استسلمت الأسرة بكاملها، وراحت تدعمه حيث التحق أخيرا بفريق البصل الصغير، وهو فريق الناشئين التابع لقريته.
بشكل جنوني نمت مهارة مارادونا وأصبح الجميع ينظر إليه نظرة إعجاب وانبهار، ما أهله وهو في سن الثانية عشر من عمره أن يختار لتقديم فقرات مهارية بين أشواط المباريات في دوري الدرجة الأولى الأرجنتيني، وذلك كنوع من تسلية المتفرجين.
بعد أن طافت به موهبته في عديد من الأمكنة والمناسبات، استقر أخيرًا عام ١٩٧٦م كلاعب في نادي أرجنتينوس جونيورز، ناد أولي قضى فيه أربعة أعوام أظهر فيهم نضجًا وموهبة فذة، وانضم على أساس هذا النضج والتألق إلى منتخب بلاده وهو لم يزل بعد في سن السادسة عشر من عمره.
بقوة نظر وتركيز شديدين راقبت الأندية المحلية الكبرى ذلك الشاب النابض بالموهبة وحاولت عديد من الأندية استمالته للانضمام إليها، لكنه في النهاية مال إلى تفضيله الشخصي وتفضيل كل من حوله في الأحياء الفقيرة حين اختار نادي بوكا جونيور معشوق الفقراء.
كان مارادونا محبًا لكرة القدم حد الجنون، بجانب هذا الحب اجتمعت له موهبة فذة لم تتكرر ربما لسواه، موهبة وحب صنع بهما معادلة جنونية من الإبداع والإمتاع، واصل الفتى الذهبي المسير وانتقل إلى بوكا جونيور، ولم يمض كثير من الوقت حتى أصبح بطلًا للأرجنتين بكاملها.
أوروبا تناديه من كل أصقاعها ونواديها، لكنه لم يلتفت سوى لنداء برشلونة، ولم يوافق على تلبية النداء والارتماء في أحضان النادي الكاتالوني إلا حينما حطم كل أرقام الشراء السابقة له، مسجلًا ثمنًا هو الأغلى حينها قُدّر بخمسة مليون جنيه استرليني.
قَدِم مارادونا إلى إسبانيا عام 1983 والأمل يحدوه أن يواصل مسيره في إمتاع الجماهير واحتضان حبهم، وبالفعل قطع شوطًا مهمًا في تحقيق ذلك، حيث حقق مع الفريق بطولات مهمة من بينها مسابقة الكأس الوطنية الإسبانية على حساب ريال مدريد، وفي عامه الأول اختير كأفضل لاعب في البطولة الإسبانية.
كرة القدم وانتصاراتها ليست كل شيء، لاقى ماردونا من العنصرية ما يكفي، ليس من الجماهير فحسب، بل من اللاعبين أنفسهم، ومن هؤلاء اللاعبين الإسباني أندوني غويكيوتكسيا، الذي انتقم من مارادونا لدوره المحوري في مباراة أتلتيك بلباو، عبر عرقلة مقصودة شديدة العنف.
سقط مارادونا أرضًا وهو حينها في قمة توهجه الكروي، في لحظة واحدة ألقي به وراء الكواليس، وعانى من إهمال طبي على حسب قوله، ما أُثار في نفسه شعورًا بالحنق فعاد أدراجه إلى الأرجنتين من أجل العلاج والاستشفاء وسط عائلته من يشبهونه ويحبوه.
بعد عودته من الإصابة تفاقم العداء والتربص به، لذلك قال كفى وقرر تعديل مساره وترك إسبانيا إلى الأبد، الجميع ينتظر ذلك النادي الكبير الذي سيحظى بخدمات مارادونا، لكنه فاجئ الجميع باختياره لنادٍ إيطالي مغمور حينها، هو نابولي، لقد تمت الصفقة نظير رقم قياسي جديد 6.6 مليون جنيه إسترليني
جماهير نابولي أخيرًا حصلت على مفتاحها السحري، وقطعت لذاتها موعدًا جديدًا مع الفرحة والإنجاز، طائرة عمودية تحمل مارادونا تحط في قلب ملعبهم بينما أكثر من 80 ألف مشجع في انتظاره، لقد حملهم للمجد وفاز معهم بكأس الاتحاد الأوروبي مرة وبالدوري الإيطالي مرتين.
من منا لا يعرف مباراة الأرجنتين مع إنجلترا في ربع نهائي مونديال 1986 حينما فك مارادونا لغز التعادل الذي ساد هذه المباراة، بهدف طائر بالمشاركة بين رأسه ويده، هدف هو الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الكرة، ثم أتبعه بهدف القرن حين تخطى 7 لاعبين قبل أن يسكن الكرة الشباك.
سارت الأرجنتين نحو النهائي وحصدت كأس هي الأغلى في تاريخها وفي تعليقه على ذلك الهدف بعدها قال دييغو: إن الهدف جاء بفضل "جزء من ضربة رأس من مارادونا والجزء الآخر من يد الرب"، في حين وصفته الصحف الإنجليزية باللص والمخادع والقذر في بعض الأحيان.
لقد كان جزءًا من ممارسته ذلك الخداع في وضع الكرة بيده راجع إلى شخصيته المجنونة غير المبالية، وجزء آخر راجع إلى حرب الفوكلاند التي دارت بين بلاده وبين إنجلترا وسقط فيها كثير من أبناء جلدته، لذلك وصف الفوز بهذه الطريقة بأنه بمثابة انتقام جزئي لكل الضحايا الذين أسقطهم الإنجليز.
"إن يد الرب هي التي أحرزت هذا الهدف" دفع هذا التصريح الاستثنائي من مارادونا البعض في الأرجنتين إلى حد تدشين كنيسة ذات طابع تهكمي، كنيسة تعرف حاليا باسم الكنيسة المارادونية، معتبرين مارادونا صورة من صور الرب، تقيم الكنيسة احتفالا سنويا يحضره الآلاف احتفالا بكريسماس مارادونا.
بعد أن حقق الألقاب لفريقه المغمور، والمجد لمنتخب بلاده، واصل دييغو إبهار الجميع بوصوله مع منتخب بلاده مرة أخرى إلى نهائي كأس العالم لمرتين متتاليتين، لكن هذا الإبهار والجنون لم يخبو هكذا بشكل اعتيادي، بل صاحبته دراما مفرطة، حين أظهرت نتائج تحاليل متكررة أن دييغو مارادونا مدمنًا.
لم تتوقف الدراما عند حد إدمانه المخدرات والكحول ومن ثم اعتزاله للكرة في عامه السابع والثلاثين، بل امتدت لتشمل مشاكل صحية متفاقمة ووزن زائد، وحكم بالحبس مدة عامين و10 أشهر مع وقف التنفيذ بسبب إدانته بإطلاق النار على صحفيين ببندقية هوائية.
لقد جمع #مارادونا في سلته كثير من الصفات التي تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكنها بكل ما تشمله من خطأ وصحة هي الإنسان بخيره وشره ، بمجد يعانق السماء وسقوط لا يشبهه سقوط اخر ! ، هو #ماردونا خالصًا من كل تصنع، لذلك استحق ما عليه اليوم من حب وأكثر.
وداعًا دييغو أرماندو #مارادونا

جاري تحميل الاقتراحات...